موقع الاستاذ ايهاب الاسلامى.
مرحبا بك زائرنا الحبيب
مرحبا بك فى اعلام واقلام
مرحبا بك معنا فردا عزيزا علينا
نمنحك عند التسجيل العضو المميز
كما يمكنك الكتابة والتعليق فى بعض الفئات دون تسجيل
ونتمنى لكم مشاهدة ممتعة معنا
نسالكم الدعاء
اخوكم ايهاب متولى

موقع الاستاذ ايهاب الاسلامى.

وفق الكتاب والسنة وما اتفقت عليه الامة
 
الرئيسيةالبوابةبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخولتلاوات الاشبالمنتدى حياتى ملك ربى
http://ehabmtwale.forumegypt.net/ لا تنسى ذكر الله
هــــــــــــــلا و غــــــــــــــلا فيك معانا في منتدانا.. بين اخوانك واخواتك الأعضاء ونبارك لأنفسنا أولاً ولك ثانياً بزوغ نجمك وإنضمامك لركب هذه القافلة الغالية علينا نتمنى لك طيب الإقامة وقضاء وقت مُمتع ولحظات سعيدة بصحبتنا .. بإذن الله في إنتظار ما يفيض به قلمك من جديد ومفيد .. لك مني أرق تحية مع خالص تحياتى موقع الاستاذ ايهاب الاسلامى.

إرسال موضوع جديد   إرسال مساهمة في موضوعشاطر | 
 

 مجموع الفتاوى الجزء الاول الوسيلة والتوسل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
ايهاب متولى
مؤسس الموقع
مؤسس الموقع
avatar

عدد المساهمات : 1578
نقاط : 3229
تاريخ التسجيل : 10/01/2011
العمر : 38

مُساهمةموضوع: مجموع الفتاوى الجزء الاول الوسيلة والتوسل   2011-08-05, 13:08





فصـــل
إذا عرف هذا فقد تبين أن لفظ ‏[‏الوسيلة‏]‏ و‏[‏التوسل‏]‏ فيه إجمال واشتباه يجب أن تعرف معانيه، ويعطى كل ذى حق حقه‏.‏ فيعرف ما ورد به الكتاب والسنة من ذلك ومعناه‏.‏ وما كان يتكلم به الصحابة ويفعلونه ومعنى ذلك‏.‏ ويعرف ما أحدثه المحدثون فى هذا اللفظ ومعناه‏.‏
فإن كثيراً من اضطراب الناس فى هذا الباب هو بسبب ما وقع من الإجمال والاشتراك فى الألفاظ ومعانيها، حتى تجد أكثرهم لا يعرف فى هذا الباب فصل الخطاب‏.‏
فلفظ الوسيلة مذكور فى القرآن فى قوله تعالى‏:‏ ‏{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَابْتَغُواْ إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 35‏]‏، وفى قوله تعالى‏:‏ ‏{قُلِ ادْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلاَ تَحْوِيلاً أُولَـئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 56، 57‏]‏، فالوسيلة التى أمر الله أن تبتغى إليه، وأخبر عن ملائكته وأنبيائه أنهم يبتغونها إليه، هى ما يتقرب إليه من الواجبات والمستحبات‏.‏ فهذه الوسيلة التى أمر الله المؤمنين بابتغائها تتناول كل واجب ومستحب، وما ليس بواجب ولا مستحب لا يدخل فى ذلك سواء كان محرماً أو مكروها أو مباحا‏.‏
فالواجب والمستحب هو ما شرعه الرسول فأمر به أمر إيجاب أو استحباب وأصل ذلك الإيمان بما جاء به الرسول‏.‏ فجماع الوسيلة التى أمر الله الخلق بابتغائها هو التوسل إليه باتباع ما جاء به الرسول، لا وسيلة لأحد إلى الله إلا ذلك‏.‏
والثانى لفظ الوسيلة فى الأحاديث الصحيحة كقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏سلوا الله لى الوسيلة فإنها درجة فى الجنة لا تنبغى إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا ذلك العبد، فمن سأل الله لى الوسيلة حلت عليه شفاعتى يوم القيامة‏)‏، وقوله‏:‏ ‏(‏من قال حين يسمع النداء‏:‏ اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمداً الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاماً محموداً الذى وعدته، إنك لا تخلف الميعاد، حلت له الشفاعة‏)‏‏.‏
فهذه الوسيلة للنبى صلى الله عليه وسلم خاصة‏.‏ وقد أمرنا أن نسأل الله له هذه الوسيلة، وأخبر أنها لا تكون إلا لعبد من عباد الله، وهو يرجو أن يكون ذلك العبد، وهذه الوسيلة أمرنا أن نسألها للرسول، وأخبر أن من سأل له هذه الوسيلة فقد حلت عليه الشفاعة يوم القيامة؛ لأن الجزاء من جنس العمل، فلما دعوا للنبى صلى الله عليه وسلم استحقوا أن يدعو هو لهم، فإن الشفاعة نوع من الدعاء، كما قال‏:‏ إنه من صلى عليه مرة صلى الله عليه بها عشرا‏.‏
/وأما التوسل بالنبى صلى الله عليه وسلم والتوجه به فى كلام الصحابة فيريدون به التوسل بدعائه وشفاعته‏.‏ والتوسل به فى عرف كثير من المتأخرين يراد به الإقسام به والسؤال به، كما يقسمون بغيره من الأنبياء والصالحين ومن يعتقدون فيه الصلاح‏.‏ وحينئذ فلفظ التوسل به يراد به معنيان صحيحان باتفاق المسلمين، ويراد به معنى ثالث لم ترد به سنة‏.‏
فأما المعنيان الأولان ـ الصحيحان باتفاق العلماء ـ ‏:‏
فأحدهما‏:‏ هو أصل الإيمان والإسلام وهو التوسل بالإيمان به وبطاعته‏.‏
والثانى‏:‏ دعاؤه وشفاعته كما تقدم‏.‏
فهذان جائزان بإجماع المسلمين، ومن هذا قول عمر بن الخطاب‏:‏ اللهم إنا كنا إذا أجدبنا توسلنا إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا، أى‏:‏ بدعائه وشفاعته، وقوله تعالى‏:‏ ‏{وَابْتَغُواْ إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 35‏]‏، أى القربة إليه بطاعته‏.‏ وطاعة رسوله طاعته، قال تعالى‏:‏ ‏{مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 80‏]‏‏.‏ فهذا التوسل الأول هو أصل الدين، وهذا لا ينكره أحد من المسلمين‏.‏ وأما التوسل بدعائه وشفاعته ـ كما قال عمر ـ فإنه توسل بدعائه لا بذاته؛ ولهذا عدلوا عن التوسل به إلى التوسل بعمه العباس، ولو كان التوسل هو بذاته لكان هذا أولى من التوسل بالعباس، فلما عدلوا عن التوسل به إلى التوسل بالعباس، علم أن ما يفعل فى حياته قد تعذر بموته، بخلاف التوسل الذى هو الإيمان به والطاعة له، فإنه مشروع دائما‏.‏
فلفظ التوسل يراد به ثلاثة معان ‏:‏
أحدها‏:‏ التوسل بطاعته، فهذا فرض لا يتم الإيمان إلا به‏.‏
والثانى‏:‏ التوسل بدعائه وشفاعته، وهذا كان فى حياته، ويكون يوم القيامة يتوسلون بشفاعته‏.‏
والثالث‏:‏ التوسل به بمعنى الإقسام على الله بذاته، والسؤال بذاته، فهذا هو الذى لم تكن الصحابة يفعلونه فى الاستسقاء ونحوه، لا فى حياته ولا بعد مماته، لا عند قبره ولا غير قبره، ولا يعرف هذا فى شىء من الأدعية المشهورة بينهم، وإنما ينقل شىء من ذلك فى أحاديث ضعيفة مرفوعة وموقوفة، أو عمن ليس قوله حجة، كما سنذكر ذلك إن شاء الله تعالى‏.‏
وهذا هو الذى قال أبو حنيفة وأصحابه‏:‏ إنه لا يجوز، ونهوا عنه حيث قالوا‏:‏ لا يسأل بمخلوق، ولا يقول أحد‏:‏ أسألك بحق أنبيائك‏.‏ قال أبو الحسين القدورى، فى كتابه الكبير فى الفقه المسمى بشرح الكرخى فى باب الكراهة‏:‏ وقد ذكر هذا غير واحد من أصحاب أبى حنيفة‏.‏ قال بشر بن الوليد‏:‏ حدثنا أبو يوسف قال أبو حنيفة‏:‏ لا ينبغى لأحد أن يدعو الله إلا به‏.‏ وأكره أن يقول‏:‏ ‏(‏بمعاقد العز من عرشك‏)‏ أو ‏(‏بحق /خلقك‏)‏‏.‏ وهو قول أبى يوسف، قال أبو يوسف‏:‏ بمعقد العز من عرشه هو الله، فلا أكره هذا، وأكره أن يقول بحق فلان، أو بحق أنبيائك ورسلك، وبحق البيت الحرام والمشعر الحرام‏.‏
قال القدورى‏:‏ المسألة بخلقه لا تجوز؛ لأنه لا حق للخلق على الخالق فلا تجوز وفاقا‏.‏
وهذا الذى قاله أبو حنيفة وأصحابه ـ من أن الله لا يسأل بمخلوق ـ له معنيان ‏:‏
أحدهما‏:‏ هو موافق لسائر الأئمة الذين يمنعون أن يقسم أحد بالمخلوق، فإنه إذا منع أن يقسم على مخلوق بمخلوق، فلأن يمنع أن يقسم على الخالق بمخلوق أولى وأحرى‏.‏ وهذا بخلاف إقسامه سبحانه بمخلوقاته كـ ‏{َاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى}‏ ‏[‏الليل‏:‏ 1، 2‏]‏، ‏{وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا}‏ ‏[‏الشمس‏:‏ 1‏]‏، ‏{وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا}‏ ‏[‏النازعات‏:‏ 1‏]‏، ‏{وَالصَّافَّاتِ صَفًّا}‏ ‏[‏الصافات‏:‏ 1‏]‏، فإن إقسامه بمخلوقاته يتضمن مَن ذَكَر آياته الدالة على قدرته وحكمته ووحدانيته ما يحسن معه إقسامه، بخلاف المخلوق، فإن إقسامه بالمخلوقات شرك بخالقها، كما فى السنن عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏(‏من حلف بغير الله فقد أشرك‏)‏، وقد صححه الترمذى وغيره، وفى لفظ‏:‏ ‏(‏فقد كفر‏)‏ وقد صححه الحاكم‏.‏ وقد ثبت عنه فى الصحيحين أنه قال‏:‏ ‏(‏من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت‏)‏، وقال‏:‏ ‏(‏لا تحلفوا بآبائكم، فإن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم‏)‏، وفى الصحيحين عنه أنه قال‏:‏ ‏(‏من حلف باللات والعزى فليقل‏:‏ لا إله إلا الله‏)‏‏.‏ وقد اتفق المسلمون على أنه من حلف بالمخلوقات المحترمة، أو بما يعتقد هو حرمته كالعرش، والكرسى، والكعبة، والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجد النبى صلى الله عليه وسلم، والملائكة، والصالحين، والملوك، وسيوف المجاهدين، وترب الأنبياء والصالحين، وأيمان البندق، وسراويل الفتوة، وغير ذلك لا ينعقد يمينه، ولا كفارة فى الحلف بذلك‏.‏
والحلف بالمخلوقات حرام عند الجمهور، وهو مذهب أبى حنيفة وأحد القولين فى مذهب الشافعى وأحمد، وقد حكى إجماع الصحابة على ذلك‏.‏ وقيل‏:‏ هى مكروهة كراهة تنزيه، والأول أصح، حتى قال عبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس وعبد الله ابن عمر‏:‏ لأن أحلف بالله كاذبا أحب إلى من أن أحلف بغير الله صادقاً‏.‏ وذلك لأن الحلف بغير الله شرك، والشرك أعظم من الكذب‏.‏ إنما نعرف النزاع فى الحلف بالأنبياء، فعن أحمد فى الحلف بالنبى صلى الله عليه وسلم روايتان ‏:‏
إحداهما‏:‏ لا ينعقد اليمين به كقول الجمهور‏:‏ مالك وأبى حنيفة والشافعى‏.‏
والثانية‏:‏ ينعقد اليمين به، واختار ذلك طائفة من أصحابه كالقاضى وأتباعه، وابن المنذر وافق هؤلاء‏.‏ وقصر أكثر هؤلاء النزاع فى ذلك على النبى صلى الله عليه وسلم خاصة، وعَدَّى ابن عقيل هذا الحكم إلى سائر الأنبياء‏.‏ وإيجاب الكفارة بالحلف بمخلوق ـ وإن كان نبيا ـ قول ضعيف فى الغاية، مخالف للأصول والنصوص، فالإقسام به على الله ـ والسؤال به بمعنى الإقسام ـ هو من هذا الجنس‏.‏
وأما السؤال بالمخلوق إذا كانت فيه باء السبب ليست باء القسم ـ وبينهما فرق ـ فإن النبى صلى الله عليه وسلم أمر بإبرار القسم، وثبت عنه فى الصحيحين أنه قال‏:‏ ‏(‏إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره‏)‏ قال ذلك لما قال أنس بن النضر‏:‏ أتكسر ثنية الرُّبيع ‏؟‏ قال‏:‏ لا والذى بعثك بالحق لا تكسر سنها‏.‏ فقال‏:‏ ‏(‏يا أنس، كتاب الله القصاص‏)‏، فرضى القوم وعفوا، فقال صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره‏)‏، وقال‏:‏ ‏(‏رب أشعث أغبر مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره‏)‏ رواه مسلم وغيره، وقال‏:‏ ‏(‏ألا أخبركم بأهل الجنة ‏؟‏ كل ضعيف متضعف، لو أقسم على الله لأبره‏.‏ ألا أخبركم بأهل النار ‏؟‏ كل عتل جواظ ‏[‏العتل‏:‏ الشديد الجافى والفظ الغليظ من الناس‏.‏ والجواظ‏:‏ الكثير اللحم المختال فى مشيته، انظر‏:‏ النهاية فى غريب الحديث 3/180، 1/316‏]‏‏.‏ مستكبر‏)‏ وهذا فى الصحيحين‏.‏ وكذلك حديث أنس بن النضر والآخر من أفراد مسلم‏.‏
وقد روى فى قوله‏:‏ ‏(‏إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره‏)‏ أنه قال‏:‏ ‏(‏منهم البراء بن مالك‏)‏ وكان البراء إذا اشتدت الحرب بين المسلمين والكفار يقولون‏:‏ يا براء أقسم على ربك‏.‏ فيقسم على الله فتنهزم الكفار‏.‏ فلما كانوا على قنطرة بالسوس قالوا‏:‏ يا براء، أقسم على ربك‏.‏ قال‏:‏ يا رب أقسمت عليك لما منحتنا أكتافهم، وجعلتنى أول شهيد‏.‏ فأبر الله قسمه فانهزم العدو واستشهد البراء بن مالك يومئذ‏.‏ وهذا هو أخو أنس بن مالك، قتل مائة رجل مبارزة غير من شرك فى دمه، وحمل يوم مسيلمة على ترس ورمى به إلى الحديقة حتى فتح الباب‏.‏
/والإقسام به على الغير أن يحلف المقسم على غيره ليفعلن كذا، فإن حنثه ولم يبر قسمه فالكفارة على الحالف لا على المحلوف عليه عند عامة الفقهاء، كما لو حلف على عبده أو ولده أو صديقه ليفعلن شيئاً ولم يفعله، فالكفارة على الحالف الحانث‏.‏
وأما قوله‏:‏ ‏[‏سألتك بالله أن تفعل كذا‏]‏ فهذا سؤال وليس بقسم، وفى الحديث‏:‏ ‏(‏من سألكم بالله فأعطوه‏)‏ ولا كفارة على هذا إذا لم يجب سؤاله‏.‏ والخلق كلهم يسألون الله، مؤمنهم وكافرهم، وقد يجيب الله دعاء الكفار، فإن الكفار يسألون الله الرزق فيرزقهم ويسقيهم، وإذا مسهم الضر فى البحر ضل من يدعون إلا إياه، فلما نجاهم إلى البر أعرضوا وكان الإنسان كفورا ، وأما الذين يقسمون على الله فيبر قسمهم فإنهم ناس مخصوصون‏.‏ فالسؤال كقول السائل لله‏:‏ أسألك بأن لك الحمد، أنت الله المنان، بديع السموات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام‏.‏ وأسألك بأنك أنت الله الأحد الصمد، الذى لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد‏.‏ وأسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته فى كتابك، أو علمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به فى علم الغيب عندك‏.‏
فهذا سؤال الله تعالى بأسمائه وصفاته، وليس ذلك إقساماً عليه؛ فإن أفعاله هى مقتضى أسمائه وصفاته، فمغفرته ورحمته من مقتضى اسمه الغفور الرحيم، وعفوه من مقتضى اسمه العفو ؛ ولهذا لما قالت عائشة للنبى صلى الله عليه وسلم‏:‏ /إن وافقت ليلة القدر ماذا أقول ‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏قولى‏:‏ اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عنى‏)‏‏.‏
وهدايته ودلالته من مقتضى اسمه الهادى، وفى الأثر المنقول عن أحمد بن حنبل أنه أمر رجلاً أن يقول‏:‏ يا دليل الحيارى، دلنى على طريق الصادقين، واجعلنى من عبادك الصالحين‏.‏
وجميع ما يفعل الله بعبده من الخير من مقتضى اسمه الرب؛ ولهذا يقال فى الدعاء‏:‏ يا رب، يا رب، كما قال آدم‏:‏ ‏{رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 23‏]‏، وقال نوح‏:‏ ‏{رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُن مِّنَ الْخَاسِرِينَ}‏ ‏[‏هود‏:‏ 47‏]‏، وقال إبراهيم‏:‏ ‏{رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ}‏ ‏[‏إبراهيم‏:‏ 37‏]‏ وكذلك سائر الأنبياء‏.‏ وقد كره مالك وابن أبى عمران من أصحاب أبى حنيفة وغيرهما أن يقول الداعى ‏:‏ يا سيدى، يا سيدى‏.‏ وقالوا‏:‏ قل كما قالت الأنبياء‏:‏ ربِّ، رَبِّ‏.‏ واسمه ‏(‏الحى القيوم‏)‏ يجمع أصل معانى الأسماء والصفات، كما قد بسط هذا فى غير هذا الموضع؛ ولهذا كان النبى صلى الله عليه وسلم يقوله إذا اجتهد فى الدعاء‏.‏
فإذ سئل المسؤول بشىء ـ والباء للسبب ـ سئل بسبب يقتضى وجود المسؤول‏.‏
فإذا قال‏:‏ أسألك بأن لك الحمد أنت الله المنان، بديع السموات والأرض، كان كونه محموداً مناناً، بديع السموات والأرض يقتضى أن يمن على عبده السائل، وكونه محموداً هو يوجب أن يفعل ما يحمد عليه، وحمد العبد له سبب إجابة دعائه؛ ولهذا أمر المصلى أن يقول‏:‏ ‏(‏سمع الله لمن حمده‏)‏ أى استجاب الله دعاء من حمده، فالسماع هنا بمعنى الإجابة والقبول كقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏أعوذ بك من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع، ومن دعاء لا يسمع‏)‏ أى لا يستجاب‏.‏
ومنه قول الخليل فى آخر دعائه‏:‏ ‏{إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاء}‏ ‏[‏إبراهيم‏:‏ 39‏]‏ ومنه قوله تعالى‏:‏ ‏{وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 47‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{وَمِنَ الَّذِينَ هِادُواْ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ }‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 41‏]‏ أى‏:‏ يقبلون الكذب، ويقبلون من قوم آخرين لم يأتوك؛ ولهذا أمر المصلى أن يدعو بعد حمد الله بعد التشهد المتضمن الثناء على الله ـ سبحانه‏.‏
وقال النبى صلى الله عليه وسلم لمن رآه يصلى ويدعـو، ولـم يحمـد ربه ولـم يصـل على نبيه فقال‏:‏ ‏(‏عَجِل هذا‏)‏، ثم دعاه فقال‏:‏ ‏(‏إذا صلى أحدكم فليبدأ بحمد الله والثناء عليه وليصل على النبى صلى الله عليه وسلم، وليدع بعد بما شاء‏)‏، أخرجه أبو داود والترمذى وصححه‏.‏
وقال عبد الله بن مسعود‏:‏ كنت أصلى والنبى صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر معه، فلما جلست بدأت بالثناء على الله ثم بالصلاة على نبيه، ثم دعوت لنفسى فقال النبى صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏سل تعطه‏)‏‏.‏ رواه الترمذى وحسنه‏.‏
فلفظ السمع يراد به إدراك الصوت، ويراد به معرفة المعنى مع ذلك ويراد به القبول والاستجابة مع الفهم‏.‏ قال تعالى‏:‏ ‏{وَلَوْ عَلِمَ اللّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَّأسْمَعَهُمْ}‏ ثم قال‏:‏ ‏{وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ}‏ على هذه الحـال التى هم عليهـا لـم يـقبلوا الحـق ثـم ‏{لَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏ 23‏]‏، فذمهم بأنهم لا يفهمون القرآن ولو فهموه لم يعملوا به‏.‏ وإذا قال السائل لغيره‏:‏ أسأل بالله، فإنما سأله بإيمانه بالله، وذلك سبب لإعطاء من سأله به، فإنه سبحانه يحب الإحسان إلى الخلق، لا سيما إن كان المطلوب كف الظلم، فإنه يأمر بالعدل وينهى عن الظلم، وأمره أعظم الأسباب فى حض الفاعل، فلا سبب أولى من أن يكون مقتضيا لمسببه من أمر الله تعالى‏.‏
وقد جاء فى حديث رواه أحمد فى مسنده وابن ماجه، عن عطية العوفى عن أبى سعيد الخدرى، عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه عَلَّم الخارج إلى الصلاة أن يقول فى دعائه‏:‏ ‏(‏وأسألك بحق السائلين عليك وبحق ممشاى هذا، فإنى لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا رياء ولا سمعة، ولكن خرجت اتقاء سخطك، وابتغاء مرضاتك‏)‏‏.‏
فإن كان هذا صحيحاً فحق السائلين عليه أن يجيبهم، وحق العابدين له أن يثيبهم، وهو حق أوجبه على نفسه لهم، كما يسأل بالإيمان والعمل الصالح الذى جعله سبباً لإجابة الدعاء كما فى قوله تعالى‏:‏ ‏{وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِ}‏ ‏[‏الشورى‏:‏ 26‏]‏‏.‏
وكما يسأل بوعده؛ لأن وعده يقتضى إنجاز ما وعده، ومنه قول المؤمنين‏:‏ ‏{رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُواْ بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأبْرَارِ}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 193‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنتُم مِّنْهُمْ تَضْحَكُونَ}‏ ‏[‏المؤمنون‏:‏ 109، 110‏]‏‏.‏
ويشبه هذا مناشدة النبى صلى الله عليه وسلم يوم بدر حيث يقول‏:‏ ‏(‏اللهم أنجز لى ما وعدتنى‏)‏‏.‏ وكذلك ما فى التوراة‏:‏ أن الله تعالى غضب على بنى إسرائيل، فجعل موسى يسأل ربه ويذكر ما وعد به إبراهيم، فإنه سأله بسابق وعده لإبراهيم‏.‏
ومن السؤال بالأعمال الصالحة‏:‏ سؤال الثلاثة الذين أووا إلى غار، فسأل كل واحد منهم بعمل عظيم أخلص فيه لله؛ لأن ذلك العمل مما يحبه الله ويرضاه، محبة تقتضى إجابـة صاحبـه‏.‏ هذا سـأل ببـره لوالديـه، وهذا سـأل بعفتـه التـامة، وهذا سـأل بأمـانته وإحسانه‏.‏
وكذلك كان ابن مسعود يقول وقت السحر‏:‏ اللهم أمرتنى فأطعتك، ودعوتنى فأجبتك، وهذا سحر فاغفر لى، ومنه حديث ابن عمر‏:‏ أنه كان يقول على الصفا‏:‏‏(‏اللهم إنك قلت ـ وقولك الحق ـ‏:‏ ‏{ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ}‏ ‏[‏غافر‏:‏ 60‏]‏، وإنك لا تخلف الميعاد‏)‏، ثم ذكر الدعاء المعروف عن ابن عمر أنه كان يقوله على الصفا ‏.
فقد تبين أن قول القائل‏:‏ ‏[‏أسألك بكذا‏]‏ نوعان‏:‏ فإن الباء قد تكون للقسم، وقد تكون للسبب، فقد تكون قسما به على الله، وقد تكون سؤالاً بسببه‏.‏
فأما الأول‏:‏ فالقسم بالمخلوقات لا يجوز على المخلوق فكيف على الخالق ‏؟‏
وأما الثانى ـ وهو السؤال بالمعظم ـ‏:‏ كالسؤال بحق الأنبياء فهذا فيه نزاع، وقد تقدم عن أبى حنيفة وأصحابه أنه لا يجوز ذلك‏.‏ومن الناس من يجوز ذلك، فنقول‏:‏ قول السائل لله تعالى‏:‏ ‏[‏أسألك بحق فلان وفلان من الملائكة والأنبياء والصالحين وغيرهم، أو بجاه فلان أو بحرمة فلان‏]‏ يقتضى أن هؤلاء لهم عند الله جاه، وهذا صحيح‏.‏
فإن هؤلاء لهم عند الله منزلة وجاه وحرمة يقتضى أن يرفع الله درجاتهم ويعظم أقدارهم ويقبل شفاعتهم إذا شفعوا، مع أنه سبحانه قال‏:‏ ‏{مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ}‏‏[‏البقرة‏:‏ 255‏]‏‏.‏
ويقتضى أيضاً أن من اتبعهم واقتدى بهم فيما سن له الاقتداء بهم فيه، كان سعيداً، ومن أطاع أمرهم الذى بلغوه عن الله كان سعيداً، ولكن ليس نفس مجرد قدرهم وجاههم مما يقتضى إجابة دعائه إذا سأل الله بهم حتى يسأل الله بذلك، بل جاههم ينفعه أيضاً إذا اتبعهم وأطاعهم فيما أمروا به عن الله، أو تأسى بهم فيما سنوه للمؤمنين، وينفعه أيضاً إذا دعوا له وشفعوا فيه‏.‏
فأما إذا لم يكن منهم دعاء ولا شفاعة، ولا منه سبب يقتضى الإجابة، لم يكن متشفعاً بجاههم، ولم يكن سؤاله بجاههم نافعاً له عند الله، بل يكون قد سألبأمر أجنبى عنه ليس سبباً لنفعه، ولو قال الرجل لمطاع كبير‏:‏ أسألك بطاعة فلان لك، وبحبك له على طاعتك، وبجاهه عندك الذى أوجبته طاعته لك، لكان قد سأله بأمر أجنبى لا تعلق له به، فكذلك إحسان الله إلى هؤلاء المقربين ومحبته لهم وتعظيمه لأقدارهم مع عبادتهم له وطاعتهم إياه ليس فى ذلك ما يوجب إجابة دعاء من يسأل بهم، وإنما يوجب إجابة دعائه بسبب منه لطاعته لهم، أو سبب منهم لشفاعتهم له، فإذا انتفى هذا وهذا فلا سبب‏.‏
نعم، لو سأل الله بإيمانه بمحمد صلى الله عليه وسلم ومحبته له وطاعته له واتباعه، لكان قد سأله بسبب عظيم يقتضى إجابة الدعاء، بل هذا أعظم الأسباب والوسائل، والنبى صلى الله عليه وسلم بين أن شفاعته فى الآخرة تنفع أهل التوحيد لا أهل الشرك، وهى مستحقة لمن دعا له بالوسيلة كما فى الصحيح أنه قال‏:‏ ‏(‏إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا على، فإنه من صلى على مرة صلى الله عليه عشراً، ثم سلوا الله لى الوسيلة فإنها درجة فى الجنة لا تنبغى إلا لعبد من عباد الله، وأرجوا أن أكون أنا هو ذلك العبد، فمن سأل الله لى الوسيلة حلت عليه شفاعتى يوم القيامة‏)‏، وفى الصحيح أن أبا هريرة قال له‏:‏ أى الناس أسعد بشفاعتك يوم القيامة ‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏من قال لا إله إلا الله خالصاً من قلبه‏)‏‏.‏
فبين صلى الله عليه وسلم أن أحق الناس بشفاعته يوم القيامة من كان أعظم توحيداً وإخلاصاً؛ لأن التوحيد جماع الدين، والله لا يغفرأن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، فهو سبحانه لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، فإذا شفع محمدا صلى الله عليه وسلم حدَّ له ربه حدا فيدخلهم الجنة، وذلك بحسب ما يقوم بقلوبهم من التوحيد والإيمان‏.‏ وذكر صلى الله عليه وسلم أنه من سأل الله له الوسيلة حلت عليه شفاعته يوم القيامة، فبين أن شفاعته تنال باتباعه بما جاء به من التوحيد والإيمان‏.‏ وبالدعاء الذى سن لنا أن ندعو له به‏.‏
وأما السؤال بحق فلان فهو مبنى على أصلين‏:‏
أحدهما‏:‏ ما له من الحق عند الله‏.‏والثانى‏:‏ هل نسأل الله بذلك كما نسأل بالجاه والحرمة‏؟‏
أما الأول فمن الناس من يقول‏:‏ للمخلوق على الخالق حق يعلم بالعقل، وقاس المخلوق على الخالق، كما يقول ذلك من يقوله من المعتزلة وغيرهم‏.‏ومن الناس من يقول‏:‏ لا حق للمخلوق على الخالق بحال، لكن يعلم ما يفعله بحكم وعده وخبره، كما يقول ذلك من يقوله من أتباع جهم والأشعرى وغيرهما، ممن ينتسب إلى السنة‏.‏
ومنهم من يقول‏:‏ بل كتب الله على نفسه الرحمة، وأوجب على نفسه حقاً لعباده المؤمنين كما حرم الظلم على نفسه، لم يوجب ذلك مخلوق عليه ولا يقاس بمخلوقاته، بل هو بحكم رحمته وحكمته وعدله كتب على نفسه الرحمة وحرم على نفسه الظلم، كما قال فى الحديث الصحيح الإلهى‏:‏ ‏(‏يا عبادى، إنى حرمت الظلم على نفسى وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا‏)‏‏.‏وقال تعالى‏:‏ ‏{كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ}‏‏[‏الأنعام‏:‏ 54‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ}‏‏[‏الروم‏:‏ 47‏]‏ وفى الصحيحين عن معاذ، عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏(‏يا معاذ، أتدرى ما حق الله على عباده ‏؟‏‏)‏ قلت‏:‏ الله ورسوله أعلم‏.‏قال‏:‏ ‏(‏حقه عليهم أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً‏.‏يا معاذ، أتدرى ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك ‏؟‏‏)‏ قلت الله ورسوله أعلم، قال‏:‏ ‏(‏حقهم عليه ألا يعذبهم‏)‏‏.‏ فعلى هذا القول لأنبيائه وعباده الصالحين عليه سبحانه حق أوجبه على نفسه مع إخباره، وعلى الثانى يستحقون ما أخبر بوقوعه، وإن لم يكن ثَمَّ سبب يقتضيه‏.‏
فمن قال‏:‏ ليس للمخلوق على الخالق حق يسأل به ـ كما روى أن الله تعالى قال لداود‏:‏ ‏(‏وأى حق لآبائك علىّ ‏؟‏‏)‏ ـ فهو صحيح إذا أريد بذلك أنه ليس للمخلوق عليه حق بالقياس والاعتبار على خلقه كما يجب للمخلوق على المخلوق، وهذا كما يظنه جهال العباد من أن لهم على الله سبحانه حقاً بعبادتهم‏.‏
وذلك أن النفوس الجاهلية تتخيل أن الإنسان بعبادته وعلمه يصير له على الله حق من جنس ما يصير للمخلوق على المخلوق، كالذين يخدمون ملوكهم وملاكهم، فيجلبون لهم منفعة، ويدفعون عنهم مضرة ويبقى أحدهم يتقاضى العوض والمجازاة على ذلك، ويقول له عند جفاء أو إعراض يراه منه‏:‏ ألم يفعل كذا ‏؟‏ يمن عليه بما يفعله معه، وإن لم يقله بلسانه كان ذلك فى نفسه‏.‏
وتخيل مثل هذا فى حق الله تعالى من جهل الإنسان وظلمه، ولهذا بيّن سبحانه أن عمل الإنسان يعود نفعه عليه، وأن الله غنى عن الخلق، كما فى قوله تعالى‏:‏ ‏{إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا}‏‏[‏الإسراء‏:‏ 7‏]‏، وقوله تعالى‏:‏ ‏{مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ}‏‏[‏فصلت‏:‏ 46‏]‏، وقوله تعالى‏:‏ ‏{إِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ }‏‏[‏الزمر‏:‏ 7‏]‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ}‏‏[‏النمل‏:‏ 40‏]‏، وقال تعالى فى قصة موسى ـ عليه السلام ـ‏:‏ ‏{وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ وَقَالَ مُوسَى إِن تَكْفُرُواْ أَنتُمْ وَمَن فِي الأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ}‏‏[‏إبراهيم‏:‏ 7، 8‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{وَلاَ يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّواْ اللّهَ شَيْئاً}‏‏[‏آل عمران‏:‏ 176‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ}‏‏[‏آل عمران‏:‏ 97‏]‏‏.‏
وقد بين ـ سبحانه ـ أنه المانُّ بالعمل فقال تعالى‏:‏ ‏{يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُل لَّا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُم بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}‏‏[‏الحجرات‏:‏ 17‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}‏‏[‏الحجرات‏:‏ 7، 8‏]‏‏.‏
وفى الحديث الصحيح الإلهى‏:‏ ‏(‏يا عبادي، إنكم لن تبلغوا ضرى فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني‏.‏ يا عبادي، إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعاً ولا أبالي، فاستغفرونى أغفر لكم‏.‏يا عبادى، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكى شيئا‏.‏يا عبادى، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك فى ملكى شيئاً‏.‏يا عبادى، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا فى صعيد واحد فسألونى فأعطيت كل إنسان منهم مسألته ما نقص ذلكم مما عندى إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر‏)‏‏.‏
وبين الخالق تعالى والمخلوق من الفروق ما لا يخفى على من له أدنى بصيرة‏.‏
منها‏:‏ أن الرب تعالى غنى بنفسه عما سواه، ويمتنع أن يكون مفتقراً إلى غيره بوجه من الوجوه‏.‏والملوك وسادة العبيد محتاجون إلى غيرهم حاجة ضرورية‏.‏
ومنها‏:‏ أن الرب تعالى وإن كان يحب الأعمال الصالحة ويرضى ويفرح بتوبة التّائبين فهو الذى يخلق ذلك وييسره فلم يحصل ما يحبه ويرضاه إلا بقدرته ومشيئته‏.‏وهذا ظاهر على مذهب أهل السنة والجماعة الذين يقرون بأن الله هو المنعم على عباده بالإيمان بخلاف القدرية‏.‏والمخلوق قد يحصل له ما يحبه بفعل غيره‏.‏
ومنها‏:‏ أن الرب تعالى أمر العباد بما يصلحهم ونهاهم عما يفسدهم ، كما قال قتادة‏:‏ إن الله لم يأمر العباد بما أمرهم به لحاجته إليهم، ولا ينهاهم عما نهاهم عنه بخلا عليهم، بل أمرهم بما ينفعهم ونهاهم عما يضرهم‏.‏بخلاف المخلوق الذى يأمر غيره بما يحتاج إليه وينهاه عما ينهاه بخلا عليه‏.‏وهذا أيضا ظاهر على مذهب السلف وأهل السنة الذين يثبتون حكمته ورحمته، ويقولون‏:‏ إنه لم يأمر العباد إلا بخير ينفعهم، ولم ينههم إلا عن شر يضرهم، بخلاف المجبرة الذين يقولون‏:‏ إنه قد يأمرهم بما يضرهم وينهاهم عما ينفعهم‏.‏
ومنها‏:‏ أنه سبحانه هو المنعم بإرسال الرسل وإنزال الكتب، وهو المنعم بالقدرة والحواس وغير ذلك مما به يحصل العلم والعمل الصالح، وهو الهادى لعباده، فلا حول ولا قوة إلا به؛ ولهذا قال أهل الجنة‏:‏ ‏{الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَـذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللّهُ لَقَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ}‏‏[‏الأعراف‏:‏ 43‏]‏ وليس يقدر المخلوق على شىء من ذلك‏.‏
ومنها‏:‏ أن نعمه على عباده أعظم من أن تحصى، فلو قدر أن العبادة جزاء النعمة لم لم تقم العبادة بشكر قليل منها، فكيف والعبادة من نعمته أيضاً ‏؟‏
ومنها أن العباد لا يزالون مقصرين محتاجين إلى عفوه ومغفرته، فلن يدخل أحد الجنة بعمله، وما من أحد إلا وله ذنوب يحتاج إلى مغفرة الله لها ‏{وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ}‏‏[‏فاطر‏:‏ 45‏]‏، وقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله‏)‏، لا يناقض قوله تعالى‏:‏ ‏{جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}‏‏[‏الأحقاف‏:‏ 14، الواقعة‏:‏ 24‏]‏‏.‏
فإن المنفى نفى بباء المقابلة والمعاوضة، كما يقال‏:‏ بعت هذا بهذا، وما أثبت أثبت بباء السبب، فالعمل لا يقابل الجزاء وإن كان سببا للجزاء؛ ولهذا من ظن أنه قام بما يجب عليه وأنه لا يحتاج إلى مغفرة الرب تعالى وعفوه، فهو ضال، كما ثبت فى الصحيح عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏(‏لن يدخل أحد الجنة بعمله‏)‏، قالوا‏:‏ ولا أنت يا رسول الله ‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏ولا أنا، إلا أن يتغمدنى الله برحمة منه وفضل‏)‏ وروى ‏(‏بمغفرته‏)‏، ومن هذا أيضاً‏:‏ الحديث الذى فى السنن عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏(‏إن الله لو عذب أهل سمواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم لكانت رحمته لهم خيراً من أعمالهم‏)‏ الحديث‏.‏
ومن قال‏:‏ بل للمخلوق على الله حق، فهو صحيح إذا أراد به الحق الذى أخبر الله بوقوعه، فإن الله صادق لا يخلف الميعاد، وهو الذى أوجبه على نفسه بحكمته وفضله ورحمته، وهذا المستحق لهذا الحق إذا سأل الله تعالى به يسأل الله تعالى إنجاز وعده، أو يسأله بالأسباب التى علق الله بها المسببات كالأعمال الصالحة، فهذا مناسب، وأما غير المستحق لهذا الحق إذا سأله بحق ذلك الشخص فهو كما لو سأله بجاه ذلك الشخص، وذلك سؤال بأمر أجنبى عن هذا السائل لم يسأله بسبب يناسب إجابة دعائه‏.‏
وأما سؤال الله بأسمائه وصفاته التى تقتضى ما يفعله بالعباد من الهدى والرزق والنصر، فهذا أعظم ما يسأل الله تعالى به‏.‏ فقول المنازع‏:‏ لا يسأل بحق الأنبياء، فإنه لا حق للمخلوق على الخالق‏:‏ ممنوع فإنه قد ثبت فى الصحيحين حديث معاذ الذى تقدم إيراده، وقال تعالى‏:‏ ‏{كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ}‏‏[‏الأنعام‏:‏54‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ}‏‏[‏الروم‏:‏ 47‏]‏‏.‏
فيقال للمنازع‏:‏ فى هذا فى مقامين‏:‏
أحدهما‏:‏ فى حق العباد على الله، والثانى‏:‏ فى سؤاله بذلك الحق‏.‏
أما الأول‏:‏ فلا ريب أن الله تعالى وعد المطيعين بأن يثيبهم، ووعد السائلين بأن يجيبهم، وهو الصادق الذى لا يخلف الميعاد، قال الله تعالى‏:‏ ‏{وَعْدَ اللّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ قِيلاً}‏‏[‏النساء‏:‏ 122‏]‏، ‏{وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ}‏‏[‏الروم‏:‏ 6‏]‏، ‏{فَلاَ تَحْسَبَنَّ اللّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ}‏‏[‏إبراهيم‏:‏ 47‏]‏، فهذا مما يجب وقوعه /بحكم الوعد باتفاق المسلمين‏.‏وتنازعوا‏:‏ هل عليه واجب بدون ذلك ‏؟‏ على ثلاثة أقوال، كما تقدم‏.‏
قيل‏:‏ لا يجب لأحد عليه حق بدون ذلك‏.‏
وقيل‏:‏ بل يجب عليه واجبات ويحرم عليه محرمات بالقياس على عباده‏.‏
وقيل‏:‏ هو أوجب على نفسه وحرم على نفسه، فيجب عليه ما أوجبه على نفسه، ويحرم عليه ما حرمه على نفسه، كما ثبت فى الصحيح من حديث أبى ذر، كما تقدم‏.‏
والظلم ممتنع منه باتفاق المسلمين، لكن تنازعوا فى الظلم الذى لا يقع، فقيل‏:‏ هو الممتنع وكل ممكن يمكن أن يفعله لا يكون ظلماً؛ لأن الظلم إما التصرف فى ملك الغير، وإما مخالفة الأمر الذى يجب عليه طاعته، وكلاهما ممتنع منه‏.‏
وقيل‏:‏ بل ما كان ظلماً من العباد فهو ظلم منه‏.‏
وقيل الظلم وضع الشىء فى غير موضعه، فهو سبحانه لا يظلم الناس شيئاً، قال تعالى‏:‏ ‏{وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا}‏‏[‏طه‏:‏ 112‏]‏‏.‏قال المفسرون‏:‏ هو أن يحمل عليه سيئات غيره ويعاقب بغير ذنبه، والهضم أن يهضم من حسناته، وقال تعالى‏:‏ ‏{إِنَّ اللّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا}‏‏[‏النساء‏:‏ 40‏]‏، ‏{وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَـكِن ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ}‏‏[‏هود‏:‏ 101‏]‏‏.‏
وأما المقام الثانى‏:‏ فإنه يقال‏:‏ ما بين الله ورسوله أنه حق للعباد على الله فهو /حق، لكن الكلام فى السؤال بذلك، فيقال‏:‏ إن كان الحق الذى سأل به سبباً لإجابة السؤال حسن السؤال به، كالحق الذى يجب لعابديه وسائليه‏.‏
وأما إذا قال السائل‏:‏ بحق فلان وفلان، فأولئك إذا كان لهم عند الله حق ألا يعذبهم وأن يكرمهم بثوابه ويرفع درجاتهم ـ كما وعدهم بذلك وأوجبه على نفسه ـ فليس فى استحقاق أولئك ما استحقوه من كرامة الله ما يكون سبباً لمطلوب هذا السائل، فإن ذلك استحق ما استحقه بما يسره الله له من الإيمان والطاعة‏.‏وهذا لا يستحق ما استحقه ذلك‏.‏فليس فى إكرام الله لذلك سبب يقتضى إجابة هذا‏.‏
وإن قال‏:‏ السبب هو شفاعته ودعاؤه فهذا حق، إذا كان قد شفع له ودعا له، وإن لم يشفع له ولم يدع له لم يكن هناك سبب‏.‏
وإن قال‏:‏ السبب هو محبتى له وإيمانى به وموالاتى له، فهذا سبب شرعى، وهو سؤال الله وتوسل إليه بإيمان هذا السائل ومحبته لله ورسوله، وطاعته لله ورسوله، لكن يجب الفرق بين المحبة لله والمحبة مع الله‏:‏ فمن أحب مخلوقاً كما يحب الخالق فقد جعله نداً لله، وهذه المحبة تضره ولا تنفعه، وأما من كان الله تعالى أحب إليه مما سواه، وأحب أنبياءه وعباده الصالحين له، فحبه لله تعالى هو أنفع الأشياء، والفرق بين هذين من أعظم الأمور‏.‏
فإن قيل‏:‏ إذا كان التوسل بالإيمان به ومحبته وطاعته على وجهين ـ تارة يتوسل بذلك إلى ثوابه وجنته، وهذا أعظم الوسائل، وتارة يتوسل بذلك فى الدعاء كما ذكرتم نظائره ـ فيحمل قول القائل‏:‏ أسألك بنبيك محمد، على أنه أراد‏:‏ إنى أسألك بإيمانى به وبمحبته، وأتوسل إليك بإيمانى به ومحبته، ونحو ذلك، وقد ذكرتم أن هذا جائز بلا نزاع‏.‏ قيل‏:‏ من أراد هذا المعنى فهو مصيب فى ذلك بلا نزاع، وإذا حمل على هذا المعنى كلام من توسل بالنبى صلى الله عليه وسلم بعد مماته من السلف ـ كما نقل عن بعض الصحابة والتابعين وعن الإمام أحمد وغيره ـ كان هذا حسنا، وحينئذ فلا يكون فى المسألة نزاع‏.‏ولكن كثير من العوام يطلقون هذا اللفظ ولا يريدون هذا المعنى، فهؤلاء الذين أنكر عليهم من أنكر‏.‏
وهذا كما أن الصحابة كانوا يريدون بالتوسل به التوسل بدعائه وشفاعته، وهذا جائز بلا نزاع، ثم إن أكثر الناس فى زماننا لا يريدون هذا المعنى بهذا اللفظ‏.‏
فإن قيل‏:‏ فقد يقول الرجل بغيره‏:‏ بحق الرحم، قيل‏:‏ الرحم توجب على صاحبها حقا لذى الرحم، كما قال الله تعالى‏:‏ ‏{وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ}‏‏[‏النساء‏:‏ 1‏]‏ وقال النبى صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏الرحم شَجْنَةٌ ‏[‏شَجْنَة‏:‏ أى قرابة مُشْتبِكة كاشتباك العروق‏.‏ انظر‏:‏ النهاية فى غريب الحديث 2/447‏]‏، من الرحمن، من وصلها وصله الله ومن قطعها قطعه الله وقال‏:‏ ‏(‏لما خلق الله الرحم تعلقت بِحَقْوِ الرحمن وقالت‏:‏ هذا مقام العائذ بك من القطيعة، فقال‏:‏ ألا ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك ‏؟‏ قالت‏:‏ بلى قد رضيت‏)‏، وقال صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏يقول الله تعالى‏:‏ أنا الرحمن، خلقت الرحم وشققت لها اسما من اسمى، فمن وصلها وصلته ومن قطعها بتته‏)‏‏.‏
/وقد روى عن علىٍّ أنه كان إذا سأله ابن أخيه بحق جعفر أبيه، أعطاه لحق جعفر على عليَّ‏.‏ وحق ذى الرحم باق بعد موته، كما فى الحديث‏:‏ أن رجلا قال‏:‏ يا رسول الله، هل بقى من بر أبوى شىء أبرهما به بعد موتهما ‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏نعم، الدعاء لهما والاستغفار لهما، وإنفاذ وعدهما من بعدهما، وصلة رحمك التى لا رحم لك إلا من قبلهما‏)‏، وفى الحديث الآخر ـ حديث ابن عمر ـ‏:‏ ‏(‏من أبر البر أن يصل الرجل أهل ود أبيه بعد أن يولى‏)‏‏.‏ فصلة أقارب الميت وأصدقائه بعد موته هو من تمام بره‏.‏
والذى قاله أبو حنيفة وأصحابه وغيرهم من العلماء ـ من أنه لا يجوز أن يسأل الله تعالى بمخلوق‏:‏ لا بحق الأنبياء ولا غير ذلك ـ يتضمن شيئين ـ كما تقدم ـ ‏:‏
أحدهما‏:‏ الإقسام على الله ـ سبحانه وتعالى ـ به، وهذا منهى عنه عند جماهير العلماء كما تقدم، كما ينهى أن يقسم على الله بالكعبة والمشاعر باتفاق العلماء‏.‏
والثانى‏:‏ السؤال به، فهذا يجوزه طائفة من الناس، ونقل فى ذلك آثار عن بعض السلف، وهو موجود فى دعاء كثير من الناس، لكن ما روى عن النبى صلى الله عليه وسلم فى ذلك كله ضعيف بل موضوع‏.‏وليس عنه حديث ثابت قد يظن أن لهم فيه حجة، إلا حديث الأعمى الذى علمه أن يقول‏:‏ ‏[‏أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبى الرحمة‏]‏، وحديث الأعمى لا حجة لهم فيه، فإنه صريح فى أنه إنما توسل بدعاء النبى صلى الله عليه وسلم وشفاعته، وهو طلب من النبى صلى الله عليه وسلم الدعاء، وقد أمره النبى صلى الله عليه وسلم أن يقول‏:‏ ‏(‏اللهم شفعه فى‏)‏‏.‏ولهذا رد الله عليه بصره لما دعا له النبى صلى الله عليه وسلم، وكان ذلك مما يعد من آيات النبى صلى الله عليه وسلم‏.‏ولو توسل غيره من العميان، الذين لم يدع لهم النبى صلى الله عليه وسلم بالسؤال به، لم تكن حالهم كحاله‏.‏
ودعاء أمير المؤمنين عمر بن الخطاب فى الاستسقاء المشهور بين المهاجرين والأنصار، وقوله‏:‏ ‏(‏اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا‏)‏‏:‏ يدل على أن التوسل المشروع عندهم هو التوسل بدعائه وشفاعته لا السؤال بذاته؛ إذ لو كان هذا مشروعاً لم يعدل عمر والمهاجرين والأنصار عن السؤال بالرسول إلى السؤال بالعباس‏.‏
وشاع النزاع فى السؤال بالأنبياء والصالحين، دون الإقسام بهم؛ لأن بين السؤال والإقسام فرقاً، فإن السائل متضرع ذليل يسأل بسبب يناسب الإجابة، والمقسم أعلى من هذا، فإنه طالب مؤكد طلبه بالقسم، والمقسم لا يقسم إلا على من يرى أنه يبر قسمه، فإبرار القسم خاص ببعض العباد‏.‏
وأما إجابة السائلين فعام؛ فإن الله يجيب دعوة المضطر ودعوة المظلوم وإن كان كافراً، وفى الصحيح عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏(‏ما من داع يدعو الله بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم، إلا أعطاه الله بها إحدى خصال ثلاث‏:‏ إما أن يعجل له دعوته، وإما أن يدخر له من الخير مثلها، وإما أن يصرف عنه من الشر مثلها‏)‏ قالوا‏:‏ يا رسول الله، إذاً نكثر‏.‏قال‏:‏ ‏(‏الله أكثر‏)‏‏.‏وهذا التوسل بالأنبياء بمعنى السؤال بهم ـ وهو الذى قال أبو حنيفة وأصحابه وغيرهم أنه لا يجوز ـ ليس فى المعروف من مذهب مالك ما يناقض ذلك، فضلا أن يجعل هذا من مسائل السب، فمن نقل عن مذهب مالك أنه جوَّز التوسل به، بمعنى الإقسام به أو السؤال به، فليس معه فى ذلك نقل عن مالك وأصحابه، فضلا عن أن يقول مالك‏:‏ إن هذا سب للرسول أو تنقص له، بل المعروف عن مالك أنه كره للداعى أن يقول‏:‏ يا سيدى، سيدى، وقال‏:‏ قل كما قالت الأنبياء‏:‏ يا رب، يا رب، يا كريم‏.‏وكره أيضا أن يقول‏:‏ يا حنان يا منان‏.‏فإنه ليس بمأثور عنه‏.‏
فإذا كان مالك يكره مثل هذا الدعاء، إذ لم يكن مشروعاً عنده، فكيف يجوز عنده أن يسأل الله بمخلوق نبياً كان أو غيره، وهو يعلم أن الصحابة لما أجدبوا عام الرمادة لم يسألوا الله بمخلوق، لا نبى ولا غيره، بل قال عمر‏:‏ اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا‏.‏ فيسقون‏.‏
وكذلك ثبت فى صحيح مسلم عن ابن عمر وأنس وغيرهما أنهم كانوا إذا أجدبوا إنما يتوسلون بدعاء النبى صلى الله عليه وسلم واستسقائه، لم ينقل عن أحد منهم أنه كان فى حياته صلى الله عليه وسلم سأل اللّه تعالى بمخلوق /لا بد ولا بغيره، لا فى الاستسقاء ولا غيره، وحديث الأعمى سنتكلم عليه إن شاء اللّه تعالى، فلو كان السؤال به معروفاً عند الصحابة لقالوا لعمر‏:‏ إن السؤال والتوسل به أولى من السؤال والتوسل بالعباس،فلم نعدل عن الأمر المشروع الذى كنا نفعله فى حياته وهو التوسل بأفضل الخلق إلى أن نتوسل ببعض أقاربه ،وفى ذلك ترك السنة المشروعة وعدول عن الأفضل، وسؤال اللّه تعالى بأضعـف السببين مع القدرة على أعلاهما ــ ونحن مضطرون غاية الاضطرار فى عام الرمادة الذى يضرب به المثل فى الجدب‏.‏
والذى فعله عمر فعل مثله معاوية بحضرة من معه من الصحابة والتابعين، فتوسلوا بيزيد بن الأسود الجُرَشِى كما توسل عمر بالعباس، وكذلك ذكر الفقهاء من أصحاب الشافعى وأحمد وغيرهم أنه يتوسل فى الاستسقاء بدعاء أهل الخير والصلاح، قالوا‏:‏ وإن كانوا من أقارب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فهو أفضل، اقتداء بعمر، ولم يقل أحد من أهل العلم‏:‏ إنه يسأل اللّه تعالى فى ذلك لا بنبى ولا بغير نبى‏.‏
وكذلك من نقل عن مالك أنه جوز سؤال الرسول أو غيره بعد موتهم أو نقل ذلك عن إمام من أئمة المسلمين ــ غير مالك ــ كالشافعى وأحمد وغيرهما فقد كذب عليهم، ولكن بعض الجهال ينقل هذا عن مالك ويستند إلى حكاية مكذوبة عن مالك، ولو كانت صحيحة لم يكن التوسل الذى فيها هو هذا، بل هو التوسل بشفاعته يوم القيامة، ولكن من الناس من يحرف نقلها، وأصلها ضعيف كما سنبينه إن شاء اللّه تعالى‏.‏
/والقاضى عياض لم يذكرها فى كتابه فى باب زيارة قبره، بل ذكر هناك ما هو المعروف عن مالك وأصحابه، وإنما ذكرها فى سياق أن حرمة النبى صلى الله عليه وسلم بعد موته، وتوقيره وتعظيمه لازم، كما كان حال حياته، وكذلك عند ذكره وذكر حديثه، وسنته، وسماع اسمه‏.‏ وذكر عن مالك أنه سئل عن أيوب السختيانى فقال‏:‏ ما حدثتكم عن أحد إلا وأيوب أفضل منه‏.‏ قال‏:‏ وحج حجتين، فكنت أرمقه فلا أسمع منه غير أنه كان إذا ذكر النبى صلى الله عليه وسلم بكى حتى أرحمه، فلما رأيت منه ما رأيت وإجلاله للنبى صلى الله عليه وسلم كتبت عنه‏.‏
وقال مصعب بن عبد اللّه‏:‏ كان مالك إذا ذكر النبى صلى الله عليه وسلم يتغير لونه وينحنى، حتى يصعب ذلك على جلسائه‏.‏ فقيل له يوماً فى ذلك، فقال‏:‏ لو رأيتم ما رأيت لما أنكرتم على ما ترون، لقد كنت أرى محمد بن المُنْكَدِر ــ وكان سيد القراء ــ لا نكاد نسأله عن حديث أبداً إلا يبكى حتى نرحمه‏.‏ ولقد كنت أرى جعفر بن محمد ــ وكان كثير الدعابة والتبسم ــ فإذا ذكر عنده النبى صلى الله عليه وسلم اصفر لونه، وما رأيته يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا على طهارة‏.‏ ولقد اختلفت إليه زماناً فما كنت أراه إلا على ثلاث خصال‏:‏ إما مصلياً، وإما صامتا، وإما يقرأ القرآن‏.‏ ولا يتكلم فيما لا يعنيه، وكان من العلماء والعباد الذين يخشون اللّه ولقد كان عبد الرحمن بن القاسم يذكر النبى صلى الله عليه وسلم فينظر إلى لونه كأنه نزف منه الدم، وقد جف لسانه فى فمه هيبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ ولقد كنت آتى عامر بن عبد الله بن الزبير، فإذا ذكر عنده النبى صلى الله عليه وسلم بكى حتى لا يبقى فى عينيه دموع
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://ehabmtwale.forumegypt.net
ايهاب متولى
مؤسس الموقع
مؤسس الموقع
avatar

عدد المساهمات : 1578
نقاط : 3229
تاريخ التسجيل : 10/01/2011
العمر : 38

مُساهمةموضوع: رد: مجموع الفتاوى الجزء الاول الوسيلة والتوسل   2011-08-05, 13:09



وأما الحافظ أبو العلاء وأمثاله فإنما يريدون بالموضوع المختلق المصنوع الذى تعمد صاحبه الكذب، والكذب كان قليلا فى السلف‏.‏
أما الصحابة فلم يعرف فيهم ـ ولله الحمد ـ من تعمد الكذب على النبى صلى الله عليه وسلم، كما لم يعرف فيهم من كان من أهل البدع المعروفة كبدع الخوارج والرافضة والقدرية والمرجئة، فلم يعرف فيهم أحد من هؤلاء الفِرَق‏.‏
ولا كان فيهم من قال‏:‏ إنه أتاه الخضر، فإن خضر موسى مات كما بُيِّن هذا فى غير هذا الموضوع، والخضر الذى يأتى كثيراً من الناس إنما هو جِنىٌّ تصور بصورة إنسى أو إنسى كذاب، ولا يجوز أن يكون ملكا مع قوله‏:‏ أنا الخضر، فإن الملك لا يكذب وإنما يكذب الجنى والإنسى‏.‏وأنا أعرف ممن أتاه الخضر وكان جنيا مما يطول ذكره فى هذا الموضع‏.‏وكان الصحابة أعلم من أن يروج عليهم هذا التلبيس‏.‏
وكذلك لم يكن فيهم من حملته الجن إلى مكة وذهبت به إلى عرفات ليقف بها، كما فعلت ذلك بكثير من الجهال والعباد وغيرهم، ولا كان فيهم من تسرق الجن أموال الناس وطعامهم وتأتيه به، فيظن أن هذا من باب الكرامات، كما قد بسط الكلام على ذلك فى مواضع‏.‏
وأما التابعون فلم يعرف تعمد الكذب فى التابعين من أهل مكة والمدينة والشام والبصرة، بخلاف الشيعة، فإن الكذب معروف فيهم، وقد عرف الكذب بعد هؤلاء فى طوائف‏.‏
/وأما الغلط فلا يسلم منه أكثر الناس، بل فى الصحابة من قد يغلط أحياناً وفيمن بعدهم‏.‏
ولهذا كان فيما صنف فى الصحيح أحاديث يعلم أنها غلط، وإن كان جمهور متون الصحيحين مما يعلم أنه حق‏.
فالحافظ أبو العلاء يعلم أنها غلط، والإمام أحمد نفسه قد بين ذلك وبين أنه رواها لتعرف، بخلاف ما تعمد صاحبه الكذب؛ ولهذا نزه أحمد مسنده عن أحاديث جماعة يروى عنهم أهل السنن كأبى داود والترمذى، مثل مشيخة كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزنى عن أبيه عن جده، وإن كان أبو داود يروى في سننه منها، فشرط أحمد في مسنده أجود من شرط أبى داود في سننه‏.‏
والمقصود أن هذه الأحاديث التى تروى في ذلك من جنس أمثالها من الأحاديث الغريبة المنكرة، بل الموضوعة التى يرويها من يجمع في الفضائل والمناقب الغَثَّ والسَّمين، كما يوجد مثل ذلك فيما يصنف في فضائل الأوقات، وفضائل العبادات، وفضائل الأنبياء والصحابة، وفضائل البقاع، ونحو ذلك، فإن هذه الأبواب فيها أحاديث صحيحة وأحاديث حسنة وأحاديث ضعيفة وأحاديث كذب موضوعة، ولا يجوز أن يعتمد في الشريعة على الأحاديث الضعيفة التى ليست صحيحة ولا حسنة، لكن أحمد بن حنبل وغيره من العلماء جوزوا أن يروى في فضائل الأعمال ما لم يعلم أنه ثابت إذا لم يعلم أنه كذب‏.‏
وذلك أن العمل إذا علم أنه مشروع بدليل شرعى، وروى في فضله حديث لا يعلم أنه كذب ـ جاز أن يكون الثواب حقا، ولم يقل أحد من الأئمة‏:‏ إنه يجوز أن يجعل الشىء واجبا أو مستحبا بحديث ضعيف، ومن قال هذا فقد خالف الإجماع‏.‏
وهذا كما أنه لا يجوز أن يحرم شىء إلا بدليل شرعى، لكن إذا علم تحريمه، وروى حديث في وعيد الفاعل له، ولم يعلم أنه كذب ـ جاز أن يرويه، فيجوز أن يروى في الترغيب والترهيب مالم يعلم أنه كذب، لكن فيما علم أن الله رغب فيه أو رهب منه بدليل آخر غير هذا الحديث المجهول حاله‏.‏
وهذا كالإسرائيليات؛ يجوز أن يروى منها مالم يعلم أنه كذب للترغيب والترهيب، فيما علم أن اللّه تعالى أمر به في شرعنا ونهى عنه في شرعنا‏.‏فإما أن يثبت شرعاً لنا بمجرد الإسرائيليات التى لم تثبت فهذا لا يقوله عالم، ولا كان أحمد بن حنبل ولا أمثاله من الأئمة يعتمدون على مثل هذه الأحاديث في الشريعة‏.‏
ومن نقل عن أحمد أنه كان يحتج بالحديث الضعيف الذى ليس بصحيح ولا حسن فقط غلط عليه، ولكن كان في عرف أحمد بن حنبل ومن قبله من العلماء أن الحديث ينقسم إلى نوعين‏:‏ صحيح، وضعيف‏.‏والضعيف عندهم ينقسم إلى ضعيف متروك لا يحتج به، وإلى ضعيف حسن، كما أن ضعف الإنسان بالمرض ينقسم إلى مرض مخوف يمنع التبرع من رأس المال، وإلى ضعيف خفيف لا يمنع من ذلك‏.‏
وأول من عرف أنه قسم الحديث ثلاثة أقسام ـ صحيح، وحسن، وضعيف ـ هو أبو عيسى الترمذى في جامعه‏.‏والحسن عنده ما تعددت طرقه ولم يكن في رواته متهم وليس بشاذ‏.‏فهذا الحديث وأمثاله يسميه أحمد ضعيفاً ويحتج به؛ ولهذا مثل أحمد الحديث الضعيف الذى يحتج به بحديث عمرو بن شعيب وحديث إبراهيم الهجرى ونحوهما‏.‏وهذا مبسوط في موضعه‏.‏
والأحاديث التى تروى في هذا الباب ـ وهو السؤال بنفس المخلوقين ـ هى من الأحاديث الضعيفة الواهية بل الموضوعة، ولا يوجد في أئمة الإسلام من احتج بها ولا اعتمد عليها، مثل الحديث الذى يروى عن عبد الملك بن هارون بن عنترة، عن أبيه، عن جده، أن أبا بكر الصديق أتى النبى صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ إنى أتعلم القرآن ويتفلت منى‏.‏ فقال له رسول اللّه صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏قل‏:‏ اللهم إنى أسألك بمحمد نبيك، وبإبراهيم خليلك، وبموسى نجيّك، وعيسى روحك وكلمتك، وبتوراة موسى، وإنجيل عيسى، وزبور داود، وفرقان محمد، وبكل وحى أوحيته وقضاء قضيته‏)‏ وذكر تمام الحديث‏.‏
وهذا الحديث ذكره رَزِين بن معاوية العبدرى في جامعه ونقله ابن الأثير في جامع الأصول ولم يعزه لا هذا ولا هذا إلى كتاب من كتب المسلمين، لكنه قد رواه من صنف في عمل ‏(‏ اليوم والليلة ‏)‏ كابن السُّنِّى وأبى نعيم، وفى مثل هذه الكتب أحاديث كثيرة موضوعة لا يجوز الاعتماد عليها في الشريعة باتفاق العلماء‏.‏
وقد رواه أبو الشيخ الأصبهانى في كتاب فضائل الأعمال، وفى هذا الكتاب أحاديث كثيرة كذب موضوعة، رواه أبو موسى المدينى من حديث زيد بن الحباب عن عبد الملك بن هارون بن عنترة وقال‏:‏ هذا حديث حسن مع أنه ليس بالمتصل، قال أبو موسى‏:‏ ورواه محرز بن هشام عن عبد الملك عن أبيه عن جده عن الصديق ـ رضى اللّه عنه ـ وعبد الملك ليس بذاك القوى وكان بالرِّىِّ، وأبوه وجده ثقتان‏.‏
قلت‏:‏ عبد الملك بن هارون بن عنترة من المعروفين بالكذب‏.‏قال يحيى بن معين‏:‏ هو كذاب‏.‏وقال السعدى‏:‏ دجال كذاب، وقال أبو حاتم ابن حبان‏:‏ يضع الحديث‏.‏وقال النسائى‏:‏ متروك‏.‏وقال البخارى‏:‏ منكر الحديث‏.‏ وقال أحمد بن حنبل‏:‏ ضعيف‏.‏ وقال ابن عدى‏:‏ له أحاديث لا يتابعه عليها أحد‏.‏وقال الدارقطنى‏:‏ هو وأبوه ضعيفان‏.‏وقال الحاكم في ‏[‏كتاب المدخل‏]‏‏:‏ عبد الملك بن هارون بن عنترة الشيبانى روى عن أبيه أحاديث موضوعة‏.‏وأخرجه أبو الفرج ابن الجوزى في كتاب ‏[‏الموضوعات‏]‏ وقول الحافظ أبى موسى‏:‏ ‏[‏هو منقطع‏]‏ يريد‏:‏ أنه لو كان رجاله ثقات فإن إسناده منقطع‏.‏
وقد روى عبد الملك هذه الأحاديث الأخر المناسبة لهذا في استفتاح أهل الكتاب به ـ كما سيأتى ذكره ـ وخالف فيه عامة ما نقله المفسرون وأهل السير وما دل عليه القرآن، وهذا يدل على ما قاله العلماء فيه‏:‏ من أنه متروك إما لتعمده الكذب وإما لسوء حفظه، وتبين أنه لا حجة لا في هذا ولا في ذاك‏.‏
ومثل ذلك الحديث الذى رواه عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن جده، عن عمر بن الخطاب مرفوعاً وموقوفا عليه‏:‏ ‏(‏أنه لما اقترف آدم الخطيئة قال‏:‏ يا رب، أسألك بحق محمد لما غفرت لى، قال‏:‏ وكيف عرفت محمداً ‏؟‏ قال‏:‏ لأنك لما خلقتنى بيدك، ونفخت في من روحك، رفعت رأسى فرأيت على قوائم العرش مكتوباً‏:‏ لا إلا إلا الله محمد رسول الله، فعلمت أنك لم تضف إلى اسمك إلا أحب الخلق إليك‏.‏ قال‏:‏ صدقت يا آدم ‏؟‏ ولولا محمد ما خلقتك‏)‏ وهذا الحديث رواه الحاكم في مستدركه من حديث عبد الله بن مسلم الفهرى عن إسماعيل بن سلمة عنه‏.‏ قال الحاكم‏:‏ وهو أول حديث ذكرته لعبد الرحمن في هذا الكتاب، وقال الحاكم‏:‏ هو صحيح‏.‏
ورواه الشيخ أبو بكر الآجرى في كتابه الشريعة موقوفاً على عمر من حديث عبد الله ابن إسماعيل بن أبى مريم، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم موقوفا، ورواه الآجرى أيضاً من طريق آخر من حديث عبد الرحمن بن أبى الزناد، عن أبيه، موقوفاً عليه، وقال‏:‏ حدثنا هارون بن يوسف التاجر، حدثنا أبو مروان العثمانى، حدثنى أبو عثمان بن خالد عن عبد الرحمن بن أبى الزناد، عن أبيه أنه قال‏:‏ ‏(‏من الكلمات التى تاب الله بها على آدم قال‏:‏ اللهم إنى أسألك بحق محمد عليك‏.‏ قال الله تعالى‏:‏ وما يدريك ما محمد ‏؟‏ قال‏:‏ يا رب‏:‏ رفعت رأسى فرأيت مكتوباً على عرشك‏:‏ لا إله إلا الله محمد رسول الله، فعلمت أنه أكرم خلقك‏)‏‏.‏
قلت‏:‏ ورواية الحاكم لهذا الحديث مما أنكر عليه، فإنه نفسه قد قال في ‏[‏كتابه المدخل إلى معرفة الصحيح من السقيم‏]‏‏:‏ عبد الرحمن بن زيد بن أسلم روى عن أبيه أحاديث موضوعة، لا تخفى على من تأملها من أهل الصنعة أن الحمل فيها عليه‏.‏
قلت‏:‏ وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم ضعيف باتفاقهم يغلط كثيراً، ضعفه أحمد بن حنبل وأبو زرعة أبو حاتم والنسائى والدارقطنى وغيرهم، وقال أبو حاتم بن حبان‏:‏ كان يقلب الأخبار وهو لا يعلم، حتى كثر ذلك من روايته من رفع المراسيل وإسناد الموقوف فاستحق الترك‏.‏
وأما تصحيح الحاكم لمثل هذا الحديث وأمثاله فهذا مما أنكره عليه أئمة العلم بالحديث وقالوا‏:‏ إن الحـاكم يصـحح أحـاديث وهى موضوعـة مكذوبة عند أهل المعرفة بالحديث، كما صحح حديث زريب بن برثملى‏:‏ الذى فيه ذكر وصى المسيح، وهو كذب باتفاق أهل المعرفة، كما بين ذلك البيهقى وابن الجوزى وغيرهما، وكذلك أحاديث كثيرة في مستدركه يصححها وهى عند أئمة أهل العلم بالحديث موضوعة، ومنها ما يكون موقوفا يرفعه‏.‏
ولهذا كان أهل العلم بالحديث لا يعتمدون على مجرد تصحيح الحاكم، وإن كان غالب ما يصححه فهو صحيح، لكن هو في المصححين بمنزلة الثقة الذى يكثر غلطه، وإن كان الصواب أغلب عليه‏.‏ وليس فيمن يصحح الحديث أضعف من تصحيحه، بخلاف أبى حاتم بن حبان البستى، فإن تصحيحه فوق تصحيح الحاكم وأجل قدراً، وكذلك تصحيح الترمذى والدارقطنى وابن خزيمة وابن منده وأمثالهم فيمن يصحح الحديث‏.‏
/فإن هؤلاء وإن كان في بعض ما ينقلونه نزاع، فهم أتقن في هذا الباب من الحاكم، ولا يبلغ تصحيح الواحد من هؤلاء مبلغ تصحيح مسلم، ولا يبلغ تصحيح مسلم مبلغ تصحيح البخارى، بل كتاب البخارى أجل ما صنف في هذا الباب‏.‏ والبخارى من أعرف خلق الله بالحديث وعلله مع فقهه فيه، وقد ذكر الترمذى أنه لم ير أحداً أعلم بالعلل منه؛ ولهذا كان من عادة البخارى إذا روى حديثا اختلف في إسناده أو في بعض ألفاظه، أن يذكر الاختلاف في ذلك لئلا يغتر بذكره له بأنه إنما ذكره مقرونا بالاختلاف فيه‏.‏
ولهذا كان جمهور ما أنكر على البخاري، مما صححه يكون قوله فيه راجحا على قول من نازعه، بخلاف مسلم بن الحجاج فإنه نوزع في عدة أحاديث مما خرجها، وكان الصواب فيها مع من نازعه، كما روى في حديث الكسوف أن النبى صلى الله عليه وسلم صلى بثلاث ركوعات وبأربع ركوعات، كما روى أنه صلى بركوعين‏.‏
والصواب أنه لم يصل إلا بركوعين، وأنه لم يصل الكسوف إلا مرة واحدة يوم مات إبراهيم، وقد بين ذلك الشافعى، وهو قول البخارى وأحمد بن حنبل في إحدى الروايتين عنه، والأحاديث التى فيها الثلاث والأربع فيها أنه صلاها يوم مات إبراهيم‏.‏ ومعلوم أنه لم يمت في يومي كسوف، ولا كان له إبراهيمان‏.‏ ومن نقل أنه مات عاشر الشهر فقد كذب، وكذلك روى مسلم ‏(‏خلق الله التربة يوم السبت‏)‏، ونازعه فيه من هو أعلم منه كيحيى بن معين والبخاري وغيرهما، فبينوا أن هذا غلط، ليس هذا من كلام النبى صلى الله عليه وسلم‏.‏
/والحجـة مــع هؤلاء، فإنه قـد ثبت بالـكتاب والسـنة والإجـماع أن الله تعالى خلق السـموات والأرض في سـتة أيام، وأن آخـر ما خلقه هو آدم، وكان خلقه يوم الجمعـة‏.‏ وهذا الحديث المختلف فيه يقتضى أنه خلق ذلك في الأيام السبعة، وقد روى إسناد أصح من هذا أن أول الخلق كان يوم الأحد، وكذلك روى أن أبا سفيان لما أسلم طلب من النبى صلى الله عليه وسلم أن يتـزوج بأم حبيبـة، وأن يتخـذ مـعاوية كاتـبًا‏.‏ وغلطـه في ذلـك طائفـة من الـحفاظ‏.‏
ولكن جـمهور متون الصـحيحين متفق علـيها بين أئـمة الحـديث، تلـقوها بالـقبول وأجمعوا عليها وهم يعلمون علماً قطعياً أن النبى صلى الله عليه وسلم قالها‏.‏ وبسط الكلام في هذا له موضع آخر‏.‏
وهذا الحديث المذكور في آدم يذكره طائفة من المصنفين بغير إسناد وما هو من جنسه مع زيادات أخر، كما ذكر القاضى عياض قال‏:‏ وحكى أبو محمد المكى وأبو الليث السمرقندى وغيرهما‏:‏ ‏(‏أن آدم عند معصيته قال‏:‏ اللهم بحق محمد اغفر لي خطيئتي ـ قال‏:‏ ويروى‏:‏ تقبل توبتى ـ فقال الله له‏:‏ من أين عرفت محمداً ‏؟‏ قال‏:‏ رأيت في كل موضع من الجنة مكتوباً‏:‏ لا إله إلا الله محمد رسول الله ـ قال‏:‏ ويروى‏:‏ محمد عبدى ورسولى ـ فعلمت أنه أكرم خلقك عليك؛ فتاب عليه وغفر له‏)‏‏.‏
ومثل هذا لا يجوز أن تبنى عليه الشريعة، ولا يحتج به في الدين باتفاق المسلمين؛ فإن هذا من جنس الإسرائيليات ونحوها التى لا تعلم صحتها إلا بنقل ثابت عن النبى صلى الله عليه وسلم، وهذه لو نقلها مثل كعب الأحبار ووهب بن منبه وأمثالهما ممن ينقل أخبار ‏[‏المبتدأ، وقصص المتقدمين‏]‏ عن أهل الكتاب لم يجز أن يحتج بها في دين المسلمين باتفاق المسلمين، فكيف إذا نقلها من لا ينقلها لا عن أهل الكتاب ولا عن ثقات علماء المسلمين ‏؟‏ بل إنما ينقلها عمن هو عند المسلمين مجروح ضعيف لا يحتج بحديثه، واضطرب عليه فيها اضطراباً يعرف به أنه لم يحفظ ذلك‏.‏
ولا ينقل ذلك ولا ما يشبهه أحد من ثقات علماء المسلمين الذين يعتمد على نقلهم، وإنما هى من جنس ما ينقله إسحاق بن بشر وأمثاله في ‏[‏كتب المبتدأ‏]‏، وهذه لو كانت ثابتة عن الأنبياء لكانت شرعاً لهم، وحينئذ فكان الاحتجاج بها مبنياً على أن شرع من قبلنا هل هو شرع لنا أم لا ‏؟‏ والنزاع في ذلك مشهور‏.‏ لكن الذى عليه الأئمة وأكثر العلماء أنه شرع لنا ما لم يرد شرعنا بخلافه، وهذا إنما هو فيما ثبت أنه شرع لمن قبلنا من نقل ثابت عن نبينا صلى الله عليه وسلم، أو بما تواتر عنهم لا بما يروى على هذا الوجه، فإن هذا لا يجوز أن يحتج به في شرع المسلمين أحد من المسلمين‏.‏
ومن هذا الباب حديث ذكره موسى بن عبد الرحمن الصنعانى صاحب التفسير بإسناده عن ابن عباس مرفوعاً أنه قال‏:‏ ‏(‏من سره أن يوعيه الله حفظ القرآن وحفظ أصناف العلم، فليكتب هذا الدعاء في إناء نظيف أو في صحف قوارير بعسل وزعفران وماء مطر، وليشربه على الريق، وليصم ثلاثة أيام وليكن إفطاره عليه، ويدعو به في أدبار صلواته‏:‏ اللهم إنى أسألك بأنك مسئول لم يسأل مثلك ولا يسأل، وأسألك بحق محمد نبيك، وإبراهيم خليلك، وموسى نجيك، وعيسى روحك وكلمتك ووجيهك‏)‏ وذكر تمام الدعاء‏.‏
وموسى بن عبد الرحمن هذا من الكذابين، قال أبو أحمد بن عدى فيه‏:‏ منكر الحديث‏.‏ وقالوا أبو حاتم بن حبان‏:‏ دجال يضع الحديث، وضع على ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس كتاباً في التفسير جمعه من كلام الكلبى ومقاتل، ويروى نحو هذا ـ دون الصوم ـ عن ابن مسعود من طريق موسى بن إبراهيم المروزى، حدثنا وَكِيع، عن عبيدة، عن شقيق، عن ابن مسعود‏.‏ وموسى بن إبراهيم هذا قال فيه يحىى بن معين‏:‏ كذاب، وقال الدارقطنى‏:‏ متروك، وقال ابن حبان‏:‏ كان مغفلاً يلقن فيتلقن فاستحق الترك‏.‏ ويروى هذا عن عمر بن عبد العزيز عن مجاهد بن جبر عن ابن مسعود بطريق أضعف من الأول‏.‏
ورواه أبو الشيخ الأصبهانى من حديث أحمد بن إسحاق الجوهرى‏:‏ حدثنا أبو الأشعث، حدثنا زهير بن العلاء العتبى، حدثنا يوسف بن يزيد، عن الزهرى، ورفع الحديث قال‏:‏ ‏(‏من سره أن يحفظ فليصم سبعة أيام وليكن إفطاره في آخر الأيام السبعة على هؤلاء الكلمات‏)‏‏.‏ قلت‏:‏ وهذه أسانيد مظلمة لا يثبت بها شىء‏.‏
وقد رواه أبو موسى المدينى في أماليه وأبو عبد الله المقدسى على عادة أمثالهم في رواية ما يروى في الباب، سواء كان صحيحاً أو ضعيفاً كما اعتاده أكثر المتأخرين من المحدثين، أنهم يروون ما روى به الفضائل، ويجعلون العهدة في ذلك على الناقل كما هى عادة المصنفين في فضائل الأوقات والأمكنة والأشخاص والعبادات‏.‏
كما يرويه أبو الشـيخ الأصبهانى في فضـائل الأعمـال وغيره، حيـث يجمع أحـاديث كثيرة لكثرة روايته، وفيها أحاديث كثيرة قوية صحيحة وحسنة، وأحاديث كثيرة ضعيفة موضوعة وواهية‏.‏
وكذلك ما يـرويه خَيْثَمَة بن سـليمان في فضـائل الصحـابة، وما يـرويه أبو نعـيم الأصبهانى في ‏[‏فضائل الخلفاء‏]‏ في كتاب مفرد وفى أول ‏[‏حلية الأولياء‏]‏، وما يرويه أبو الليث السمرقندى وعبد العزيز الكنانى، وأبو على بن البناء وأمثالهم من الشيوخ، وما يرويه أبو بكر الخطيب، وأبو الفضل بن ناصر، وأبو موسى المدينى، وأبو القاسم بن عساكر، والحافظ عبد الغنى، وأمثالهم ممن لهم معرفة بالحديث‏.‏ فإنهم كثيراً ما يروون في تصانيفهم ما روى مطلقاً على عادتهم الجارية؛ ليعرف ما روى في ذلك الباب لا ليحتج بكل ما روى، وقد يتكلم أحدهم على الحديث ويقول‏:‏ غريب، ومنكر، وضعيف، وقد لا يتكلم‏.‏
وهذا بخلاف أئمة الحديث الذين يحتجون به،ويبنون عليه دينهم، مثل مالك بن أنس، وشعبة بن الحجاج، ويحىى بن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدى، وسفيان بن عيينة، وعبد الله بن المبارك، ووكيع بن الجراح، والشافعى، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وعلى بن المدينى، والبخارى، وأبى زُرْعَة، وأبى حاتم، وأبى داود، ومحمد بن نصر المروزى، وابن خزيمة، وابن المنذر، وداود بن على، ومحمد بن جرير الطبرى، وغير هؤلاء، فإن هؤلاء الذين يبنون الأحكام على الأحاديث يحتاجون أن يجتهدوا في معرفة صحيحها وضعيفها وتمييز رجالها‏.‏
وكذلك الذين تكلموا في الحديث والرجال، ليميزوا بين هذا وهذا لأجل معرفة الحديث، كما يفعل أبو أحمد بن عدى، وأبو حاتم البستى، وأبو الحسن الدارقطنى، وأبو بكر الإسماعيلى، وكما قد يفعل ذلك أبو بكر البيهقى، وأبو إسماعيل الأنصارى، وأبو القاسم الزنجانى، وأبو عمر بن عبد البر، وأبو محمد بن حزم، وأمثال هؤلاء فإن بسط هذه الأمور له موضع آخر‏.‏ ولم نذكر من لا يروى بإسناد ـ مثل كتاب ‏[‏وسيلة المتعبدين‏]‏ لعمر الملا الموصلى وكتاب ‏[‏الفردوس‏]‏ لشهريار الديلمى، وأمثال ذلك ـ فإن هؤلاء دون هؤلاء الطبقات، وفيما يذكرونه من الأكاذيب أمر كبير‏.‏
والمقصود هنا‏:‏ أنه ليس في هذا الباب حديث واحد مرفوع إلى النبى صلى الله عليه وسلم يعتمد علىه في مسألة شرعية باتفاق أهل المعرفة بحديثه، بل المروى في ذلك إنما يعرف أهل المعرفة بالحديث أنه من الموضوعات إما تعمداً من واضعه وإم
ا غلطاً منه


تابعونا
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://ehabmtwale.forumegypt.net
 
مجموع الفتاوى الجزء الاول الوسيلة والتوسل
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:تستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
موقع الاستاذ ايهاب الاسلامى. :: الكتب الاسلامية :: مكتبة الكتب الاسلامية-
إرسال موضوع جديد   إرسال مساهمة في موضوعانتقل الى: