موقع الاستاذ ايهاب الاسلامى.
مرحبا بك زائرنا الحبيب
مرحبا بك فى اعلام واقلام
مرحبا بك معنا فردا عزيزا علينا
نمنحك عند التسجيل العضو المميز
كما يمكنك الكتابة والتعليق فى بعض الفئات دون تسجيل
ونتمنى لكم مشاهدة ممتعة معنا
نسالكم الدعاء
اخوكم ايهاب متولى

موقع الاستاذ ايهاب الاسلامى.

وفق الكتاب والسنة وما اتفقت عليه الامة
 
الرئيسيةالبوابةالتسجيلدخولتلاوات الاشبالمنتدى حياتى ملك ربى
https://ehabmtwale.forumegypt.net/ لا تنسى ذكر الله
هــــــــــــــلا و غــــــــــــــلا فيك معانا في منتدانا.. بين اخوانك واخواتك الأعضاء ونبارك لأنفسنا أولاً ولك ثانياً بزوغ نجمك وإنضمامك لركب هذه القافلة الغالية علينا نتمنى لك طيب الإقامة وقضاء وقت مُمتع ولحظات سعيدة بصحبتنا .. بإذن الله في إنتظار ما يفيض به قلمك من جديد ومفيد .. لك مني أرق تحية مع خالص تحياتى موقع الاستاذ ايهاب الاسلامى.

 

  المنتخب من كتب شيخ الإسلام ابن تيمية

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
ايهاب متولى
مؤسس الموقع
مؤسس الموقع
ايهاب متولى

عدد المساهمات : 1578
نقاط : 3229
تاريخ التسجيل : 10/01/2011
العمر : 40

   المنتخب من كتب شيخ الإسلام ابن تيمية  Empty
مُساهمةموضوع: المنتخب من كتب شيخ الإسلام ابن تيمية       المنتخب من كتب شيخ الإسلام ابن تيمية  Empty2011-08-05, 11:37








المنتخب
من كتب شيخ الإسلام ابن تيمية


انتخبه وخدمه
علوي بن عبدالقادر السَّقَّاف

المحتويات
المقدمة 17
القسم الأول
[التوحيد والعقيدة]
مسائل في: أسماء الله وصفاته، والإيمان والكفر، وبعض الفرق كالمرجئة والخوارج، وزيارة القبور، والجن والشياطين.
سؤال الله بصفاته والقسم بها جائز أما دعاء الصفة فكفر بالله. 27
الحلف بالنَّذر والطلاق ونحوهما هو حلف بصفات الله. 28
الإقسام على الله بشيء من مخلوقاته أو السُّؤال له به. 29
المضافات إلى الله نوعان: أعيان وصفات. 32
الصِّفات لها ثلاث اعتبارات مطلقة أو مضافة للعبد أو مضافة للرب. 35
معنى تردد الله عزَّ وجلَّ عن قبض نفس عبده المؤمن. 36
المراد بقولهم: الإيمان قول وعمل. 39
ما كان في القلب لا بدَّ أن يظهر موجبه ومقتضاه على الجوارح. 40
الإيمان والنِّفاق أصله في القلب والعمل دليل عليه وإذا حصل دليل الشَّيء حصل أصله المدلول عليه.
43
أصل العمل عمل القلب وما يتناوله لفظ: ((السنة)) في كلام السلف. 45
الكفر المطلق وكفر المعين. 46
تفصيل القول في حكم تارك الأركان الأربعة وبخاصَّة الصَّلاة. 47
التكفير المطلق لا يستلزم تكفير الشخص المعين. 53
المرجئة غلطوا في أصلين. 55
أصناف المرجئة وأوجه غلطهم والرد عليها. 56
من حجج المرجئة والرد عليها. 59
الرد على قول المرجئة: المراد بالإيمان التصديق. 61
أوجه معرفة زيادة الإيمان الذي أمر الله به. 68
كلام نفيس جداً لأبي ثور في رده على المرجئة. 71
المرجئة أخوف على هذه الأمة من الخوارج. 73
ألفاظ القرآن والحديث إذا عرف معناها الشرعي لم يُحتج إلى اللغوي وفيه الرد على الخوارج والمرجئة.
74
الخوارج فارقوا أهل السنة والجماعة لجهلهم والرد عليهم. 77
فتوى شيخ الإسلام في النصيرية والدروز. 79
أهل السنة والجماعة لا يكفرون أهل القبلة بمطلق الذنوب. 85
زيارة قبور المسلمين نوعان: شرعية وبدعية. 87
وصول ثواب العبادات المالية والبدنية للميت. 90
جواز كتابة شيء من القرآن بالمداد المباح وغسله وشربه. 92
الشَّياطين تتصوَّر لبعض النَّاس في صور الآدميِّين لتوقعهم في الشِّرك. 94
ليس في أئمَّة المسلمين من ينكر دخول الجنِّ في بدن المصروع وغيره. 96
أصناف الناس في مسألة دخول الجني في الإنسي. 97
تمثل الجن بالإنس ومن ذلك تمثلهم بابن تيمية نفسه. 100
سبب كثرة تصور الجن بصورة الكلب والقط الأسودان. 104
القسم الثاني
مسائل في: العلم والجهاد والسياسة الشرعية
الشرع والسياسة. 107
شيخ الإسلام يصف أهل زمانه وقت ظهور التتار. 109
انتقال الأمر من خلافة النبوة إلى الملك. 111
لا يصح أن يقال الخليفة هو الخليفة عن الله مثل النائب عنه. 112
الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أفضل الأعمال. 115
فروض الكفايات يقوم بها من قدر عليها إذا لم يكن في إقامتها فساد يزيد على إضاعتها.
117
طلب العلم الشَّرعي فرض على الكفاية إلاَّ فيما يتعيَّن. 119
قتال الطَّائفة الممتنعة عن شريعة من شرائع الإسلام الظَّاهرة المتواترة. 120
كلُّ من خشي الله فهو عالم وليس كلُّ عالم يخشى الله. 124
لو أفتى المفتي بالخطأ فالعقوبة لا تجوز إلاَّ بعد إقامة الحُجَّة ولا يجوز منعه من الفُتْيا مطلقاً ولا حبسه.
125
ليس لأحد أن يحكم بين أحد إلاَّ بحكم الله ورسوله. 127
الشَّرع المنزَّل والشَّرع المؤوَّل والشَّرع المبدَّل. 128
الحكم بغير ما أنزل الله من أعظم أسباب تغيير الدُّول. 132
ترك العالم ما عَلِمَه من الحقِّ واتِّباع حكم الحاكم. 134
المساجد هي مواضع الأئمَّة ومجامع الأمَّة. 136
أوَّل من أحدث أيمان البيعة الحجَّاج بن يوسف الثقفي. 138
كثير من النَّاس إذا رأى المنكر جزع وهو منهيٌّ عن هذا. 139
الواجب في أمور الجهاد أن يُعتبر برأي أهل الدِّين والدُّنيا. 141
طاعة الإمام العدل وغير العدل. 141
الحبس الشَّرعيُّ ليس هو السِّجن في مكان ضيِّق. 142
من عادات الفرس والعجم في الإمارة والقتال التي دخلت على المسلمين.
144
القسم الثالث
مسائل في: الخلاف والاختلاف والإنكار، والتحزب المحمود والمذموم والبدعة والمصالح والمفاسد والإنصاف
الإنكار على من أظهر الفجور أو البدع ودعا إليها. 149
البدعة التي يعدُّ بها الرَّجل من أهل الأهواء. 149
مواقف المبتدع من النصوص التي تخالفه. 150
هجر العاصي والمبتدع بحسب الأحوال والمصالح. 151
الأمر بالجماعة والائتلاف والنَّهي عن البدعة والاختلاف وهجر المُظْهِر لبدعته لمصلحة راجحة.
152
الموقف الوسط من هجران أهل البدع. 154
الفرق بين ((خوارج المارقين)) و ((البغاة المتأولين)). 156
أهل السُّنَّة في الإسلام كأهل الإسلام في الملل. 160
من أسباب ضلال المبتدعة بناؤهم دين الإسلام على مقدِّمات يظنُّون صحَّتها.
161
مسائل الاجتهاد من عمل فيها بقول بعض العلماء لم يُنْكَر عليه ولم يُهْجَر.
162
المؤاخاة والمخالفة المشروع منها والممنوع. 162
التَّحزُّب المحمود والتَّحزُّب المذموم. 166
ليس لأحد أن يأخذ على أحد عهداً بموافقته على كل ما يريده. 167
التوسُّط في الحبِّ والبغض والموالاة والمعاداة وفيه فوائد. 173
نصائح للدعاة. 176
كثير من النَّاس يجعل طائفته هم أهل السُّنَّة والجماعة. 178
مسألة رؤية الكفَّار ربَّهم يوم القيامة وما ينبغي مراعاته عند الخلاف. 180
أهل السُّنة والجماعة يتَّبعون الحقَّ ويرحمون الخلق. 185
من عُلم منه الاجتهاد السائغ فلا يجوز أن يُذكَر على وجه الذَّمِّ. 186
لا يجوز التَّفريق بين الأمَّة بأسماء مُبتَدَعة لا أصل لها في الكتاب والسُّنَّة.
187
الفرق بين الباغي أو الظَّالم المتأوِّل وغير المتأوِّل. 189
كثير من نزاع النَّاس سببه ألفاظ مجملة مبتدَعة ومعان مشتبهة. 190
أنواع الاختلاف. 191
الفعل إذا كان يفضي إلى مفسدة وليس فيه مصلحة راجحة يُنهى عنه. 194
ما نهي سدّاً للذَّريعة يُباح لمصلحة راجحة. 195
من لا يمكنه ان يأتي بحسنة راجحة إلاَّ ومعها سِّيئة دونها في العقاب ماذا يفعل؟
197
فصل جامع في تعارض الحسنات والسَّيِّئات. 202
قاعدة عامَّة في تعارض وتزاحم المصالح والمفاسد والحسنات والسَّيِّئات.
209
إذا اشتمل العمل على مصلحة ومفسدة. 211
العمل عند تكافؤ مصلحتين أو مفسدتين. 212
الشَّريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها. 213
اجتماع الخير والشَّرِّ في الرَّجل الواحد. 214
اشتمال بعض الأعمال على الخير والشَّرِّ في آن واحد وفيه كلام غريب! 215
أصناف النَّاس في غيبة الآخرين. 218
المباح بالنِّيَّة الحسنة يكون خيراً وبالنِّيَّة السَّيِّئة يكون شرّاً. 220
فعل المباح على وجه العبادة بدعة منكرة. 222
القسم الرابع
مسائل أصوليَّة في:
الاعتصام بالسُّنَّة وترك الابتداع، والإجماع والتَّقليد والتَّمذهب، والأمر والنَّهي، والأعياد والتَّشبُّه بالكفَّار، والمجمل والمطلق والعام...
ترك السُّنة يُفضي إلى فعل البدعة وترك المأمور يفضي إلى فعل المحظور.
227
قاعدة فيما يجب من المعاوضات ونحو ذلك. 229
مسألة إجماع أهل المدينة. 232
هل لازم المذهب مذهب أم لا؟ 234
لا يجب على أحد من المسلمين تقليد شخص معيَّن غير رسول الله . 235
المنحرفون من أتباع الأئمَّة انحرافهم أنواع. 236
الأمر بالشيء هل يكون أمراً بلوازمه. 237
جنس فعل المأمور به أعظم من جنس ترك المنهيِّ عنه. 239
كلام عجيب في أن القلب المعمور بالتَّقوى إذا رجَّح بمجرَّد رأيه فهو ترجيح شرعيُّ!
241
النزاع في الأحكام وخفاء العلم بما يوجب الشِّدَّة قد يكون رحمة. 246
إذا كان الشَّيء شعاراً للكفَّار ثمَّ اعتاده المسلمون وكَثُر فيهم هل تزول حرمته؟
247
كل ما قاله  بعد النُّبوَّة وأُقرَّ عليه ولم ينسخ فهو تشريع. 248
الحديث الضعيف يُروى ويُعمل به في التَّرغيب والتَّرهيب لا في الاستحباب.
250
لا يُعرف إجماع على ترك نصٍّ إلاَّ وقد عُرف النَّصُّ النَّاسخ له. 253
لفظ الكلام والكلمة لا يُستعمل في اللُّغة إلاَّ مقيَّداً بمعنى الجملة التَّامَّة. 254
الأسماء ثلاثة أنواع: شرعيُّ، ولغويُّ، وعرفيُّ. 256
لفظ المجمل والمطلق والعامِّ في اصطلاح الأئمَّة. 257
التَّسمية بمسائل أصول ومسائل فروع تسمية مُحدثة. 258
العموم ثلاثة أقسام والفرق بين مفهوم اللَّفظ المطلق وبين المفهوم المطلق من اللَّفظ.
260
أنواع الأعياد الزَّمانية. 263
الفرق بين الأمكنة التي قصد النبي  الصَّلاة أو الدُّعاء عندها وبين ما فعل فيها ذلك اتِّفاقاً.
265
تفريق مهمٌّ بين الإجزاء والإثابة. 268
ما أطلقه الله من الأسماء وعلَّق به الأحكام لم يكن لأحد أن يقيِّده إلاَّ بدلالة من الله ورسوله.
270
لفظ الأمر إذا أُطلق تناول النَّهي. 272
القسم الخامس
[مسائل متفرقة]
المخالطة المطلقة والانفراد المطلق خطأ. 277
ليس كل مركب ولباس وطعام لم يكن موجوداً في عهد النَّبيِّ لا يحلُّ. 278
كلُّ من ترك واجباً لم يَعلم وجوبه أو فعل محظوراً لم يَعلم أنَّه محظور لم تلزمه الإعادة إذا عُلم.
281
الأجر على قدر منفعة العمل لا على قدر المشَّقة فقط. 283
الكذب والمعاريض. 286
من هم أهل الحديث. 288
الخروج للنُّزهة في الأماكن التي تُشهد فيها المنكرات. 290
الفرق بين السَّماع والاستماع. 291
جنس الحاضرة أفضل من جنس البادية كما أنَّ جنس العرب أفضل من جنس العجم.
293
سبب فضل العرب على غيرهم. 295
جنس العرب خير من غيرهم. 297
تقسيم الألفاظ إلى حقيقة ومجاز. 299
البدعة في الحنابلة أقل منها في غيرهم. 302
حدود الشَّام والحجاز. 303
دفاع عن أبي حنيفة. 304
الورع المشروع والورع الواجب والورع الفاسد. 305
أصحاب السُّنن والمسانيد هل كانوا مجتهدين أم مقلِّدين؟ 308
تشكيل المصاحف وتنقيطها. 310
لا يُقَبَّل ما على وجه الأرض إلاَّ الحجر الأسود. 311
قاعدة عظيمة في الجمع بين العبادات المتنوِّعة. 312
طريقة الإسلام في حساب السَّنة والشَّهر والأسبوع واليوم أقْوَم طريقة. 314
الأدلَّة من الكتاب والسُّنَّة والإجماع على استدارة وكرويَّة الأفلاك. 317
أقسام الدَّعاوى وأنَّ اليمين تارة تكون على المدَّعي وتارة تكون على المدَّعى عليه.
322
رسالة شيخ الإسلام إلى والدته يعتذر فيها عن بعده عنها لأمور دينيَّة. 326
مشروعيَّة التَّعزير بالعقوبات الماليَّة. 328
كلُّ بشر على وجه الأرض لا بدَّ له من أمر ونهي. 330
ينبغي للمرأة أن تقول: إنِّي أمتك بنت عبدك أو بنت أمتك مكان: إنِّي عبدك ابن عبدك.
331
من توهم أنَّ الفرض أن يقصد المصلِّي الصَّلاة في مكان لو سار على خطٍّ مستقيم وصل إلى عين الكعبة فقد اخطأ.
332
قاعدة فيما تشترك فيه اليمنى واليسرى من الأفعال وتختصُّ به إحداهما. 335
ليس في الدُّنيا حرم ثالث لا بيت المقدس ولا غيره. 336
الإقامة في موضع تكون الأسباب فيه أطوع لله وأفعل للحسنات أفضل من الإقامة في موضع يكون حاله فيه دون ذلك.
337
الفساد في ترك إظهار المشروع أعظم من الفساد في إظهاره رياءً. 338
تحزيب السُّور وكراهة القراءة بأواخر السُّور وأوساطها. 341
دعاء الغائب أعظم إجابة من دعاء الحاضر. 344
التقارب بين الألفاظ العبريَّة والعربيَّة. 345
معنى اللَّهو الباطل المنهيِّ عنه وأنَّه نهي كراهة لا نهي تحريم. 346
الحكمة في دفنه  في بيته والفرق بين زيارة قبره وزيارة غيره من المسلمين.
348
لفظ اللَّيل والنَّهار في كلام الشَّارع. 352
لا يجوز رفع الأصوات في الذِّكر والدُّعاء إلاَّ حيث جاءت به السُّنَّة. 354
مسائل متفرِّقة في علاج من به مسٌّ من الجنِّ ومن ذلك استخدام الضَّرب وقد فعله ابن تيميَّة كثيراً.
356
حكم قتل الجن. 360
هل غير العرب أكفاء للعرب في النِّكاح. 362
المرأة الحائض إذا طَهُرَت قبل طلوع الفجر أو قبل غروب الشَّمس. 363
الجمع بين الصَّلوات للعذر. 364
الفرق بين القصر والجمع في الصَّلاة. 366
قصد زيارة المساجد التي بُنيت بمكَّة غير المسجد الحرام بدعة. 368
السُّنَّة في زيارة مسجد وقبر النَّبيِّ . 369
زيارة القبور على وجهين: شرعيَّة وبدعيَّة. 372
أعدل الأقوال في قراءة المأموم خلف الإمام. 374
العمرة بعد الحجِّ بدعة مكروهة لم يفعلها السَّلف. 376

* * *
















المقدمة
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهدِ الله فلا مضلَ له، ومن يُضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد:
فإنَّ كتبَ شيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن عبدالحليم بن تيمية، ((جمعتْ فأوعت: جمعت جميع الفنون النافعة، والعلوم الصحيحة، جمعت علوم الأُصول والفُروع، وعلوم النقل والعقل، وعلوم الأخلاق، والآداب الظاهرة والباطنة، وجمعت بين المقاصد والوسائل، وبين المسائل والدلائل، وبين الأحكام وبيان حِكَمِها وأسرارها، وبين تقرير مذاهب الحق، والرَّد على جميع المُبطلين. وامتازت على جميع الكتُب المُصنَّفة بغزارة علمها، وكثرته وقوته، وجودته وتحقيقه، بحيث يجزم من له اطلاع عليها وعلى غيرها أنه لا يوجد لها نظير يُساويها أو يُقاربها))(1)، فهي غزيرة المادة، جزيلة المباحث، سديدة المنهج، سهلة الأسلوب، عذبة الموارد، ناصعة البيان، واضحة التعبير، مشرقة الدلالة، تدرك فوائدها على غير مؤونة، ولا كدِّ ذهن، ولا جهد فكر، من تصفحها وجدها مشبعة الفصول مستوعبة لأطراف الفنون، جامعة لشتيت الفوائد، ومنثور المسائل، قد استوعبت أصول العلوم، وأحاطت بفروعها، واستقصت غرائب مسائلها، وشواذها ونوادرها.
وشيخ الإسلام رحمه الله كان عالم أمته، وإمام عصره وأوحد زمانه، وكان بحر العلم الزاخر، وبدر العلماء الزاهر، وكوكبهم اللامع، ونبراسهم الساطع، والذي يُرجع إليه في المشكلات، ويُستصبح بضوئه في المعضلات، وتشد إليه الرحال، وتُضرب إليه أكباد الإبل، ويرحل إليه من أطراف البلدان، وإنه رحمه الله لبحر لا يسبر غوره، ولا ينال دركه، منقطع القرين، أعرف الناس بزمانه ورجالاته، وبفرقه ومذاهبه، وكان إذا تكلَّم في فن من الفنون قلت هو أعلم الناس بهذا الفن، وكتبه لا تخلو من علمٍ من العلوم الدينية، بل وأكثر العلوم الدنيوية، وقد طبع أكثرها ولله الحمد في أكثر من مائة مجلد، وفقني الله لقراءة كثير منها وبخاصة مجموع الفتاوى. وقد انتخبت من جملة ما قرأت ما جمعته لك بين يديك وسميته ((المنتخب)) .
والمنتخب والمنتقى والمختار و المستصفى والمستخلص والمجتبى كلها بمعنى واحد، فتقول انتخبته وانتقيته واخترته واصطفيته واستخلصته واجتبيته.
وقد صنف العلماء كتباً كثيرة باسم المنتخب والمنتقى والمختار والمجتبى، ومن ذلك:
1- ((المجتبى من السنن)) للنسائي، وهو ((السنن الصغرى)).
2- ((المجتبى من المجتنى)) لابن الجوزي.
3- ((المختار في أصول السنة)) لأبي علي الحسن بن البنا الحنبلي.
4- ((المختارة)) للضياء المقدسي.
5- ((المختار من تاريخ ابن الجزري)) للذهبي.
6- ((المنتخب المسند)) لعبد بن حميد.
7- ((المنتخب من زوائد البزار على الكتب الستة ومسند أحمد)) لابن حجر العسقلاني.
8- ((المنتخب من السياق لتاريخ نيسابور)) لإبراهيم الصريفيني.
9- ((منتخب كنـز العمال في سنن الأقوال والأفعال)) لعلاء الدين المتقي الهندي.
10- ((المنتخب من كتاب منهاج المحدثين وسبيل طالبيه المحققين)) لابن حجر العسقلاني.
11- ((المنتقى من منهاج الاعتدال)) للذهبي.
12- ((المنتقى شرح الموطأ)) لأبي الوليد الباجي.
13- ((المنتقى من كتاب مكارم الأخلاق ومعاليها)) لأبي طاهر السِّلفي.
14- ((المنتقى من مسند المقلين)) لدعلج السجزي.
15- ((المنتقى من السنن المسندة عن رسول الله )) لابن الجارود.
16- ((المنتقى في الأحكام)) لعبدالسلام ابن تيمية جد شيخ الإسلام.
وغيرها كثير جداً، وأكثرهم كان يؤلف باسم المنتقى ومن أبرز من برع في الانتخاب والانتقاء شمس الدين الذهبي، فله رحمه الله أكثر من خمس وعشرين كتاباً انتخبها وانتقاها ممن سبقه، عشرون منها بعنوان: ((المنتقى))(1)، أشهرها (( المنتقى من "منهاج الاعتدال في نقض كلام أهل الرفض والاعتزال"(2) )) لابن تيمية، ومن أشهر من قام باختيار وانتخاب مجموعة فوائد ومسائل من كتب شيخ الإسلام ابن تيمية، عالمان جليلان كل واحد منهما كان عالم عصره، الأول: الإمام المجدد محمد بن عبدالوهاب. والثاني: العلامة عبدالرحمن بن ناصر السعدي.
عرض مختصر لكتاب الشيخ محمد بن عبدالوهاب والشيخ السعدي، وكتابنا هذا ((المنتخب)) والفرق بينها:
أولاً: كتاب الشيخ محمد بن عبدالوهاب:
قام الشيخ رحمه الله بتلخيص مسائل عدة بلغت خمس وثلاثين ومائة مسألة في مسائل عديدة، في التوحيد بجميع أنواعه، وفي الفقه وأصوله، والتفسير وعلومه، لخصها من غالب كتب شيخ الإسلام(1)، وقد عُنونت بعنوان ((المسائل التي لخصها الإمام محمد بن عبدالوهاب من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية))، وقد طبعت ضمن مجموعة مصنفات الشيخ محمد بن عبدالوهاب قسم ((ملحق المصنفات)) في مائتي صفحة تقريباً، ومن خلال الاطلاع على هذه المسائل لم يظهر لي منهج الشيخ رحمه الله في جمعها، والذي يبدو لي أنه لم تكن له طريقة واحدة أو هدفاً محدداً في التلخيص، إنما هي مسائل عديدة رأى الشيخ أهميتها فحب أن يجمعها في كتاب واحد لينتفع بها الناس، أو ينتفع هو نفسه بها، وكما سبق فقد اشتملت هذه المسائل على كثير من العلوم، وإن كان أبرزها علم التوحيد والعقيدة، وبعض المسائل مما كان مثار جدل في عصر الشيخ، وقد يكون هذا مما دفعه لانتقائها.




تابعون
ااااااااا
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://ehabmtwale.forumegypt.net
ايهاب متولى
مؤسس الموقع
مؤسس الموقع
ايهاب متولى

عدد المساهمات : 1578
نقاط : 3229
تاريخ التسجيل : 10/01/2011
العمر : 40

   المنتخب من كتب شيخ الإسلام ابن تيمية  Empty
مُساهمةموضوع: القسم الأول [التوحيد والعقيدة]       المنتخب من كتب شيخ الإسلام ابن تيمية  Empty2011-08-05, 12:05




القسم الأول
[التوحيد والعقيدة]

مسائل في:
أسماء الله وصفاته، والإيمان والكفر، وبعض الفرق كالمرجئة والخوارج، وزيارة القبور، والجن والشياطين.

سؤال الله بصفاته والقسم بها جائز
أما دعاء الصفة فكفر بالله
(إنَّ الحلف بصفاته كالحلف به، كما لو قال: وعزَّة الله تعالى! أو: لعمر الله! أو: والقرآن العظيم! فإنَّه قد ثبت جواز الحلف بهذه الصِّفات ونحوها عن النَّبيِّ  والصَّحابة، ولأنَّ الحلف بصفاته كالاستعاذة بها - وإن كانت الاستعاذة لا تكون إلاَّ بالله في مثل قول النَّبيِّ : ((أعوذ بوجهك))(1) و((أعوذ بكلمات الله التَّامَّات))(2) و((أعوذ برضاك من سَخَطك))(3) ونحو ذلك -، وهذا أمر متقرِّر عند العلماء)* .
(إنَّ مسألة الله بأسمائه وصفاته وكلماتِه جائز مشروع كما جاءت به الأحاديث، وأمَّا دعاء صفاته وكلماته فكفر باتِّفاق المسلمين؛ فهل يقول مسلم: يا كلام الله! اغفر لي وارحمني وأغثني أو أعني، أو: يا علم الله، أو: يا قدرة الله، أو: يا عزَّة الله، أو: يا عظمة الله ونحو ذلك؟! أو سمع من مسلم أو كافر أنَّه دعا ذلك من صفات الله وصفات غيره، أو يطلب من الصِّفـة جلـب منفعة أو دفع مضرَّة أو إعانةً أو نصراً أو إغاثةً أو غير ذلك؟!)** .

الحلف بالنَّذر والطلاق ونحوهما هو
حلف بصفات الله
(معلوم أنَّ الحلف بصفات الله سبحانه كالحلف به، كما لو قال: وعزَّة الله، أو: لعمر الله، أو: والقرآن العظيم؛ فإنَّه قد ثبت جواز الحلف بهذه الصِّفات ونحوها عن النَّبيِّ  والصَّحابة، ولأنَّ الحلف بصفاته كالاستعاذة بها؛ وإن كانت الاستعاذة لا تكون إلاَّ بالله وصفاته في مثل قول النَّبيِّ : ((أعوذ بوجهك)) و((أعوذ بكلمات الله التَّامَّات)) و((أعوذ برضاك من سَخَطك)) ونحو ذلك، وهذا أمر مقرَّر عند العلماء(1).
وإذا كان كذلك؛ فالحلف بالنَّذر والطَّلاق ونحوهما هو حلف بصفات الله، فإنَّه إذا قال: إن فعلت كذا فعليَّ الحجُّ؛ فقد حلف بإيجاب الحجِّ عليه، وإيجاب الحجِّ حكم من أحكام الله وهو من صفاته، وكذلك لو قال: فعليَّ تحرير رقبة، وإذا قال: فامرأتي طالق وعبدي حرٌّ؛ فقد حلف بإزالة ملكه الذي هو تحريمه عليه، والتَّحريم من صفات الله كما أنَّ الإيجاب من صفات الله، وقد جعل الله ذلك من آياته في قوله: {وَلا تَتَّخِذوا آياتِ اللهِ هُزُواً}(2)؛ فجعل حدوده في النِّكاح والطَّلاق والخلع من آياته، لكنَّه إذا حلف بالإيجاب والتَّحريم؛ فقد عقد اليمين لله كما يعقد النَّذر لله)* .

* * *
الإقسام على الله بشيء من مخلوقاته
أو السُّؤال له به
(الإقسام على الله بشيء من المخلوقات أو السُّؤال له به: إمَّا أن يكون مأموراً به إيجاباً أو استحباباً، أو منهيّاً عنه نهي تحريم أو كراهة، أو مباحاً لا مأموراً به ولا منهيّاً عنه.
وإذا قيل: إنَّ ذلك مأمورٌ به أو مباح؛ فإمَّا أن يفرق بين مخلوق ومخلوق، أو يقال: بل يشرع بالمخلوقات المعظَّمة أو ببعضها، فمن قال: إنَّ هذا مأمور به أو مباح في المخلوقات جميعها؛ لزم أن يسأل الله تعالى بشياطين الإنس والجنِّ، فهذا لا يقوله مسلم.
فإن قال: بل يسأل بالمخلوقات المعظَّمة كالمخلوقات التي أقسم بها في كتابه؛ لزم من هذا أن يسأل باللَّيل إذا يغشى والنَّهار إذا تجلَّى والذَّكر والأنثى... وسائر ما أقسم الله به في كتابه.
فإن الله يقسم بما يقسم به من مخلوقاته لأنَّها آياته ومخلوقاته، فهي دليل على ربوبيَّته وألوهيَّته ووحدانيَّته وعلمه وقدرته ومشيئته ورحمته وحكمته وعظمته وعزَّته؛ فهو سبحانه يقسم بها لأنَّ إقسامه بها تعظيم له سبحانه.
ونحن المخلوقون ليس لنا أن نقسم بها بالنص والإجماع، بل ذكر غير واحد الإجماع على أنَّه لا يقسم بشيء من المخلوقات وذكروا إجماع الصَّحابة على ذلك، بل ذلك شرك منهيٌّ عنه.
ومن سأل الله بها لزمه أن يسأله بكلِّ ذكر وأنثى، وبكلِّ نفس ألهمها فجورها وتقواها، ويسأله بالرِّياح والسَّحاب والكواكب والشَّمس والقمر واللَّيل والنَّهار والتِّين والزَّيتون...
... ومعلوم أنَّ السُّؤال لله بهذه المخلوقات أو الإقسام عليه بها من أعظم البدع المنكرَة في دين الإسلام، وممَّا يظهر قبحه للخاصِّ والعامِّ.
وإن قال قائل: بل أنا أسأله أو أقسم عليه بمعظَّم دون معظَّم من المخلوقات، إمَّا الأنبياء دون غيرهم أو نبيٍّ دون غيره، كما جوَّز بعضهم الحلف بذلك أو بالأنبياء والصَّالحين دون غيرهم.
قيل له: بعض المخلوقات وإن كان أفضل من بعض؛ فكلها مشتركة في أنَّه لا يجعل شيء منها ندّاً لله تعالى؛ فلا يُعبد ولا يُتوكل عليه ولا يُخشى ولا يُتَّقى ولا يُصام له ولا يُسجد له ولا يُرْغَب إليه ولا يُقسم بمخلوق، كما ثبت في ((الصَّحيح)) عن النَّبيِّ  أنَّه قال: ((من كان حالفاً؛ فليحلف بالله، أو ليصمت))(1)، وقال: ((لا تحلفوا إلاَّ بالله))(2)، وفي ((الُّسنن)) عنه أنَّه قال: ((من حلف بغير الله؛ فقد أشرك))(3) .
فقد ثبت بالنُّصوص الصَّحيحة الصَّريحة عن النَّبيِّ  أنَّه لا يجوز الحلف بشيء من المخلوقات، لا فرق في ذلك بين الملائكة والأنبياء والصَّالحين وغيرهم، ولا فرق بين نبيٍّ ونبيٍّ...
... وإذا كان الإقسام بغير الله والرَّغبة إليه وخشيته وتقواه ونحو ذلك هي من الأحكام التي اشتركت المخلوقات فيها؛ فليس لمخلوق أن يقسم به ولا يتقي ولا يتوكل عليه؛ وإن كان أفضل المخلوقات، ولا يستحقُّ ذلك أحد من الملائكة والنَّبيِّين فضلاً عن غيرهم من المشايخ والصَّالحين.
فسؤال الله تعالى بالمخلوقات: إن كان بما أقسم به وعظَّمه من المخلوقات فيسوغ السُّؤال بذلك كلِّه، وإن لم يكن سائغاً لم يجز أن يسأل بشيء من ذلك، والتَّفريق في ذلك بين معظَّم ومعظَّم كتفريق من فرَّق [فزعم أنَّه] يجوز الحلف ببعض المخلوقات دون بعض، وكما أنَّ هذا فرق باطل فكذلك الآخر.
ولو فرَّق مفرِّق بين ما يؤمن به وبين ما لا يؤمن به؛ قيل له: فيجب الإيمان بالملائكة والنَّبيِّين، ويؤمن بكل ما أخبر به الرَّسول مثل منكر ونكير والحور العين والوِلدان وغير ذلك، أفيجوز أن يُقسَم بهذه المخلوقات لكونه يجب الإيمان بها، أم يجوز السُّؤال بها كذلك؟
فتبيَّن أنَّ السُّؤال بالأسباب إذا لم يكن المسؤول به سبباً لإجابة الدُّعاء؛ فلا فرق بين السُّؤال بمخلوق ومخلوق، كما لا فرق بين القَسَم بمخلوق ومخلوق، وكلُّ ذلك غير جائز؛ فتبيَّن أنَّه لا يجوز ذلك كما قاله من قاله من العلماء، والله أعلم)*.

* * *
المضافات إلى الله نوعان: أعيان وصفات
المضافات إلى الله نوعان: أعيان، وصفات:
فالصِّفات إذا أُضيفت إليه؛ كالعلم والقدرة والكلام والحياة والرِّضا والغضب ونحو ذلك دلَّت الإضافة على أنَّها إضافة وصف له قائم به ليست مخلوقة لأنَّ الصِّفة لا تقوم بنفسها؛ فلا بدَّ لها من موصوف تقوم به، فإذا أُضيفت إليه عُلِم أنَّها صفة له، لكن قد يعبَّر باسم الصِّفة عن المفعول بها؛ فيسمَّى المقدور قدرة والمخلوق بالكلمة كلاماً والمعلوم علماً والمرحوم به رحمة؛ كقول النَّبيِّ  : ((إنَّ الله خلق الرَّحمة يوم خلقها مئة رحمة...))(1)، ويُقال للمطر والسَّحاب: هذه قدرة قادر وهذه قدرة عظيمة، ويُقال في الدُّعاء: غفر الله لك علمه فيك؛ أي: معلومه.
وأما الأعيان إذا أُضيفت إلى الله تعالى؛ فإمَّا أن تُضاف بالجهة العامَّة التي يشترك فيها المخلوق، مثل كونها مخلوقة ومملوكة له ومقدورة ونحو ذلك؛ فهذه إضافة عامَّة مشتركة؛ كقوله: {هذا خَلْقُ اللهِ}(2)، وقد يضاف لمعنى يختصُّ بها يميَّز به المضاف عن غيره، مثل: بيت الله، وناقة الله، وعبد الله، وروح الله؛ فمن المعلوم اختصاص ناقة صالح بما تميَّزت به عن سائر النياق، وكذلك اختصاص الكعبة، واختصاص العبد الصالح الذي عبد الله وأطاع أمره، وكذلك الرُّوح المقدَّسة التي امتازت بما فارقت به غيرها من الأرواح؛ فإنَّ المخلوقات اشتركت في كونها مخلوقة مملوكة مربوبة لله يجري عليها حكمه وقضاؤه وقدره، وهذه الإضافة لا اختصاص فيها ولا فضيلة للمضاف على غيره، وامتاز بعضها بأنَّ الله يحبُّه ويرضاه ويصطفيه ويقرِّبه إليه ويأمر به أو يعظِّمه ويحبُّه؛ فهذه الإضافة يختصُّ بها بعض المخلوقات؛ كإضافة البيت والناقة والرُّوح وعباد الله من هذا الباب...
وهذا الأصل الذي ذكرناه من الفرق فيما يضاف إلى الله بين صفاته وبين مملوكاته أصل عظيم ضلَّ فيه كثير من أهل الأرض من أهل الملل كلِّهم؛ فإنَّ كتب الأنبياء (التَّوراة، والإنجيل، والقرآن، وغيرها) أضافت إلى الله أشياء على هذا الوجه وأشياء على هذا الوجه، فاختلف النَّاس في هذه الإضافة:
فقالت المعطِّلة نفاة الصِّفات من أهل الملل: إنَّ الجميع إضافة ملك، وليس لله حياة قائمة به، ولا علم قائم به، ولا قدرة قائمة به، ولا كلام قائم به، ولا حبٌّ ولا بغض، ولا غضب ولا رضى، بل جميع ذلك مخلوق من مخلوقاته، وهذا أوَّل ما ابتدعته في الإسلام الجهميَّة، وإنَّما ابتدعوه بعد انقراض عصر الصَّحابة وأكابر التَّابعين لهم بإحسان...
وقالت الحلوليَّة: بل ما يضاف إلى الله قد يكون هو صفة له وإن كان بائناً عنه. بل قالوا: هو قديم أزليٌّ؛ فقالوا: روح الله قديمة أزليَّة صفة لله، حتى قال كثير منهم: إنَّ أرواح بني آدم قديمة أزليَّة وصفة لله، وقالوا: إن ما يسمعه الناس من أصوات القرَّاء ومداد المصاحف قديم أزليٌّ وهو صفة لله. وقال حذَّاق هؤلاء: بل غضبه ورضاه وحبُّه وبغضه وإرادته لما يخلقه قديم أزليٌّ، وهو صفة الله وكلامه الذي سمعه موسى قديم أزليٌّ، وأنَّه لم يزل راضياً محبّاً لمن علم أنَّه يطيعه قبل أن يُخلق، ولم يزل غضباناً ساخطاً على من علم أنَّه يكفر قبل أن يُخلق، ولم يزل ولا يزال قائلاً: يا آدم، يا نوح، يا إبراهيم؛ قبل أن يوجَدوا وبعد موتهم، ولم يزل ولا يزال يقول: يا معشر الجنِّ والإنس قبل أن يُخلقوا وبعد ما يدخلون الجنَّة والنَّار.
وأمَّا سلف المسلمين من الصَّحابة والتَّابعين لهم بإحسان، وأئمَّة المسلمين المشهورون بالإمامة فيهم كالأربعة وغيرهم، وأهل العلم بالكتاب والسُّنَّة؛ فيفرِّقون بين مملوكاته وبين صفاته؛ فيعلمون أنَّ العباد مخلوقون، وصفات العباد مخلوقة، وأجسادهم، وأرواحهم، وكلامهم، وأصواتهم بالكتب الإلهية وغيرها، ومدادهم، وأوراقهم، والملائكة، والأنبياء وغيرها، ويعلمون أنَّ صفات الله القائمة به ليست مخلوقة؛ كعلمه، وقدرته، وكلامه، وإرادته، وحياته، وسمعه، وبصره، ورضاه، وغضبه، وحبِّه، وبغضه، بل هو موصوف بما وصف به نفسه وبما وصفته به رسله من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل؛ فلا ينفون عنه ما وصف به نفسه ووصفه به رسله، ولا يحرفون الكَلِم عن مواضعه، ولا يتأوَّلون كلام الله بغير ما أراده، ولا يمثِّلون صفات الخالق بصفات المخلوق؛ بل يعلمون أنَّ الله سبحانه ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله؛ بل هو موصوف بصفات الكمال، منزَّه عن النَّقائص، وليس له مِثْل في شيء من صفاته، ويقولون: إنَّه لم يزل ولا يزال موصوفاً بصفات الكمال، لم يزل متكلِّماً إذا شاء بمشيئته وقدرته، ولم يزل عالماً، ولم يزل قادراً، ولم يزل حيّاً سمعياً بصيراً، ولم يزل مريداً؛ فكلُّ كمال لا نقص فيه يمكن اتِّصافه به فهو موصوف به، لم يزل ولا يزال متَّصفاً بصفات الكمال منعوتاً بنعوت الجلال والإكرام سبحانه وتعالى)*.

* * *
الصِّفات لها ثلات اعتبارات
مطلقة أو مضافة للعبد أو مضافة للرب
(الصِّفات لها ثلاث اعتبارات: تارة تعتبر مضافة إلى الربِّ، وتارة تعتبر مضافة إلى العبد، وتارة تعتبر مطلقة لا تختصُّ بالربِّ ولا بالعبد، فإذا قال العبد: حياة الله وعلم الله وقدرة الله وكلام الله ونحو ذلك؛ فهذا كلُّه غير مخلوق ولا يماثل صفات المخلوقين، وإذا قال: علم العبد وقدرة العبد وكلام العبد؛ فهذا كلُّه مخلوق ولا يماثل صفات الربِّ، وإذا قال: العلم والقدرة والكلام؛ فهذا مجمل مطلق لا يقال عليه كلُّه أنَّه مخلوق ولا أنَّه غير مخلوق؛ بل ما اتَّصف به الربُّ من ذلك فهو غير مخلوق، وما اتَّصف به العبد من ذلك فهو مخلوق؛ فالصِّفة تتبع الموصوف، فإن كان الموصوف هو الخالق؛ فصفاته غير مخلوقة، وإن كان الموصوف هو العبد المخلوق؛ فصفاته مخلوقة)*.

* * *

معنى تردد الله عز وجل عن قبض نفس
عبده المؤمن
سئل عن قوله  فيما يروي عن ربِّه عزَّ وجلَّ: ((وما تردَّدت عن شيء أنا فاعله تردُّدي عن قبض نفس عبدي المؤمن، يكره الموت وأكره مساءته))(1): ما معنى تردُّد الله؟
فأجاب:
هذا حديث شريف، قد رواه البخاريُّ من حديث أبي هريرة، وهو أشرف حديث رُوِي في صفة الأولياء، وقد ردَّ هذا الكلام طائفة وقالوا: إنَّ الله لا يوصف بالتَّردُّد، وإنما يتردَّد من لا يعلم عواقب الأمور، والله أعلم بالعواقب، وربما قال بعضهم: إنَّ الله يعامل معاملة المتردِّد.
والتحقيق: أنَّ كلام رسوله حقٌّ وليس أحد أعلم بالله من رسوله ولا أنصح للأمَّة منه ولا أفصح ولا أحسن بياناً منه، فإذا كان كذلك كان المتحذلق والمنكر عليه من أضلِّ النَّاس وأجهلهم وأسوئهم أدباً، بل يجب تأديبه وتعزيره، ويجب أن يُصان كلام رسول الله  عن الظُّنون الباطلة والاعتقادات الفاسدة، ولكنَّ المتردِّد منَّا وإن كان تردُّده في الأمر لأجل كونه ما يعلم عاقبة الأمور لا يكون ما وصف الله به نفسه بمنزلة ما يوصف به الواحد منا؛ فإنَّ الله ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، ثم هذا باطل؛ فإنَّ الواحد منَّا يتردَّد تارة لعدم العلم بالعواقب، وتارة لما في الفعلين من المصالح والمفاسد؛ فيريد الفعل لما فيه من المصلحة ويكرهه لما فيه من المفسدة، لا لجهله منه بالشَّيء الواحد الذي يُحَبُّ من وجه ويُكرَه من وجه، كما قيل:
الشَّـيـب كـره وكـره أن أفـارقــــه فاعجب لشيء على البغضاء محبوب
وهذا مثل إرادة المريض لدوائه الكريه، بل جميع ما يريده العبد من الأعمال الصَّالحة التي تكرهها النَّفس هو من هذا الباب، وفي ((الصَّحيح)): ((حُفَّت النَّار بالشَّهوات، وحُفَّت الجنَّة بالمكاره))(1)، وقال تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ...}(2) الآية.
ومن هذا الباب يظهر معنى التردُّد المذكور في هذا الحديث؛ فإنَّه قال: ((لا يزال عبدي يتقرَّب إليَّ بالنَّوافل حتَّى أحبَّه))؛ فإنَّ العبد الذي هذا حاله صار محبوباً للحقِّ محبّاً له، يتقرَّب إليه أوَّلاً بالفرائض وهو يحبُّها، ثمَّ اجتهد في النَّوافل التي يحبُّها ويحبُّ فاعلها، فأتى بكلِّ ما يقدر عليه من محبوب الحقِّ؛ فأحبَّه الحقُّ لفعل محبوبه من الجانبين بقصد اتِّفاق الإرادة بحيث يحبُّ ما يحبُّه محبوبه ويكره ما يكرهه محبوبه، والرَّبُّ يكره أن يسوء عبده ومحبوبه؛ فلزم من هذا أن يكره الموت ليزداد من محابِّ محبوبه.
والله سبحانه وتعالى قد قضى بالموت؛ فكلُّ ما قضى به فهو يريده ولا بدَّ منه، فالرَّبُّ مريد لموته لما سبق به قضاؤه، وهو مع ذلك كاره لمساءة عبده وهي المساءة التي تحصل له بالموت؛ فصار الموت مراداً للحقِّ من وجه مكروهاً له من وجه، وهذا حقيقة التَّردُّد، وهو أن يكون الشَّيء الواحد مراداً من وجه مكروهاً من وجه، وإن كان لا بدَّ من ترجُّح أحد الجانبين كما ترجَّح إرادة الموت، لكن مع وجود كراهة مساءة عبده، وليس إرادته لموت المؤمن الذي يحبُّه ويكره مساءته كإرادته لموت الكافر الذي يبغضه ويريد مساءته)*.

* * *

المراد بقولهم: الإيمان قول وعمل
(إنَّ من قال من السَّلف: الإيمان قول وعمل أراد قول القلب واللِّسان وعمل القلب والجوارح، ومن أراد الاعتقاد رأى أنَّ لفظ القول لا يُفهم منه إلاَّ القول الظَّاهر أو خاف ذلك فزاد الاعتقاد بالقلب، ومن قال: قول وعمل ونية؛ قال: القول يتناول الاعتقاد وقول اللِّسان، وأمَّا العمل؛ فقد لا يُفهم منه النِّيَّة فزاد ذلك، ومن زاد اتباع السُّنَّة؛ فلأنَّ ذلك كلَّه لا يكون محبوباً لله إلاَّ باتِّباع السُّنَّة، وأولئك لم يريدوا كلَّ قول وعمل، إنَّما أرادوا ما كان مشروعاً من الأقوال والأعمال، ولكن كان مقصودهم الرَّدَّ على ((المرجئة)) الذين جعلوه قولاً فقط؛ فقالوا: بل هو قول وعمل. والذين جعلوه ((أربعة أقسام)) فسَّروا مرادهم كما سئل سهل بن عبدالله التَّستريُّ عن الإيمان: ما هو؟ فقال: قول وعمل ونيَّة وسنَّة؛ لأنَّ الإيمان إذا كان قولاً بلا عمل فهو كفر، وإذا كان قولاً وعملاً بلا نيَّة فهو نفاق، وإذا كان قولاً وعملاً ونيَّة بلا سنَّة فهو بدعة)*.

* * *
ما كان في القلب
لا بدَّ أن يظهر موجبه ومقتضاه على الجوارح
(أصل الإيمان في القلب، وهو قول القلب وعمله، وهو إقرار بالتَّصديق والحبِّ والانقياد، وما كان في القلب فلا بدَّ أن يظهر موجبه ومقتضاه على الجوارح، وإذا لم يعمل بموجبه ومقتضاه دلَّ على عدمه أو ضعفه، ولهذا كانت الأعمال الظَّاهرة من موجب إيمان القلب ومقتضاه، وهي تصديق لما في القلب ودليل عليه وشاهد له، وهي شعبة من مجموع الإيمان المطلق وبعض له؛ لكن ما في القلب هو الأصل لما على الجوارح؛ كما قال أبو هريرة رضي الله عنه: ((إنَّ القلب ملك، والأعضاء جنوده؛ فإن طاب الملك طابت جنوده، وإذا خَبُثَ الملك خبثت جنوده))(1)، وفي ((الصَّحيحين)) عنه  أنَّه قال: ((إنَّ في الجسد مضغة، إذا صَلُحت صَلُح لها سائر الجسد، وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد، ألا وهي القلب))(2).
ولهذا ظنَّ طوائف من النَّاس أنَّ الإيمان إنَّما هو في القلب خاصَّة، وما على الجوارح ليس داخلاً في مسمَّاه، ولكن هو من ثمراته ونتائجه الدَّالَّة عليه، حتَّى آل الأمر بغلاتهم - كجهم وأتباعه - إلى أن قالوا: يمكن أن يصدق بقلبه ولا يظهر بلسانه إلاَّ كلمة الكفر مع قدرته على إظهارها، فيكون الذي في القلب إيماناً نافعاً له في الآخرة، وقالوا: حيث حكم الشارع بكفر أحد بعمل أو قول؛ فلكونه دليلاً على انتفاء ما في القلب.
وقولهم متناقض؛ فإنَّه إذا كان ذلك دليلاً مستلزماً لانتفاء الإيمان الذي في القلب امتنع أن يكون الإيمان ثابتاً في القلب، مع الدَّليل المستلزم لنفيه، وإن لم يكن دليلاً لم يجز الاستدلال به على الكفر الباطن.
والله سبحانه في غير موضع يبيِّن أنَّ تحقيق الإيمان وتصديقه بما هو من الأعمال الظَّاهرة والباطنة؛ كقوله: {إنَّما المُؤْمِنونَ الذينَ إذا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وإذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتِهِ زادَتْهُمْ إيماناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلونَ. الذينَ يُقيمونَ الصَّلاةَ ومِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقونَ. أولئكَ هُمُ المُؤْمِنونَ حَقّاً...}(1).
وقال تعالى: {فَلاَ وَرَبِّكَ لا يُؤْمنونَ حَتَّى يُحَكِّموكَ فيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدوا في أنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّموا تَسْليماً}(2).
فإذا قال القائل: هذا يدلُّ على أنَّ الإيمان ينتفي عند انتفاء هذه الأمور لا يدلُّ على أنَّها من الإيمان.
قيل: هذا اعتراف بأنَّه ينتفي الإيمان الباطن مع عدم مثل هذه الأمور الظَّاهرة؛ فلا يجوز أن يَّدعي أنَّه يكون في القلب إيمان ينافي الكفر بدون أمور ظاهرة: لا قول ولا عمل، وهو المطلوب - وذلك تصديق -، وذلك لأنَّ القلب إذا تحقَّق ما فيه أثَّر في الظَّاهر ضرورةً، لا يمكن انفكاك أحدهما عن الآخر؛ فالإرادة الجازمة للفعل مع القدرة التَّامَّة توجب وقوع المقدور، فإذا كان في القلب حبُّ الله ورسوله ثابتاً استلزم موالاة أوليائه ومعاداة أعدائه: {لا تَجِدوا قَوْماً يُؤْمِنونَ باللهِ واليَوْمِ الآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حادَّ اللهَ ورَسُولَهُ وَلَوْ كانوا آباءَهُمْ أوْ أبْناءَهُمْ أوْ إخْوانَهُمْ أوْ عَشيرَتَهُمْ}(3) ، {وَلَوْ كانوا يُؤْمنونَ باللهِ والنَّبيِّ وما أُنْزِلَ إلَيْهِ ما اتَّخَذوهُمْ أوْلِياءَ}(1) ؛ فهذا التَّلازم أمر ضروريٌّ.
ومن جهة ظنِّ انتفاء التَّلازم غلط غالطون، كما غلط آخرون في جواز وجود إرادة جازمة مع القدرة التامَّة بدون الفعل، حتَّى تنازعوا: هل يعاقب على الإرادة بلا عمل؟ وقد بسطنا ذلك في غير هذا الموضع، وبيَّنَّا أنَّ الهمَّة التي لم يقترن بها فعل ما يقدر عليه الهامُّ ليس إرادة جازمة، وأنَّ الإرادة الجازمة لا بدَّ أن يوجد معها ما يقدر عليه العبد، والعفو وقع عمَّن همَّ بسيِّئة ولم يفعلها لا عن من أراد وفعل المقدور عليه وعجز عن حصول مراده، كالذي أراد قتل صاحبه فقاتله حتى قُتل أحدهما؛ فإنَّ هذا يعاقب لأنَّه أراد وفعل المقدور من المراد، ومن عرف الملازمات التي بين الأمور الباطنة والظَّاهرة زالت عنه شبهات كثيرة في مثل هذه المواضع التي كثر اختلاف النَّاس فيها.
بقي أن يقال: فهل اسم الإيمان للأصل فقط، أو له ولفروعه؟
والتَّحقيق: أنَّ الاسم المطلق يتناولهما، وقد يخصُّ الاسم وحده بالاسم مع الاقتران، وقد لا يتناول إلاَّ الأصل إذا لم يخصَّ إلاَّ هو، كاسم الشَّجرة؛ فإنَّه يتناول الأصل والفرع إذا وُجدت، ولو قُطعت الفروع لكان اسم الشَّجرة يتناول الأصل وحده)(2) .

* * *
الإيمان والنِّفاق أصله في القلب والعمل دليل عليه وإذا حصل دليل الشَّيء حصل أصله المدلول عليه
(... وأيضاً؛ فإنَّ الله سبحانه وإن كان قد علم منهم - يعني: الذين لمزوا النَّبيَّ - النِّفاق قبل هذا القول، لكن لم يُعلِم نبيَّه بكلِّ من لم يظهر نفاقه، بل قال: {وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الأعْرابِ مُنافِقونَ وَمِنْ أهْلِ المدينَةِ مَرَدوا عَلَى النِّفاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنَ نَعْلَمُهُمْ}(1)، ثمَّ إنَّه سبحانه ابتلى النَّاس بأمور يميِّز بين المؤمنين والمنافقين؛ كما قال تعالى: {وَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الذينَ آمَنوا وَلَيَعْلَمَنَّ المُنافِقينَ}(2)، وقال تعالى: {ما كانَ اللهُ لِيَذَرَ المُؤْمِنينَ عَلَى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَميزَ الخَبيثَ مِنَ الطَّيِّبِ}(3)، وذلك لأنَّ الإيمان والنِّفاق أصله في القلب، وإنَّما الذي يظهر من القول والفعل فرع له ودليل عليه؛ فإذا ظهر من الرَّجل شيء من ذلك ترتَّب الحكم عليه، فلمَّا أخبر سبحانه أنَّ الذين يلمزون النَّبيَّ  والذين يؤذونه من المنافقين ثبت أنَّ ذلك دليلٌ على النِّفاق وفرعٌ له، ومعلومٌ أنَّه إذا حصل فرعُ الشَّيء ودليلهُ حصل أصلُه المدلولُ عليه؛ فثبت أنَّه حَيْثُما وُجد ذلك كان صاحبه منافقا،ً سواء كان منافقاً قبل هذا القول أو حَدَثَ له النِّفاق بهذا القول.
فإن قيل: لم لا يجوز أن يكون هذا القولُ دليلاً للنَّبيِّ  على نفاق أولئك الأشخاص الذين قالوه في حياته بأعيانهم وإن لم يكن دليلاً من غيرهم؟
قلنا: إذا كان دليلاً للنَّبيِّ  الذي يمكن أن يُغْنِيَهُ الله بِوَحْيِهِ عن الاستدلال؛ فأن يَكُونَ دليلاً لمن لا يمكنه معرفةُ البواطنِ أوْلى وأحْرَى.
وأيضاً؛ فلو لم تكن الدلالة مُطَّردة في حقِّ كلِّ مَنْ صدر منه ذلك القولُ لم يكن في الآية زَجْرٌ لغيرهم أن يقول مثل هذا القول، ولا كان في الآية تعظيمٌ لذلك القول بعينه؛ فإنَّ الدَّلالة على عين المنافق قد تكون مخصوصة بعينه وإن كانت أمراً مُباحاً، كما لو قيل: من المنافقين صاحب الجمل الأحمر وصاحبُ الثوب الأسود ونحو ذلك، فلمَّا دلَّ القرآن على ذمِّ عَيْنِ هذا القول والوعيدِ لصاحبه عُلم أنَّه لم يُقصَد به الدَّلالة على المنافقين بأعيانهم فقط، بل هو دليل على نوعٍ من المنافقين.
وأيضاً؛ فإنَّ هذا القول مناسبٌ للنفاق، فإنَّ لَمْزَ النَّبيِّ  وأذاه لا يفعله مَنْ يعتقد أنَّه رسولُ الله حقّاً، وأنَّه أَوْلى به من نَفْسه، وأنَّه لا يقول إلاَّ الحقّ، ولا يحكم إلاَّ بالعدل، وأنَّ طاعته طاعة لله، وأنَّه يجب على جميع الخلق تعزِيرُه وتوقيره، وإذا كان دليلاً على النفاق نفسِهِ؛ فحيثما حصل حصل النفاق)*.

* * *
أصل العمل عمل القلب وما يتناوله لفظ : ((السنة)) في كلام السلف
(أصل العمل عمل القلب، وهو الحب والتَّعظيم المنافي للبغض والاستكبار. ثم قالوا: ولا يُقبل قول وعمل إلاَّ بنيَّة، وهذا ظاهر؛ فإنَّ القول والعمل إذا لم يكن خالصاً لله تعالى لم يقبله الله تعالى. ثم قالوا: ولا يُقبل قول وعمل ونيَّة إلاَّ بموافقة السُّنَّة؛ وهي الشريعة، وهي ما أمر الله به ورسوله؛ لأنَّ القول والعمل والنيَّة الذي لا يكون مسنوناً مشروعاً قد أمر الله به يكون بدعة ليس مما يحبه الله؛ فلا يقبله الله ولا يصلح، مثل أعمال المشركين وأهل الكتاب.
ولفظ ((السنة)) في كلام السلف يتناول السنة في العبادات وفي الاعتقادات، وإن كان كثير ممن صنف في السنة يقصدون الكلام في الاعتقادات، وهذا كقول ابن مسعود وأُبيِّ بن كعب وأبي الدَّرداء رضي الله عنهم: ((اقتصاد في سنَّة خير من اجتهاد في بدعة))، وأمثال ذلك.
والحمد لله رب العالمين، وصلواته على محمد وآله الطاهرين وأصحابه أجمعين)*.

* * *

الكفر المطلق وكفر المعين
(والتحقيق في هذا: أنَّ القول قد يكون كفراً؛ كمقالات الجهميَّة الذين قالوا: إنَّ الله لا يتكلَّم ولا يرى في الآخرة؛ ولكن قد يخفى على بعض النَّاس أنَّه كفر، فيُطلق القول بتكفير القائل؛ كما قال السَّلف: من قال القرآن مخلوق؛ فهو كافر، ومن قال: إنَّ الله لا يرى في الآخرة؛ فهو كافر، ولا يكفر الشَّخص المعيَّن حتَّى تقوم عليه الحجَّة كما تقدم، كمن جحد وجوب الصَّلاة والزَّكاة واستحلَّ الخمر والزِّنا وتأوَّل؛ فإنَّ ظهور تلك الأحكام بين المسلمين أعظم من ظهور هذه، فإذا كان المتأوِّل المخطىء في تلك لا يحكم بكفره إلاَّ بعد البيان له واستتابته - كما فعل الصَّحابة في الطَّائفة الذين استحلُّوا الخمر -؛ ففي غير ذلك أولى وأحرى، وعلى هذا يخرج الحديث الصحيح: ((في الذي قال: إذا أنا مت فأحرقوني ثم اسحقوني في اليم؛ فوالله لئن قدر الله عليَّ ليعذِّبني عذاباً ما عذَّبه أحداً من العالمين))(1)، وقد غفر الله لهذا مع ما حصل له من الشك في قدرة الله وإعادته إذا حرَّقوه، وهذه المسائل مبسوطة في غير هذا الموضع)*.

*
* *

تابعون
ااااااااا
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://ehabmtwale.forumegypt.net
 
المنتخب من كتب شيخ الإسلام ابن تيمية
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
موقع الاستاذ ايهاب الاسلامى. :: الكتب الاسلامية :: مكتبة الكتب الاسلامية-
انتقل الى: