موقع الاستاذ ايهاب الاسلامى.
مرحبا بك زائرنا الحبيب
مرحبا بك فى اعلام واقلام
مرحبا بك معنا فردا عزيزا علينا
نمنحك عند التسجيل العضو المميز
كما يمكنك الكتابة والتعليق فى بعض الفئات دون تسجيل
ونتمنى لكم مشاهدة ممتعة معنا
نسالكم الدعاء
اخوكم ايهاب متولى

موقع الاستاذ ايهاب الاسلامى.

وفق الكتاب والسنة وما اتفقت عليه الامة
 
الرئيسيةالبوابةبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخولتلاوات الاشبالمنتدى حياتى ملك ربى
http://ehabmtwale.forumegypt.net/ لا تنسى ذكر الله
هــــــــــــــلا و غــــــــــــــلا فيك معانا في منتدانا.. بين اخوانك واخواتك الأعضاء ونبارك لأنفسنا أولاً ولك ثانياً بزوغ نجمك وإنضمامك لركب هذه القافلة الغالية علينا نتمنى لك طيب الإقامة وقضاء وقت مُمتع ولحظات سعيدة بصحبتنا .. بإذن الله في إنتظار ما يفيض به قلمك من جديد ومفيد .. لك مني أرق تحية مع خالص تحياتى موقع الاستاذ ايهاب الاسلامى.

شاطر | 
 

 كتاب جامع الرسائل لابن القيم/ الجزء الاول

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
ايهاب متولى
مؤسس الموقع
مؤسس الموقع
avatar

عدد المساهمات : 1578
نقاط : 3229
تاريخ التسجيل : 10/01/2011
العمر : 39

مُساهمةموضوع: كتاب جامع الرسائل لابن القيم/ الجزء الاول   2011-08-04, 22:48


ملخص عن الكتاب:
كتاب يحتوي على مجموعة من الرسائل التي أرسلت إلى شيخ الإسلام ابن تيمية، وتحتوي هذه الرسائل على علوم التوحيد والعبادات وغيرها، جمعها الشيخ جمال الدين القاسمي، من كتاب «الكواكب» لابن عروة، وطائفة من كتب ابن تيمية وفتاويه، كما تحتوي على رسائل أخرى لشيخ الإسلام وكانت هذه المسائل يكتبها شيخ الإسلام أو يمليها دون مراجعة كتاب من الكتب. وهي من الآيات البينات على سعة علمه وحفظه.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ــــــــــــ


تابعونا
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://ehabmtwale.forumegypt.net
ايهاب متولى
مؤسس الموقع
مؤسس الموقع
avatar

عدد المساهمات : 1578
نقاط : 3229
تاريخ التسجيل : 10/01/2011
العمر : 39

مُساهمةموضوع: الجزء الأول الهجر الجميل والصفح الجميل والصبر الجميل أقسام الناس في التقوى والصبر   2011-08-04, 22:50

الجزء الأول

الهجر الجميل والصفح الجميل والصبر الجميل أقسام الناس في التقوى والصبر

بسم الله الرحمن الرحيم

سئل الشيخ الإمام العالم العامل الحبر الكامل شيخ الإسلام

ومفتي الأنام تقي الدين بن تيمية أيده الله وزاده من فضله العظيم عن الصبر الجميل والصفح الجميل والهجر الجميل وما أقسام التقوى والصبر الذي عليه الناس فأجاب رحمه الله‏:‏ الحمد لله أما بعد فإن الله أمر نبيه بالهجر الجميل والصفح الجميل والصبر الجميل فالهجر الجميل هجر بلا أذى والصفح الجميل صفح بلا عتاب والصبر الجميل صبر بلا شكوى قال يعقوب عليه الصلاة والسلام‏:‏ ‏"‏ إنما أشكو بثي وحزني إلى الله ‏"‏ مع قوله‏:‏ ‏"‏ فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون ‏"‏ فالشكوى إلى الله لا تنافي الصبر الجميل‏.‏

ويروى عن موسى عليه الصلاة والسلام أنه كان يقول‏:‏ اللهم لك الحمد وإليك المشتكى وأنت المستعان وبك المستغاث وعليك التكلان‏.‏

ومن دعاء النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس أنت رب المستضعفين وأنت ربي اللهم إلى من تكلني أإلى بعيد يتجهمني أم إلى عدو ملكته أمري إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي غير أن عافيتك هي أوسع لي أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت الظلمات له وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة أن ينزل بي سخطك أو يحل علي غضبك لك الغنى حتى ترضى ‏"‏‏.‏

وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقرأ في صلاة الفجر ‏"‏ إنما أشكو بثي وحزني إلى الله ‏"‏ ويبكي حتى يسمع نشيجه من آخر الصفوف‏.‏

بخلاف الشكوى إلى المخلوق‏.‏

قرئ على الإمام أحمد في مرض موته أن طليوساً كره أنين المرض وقال‏:‏ إنه شكوى‏.‏

فما أنّ حتى مات‏.‏

وذلك أن المشتكي طالب بلسان الحال إما إزالة ما يضره أو حصول ما ينفعه والعبد مأمور أن يسأل ربه دون خلقه كما قال تعالى‏:‏ ‏"‏ فإذا فرغت فانصب وإلى ربك فارغب ‏"‏‏.‏

وقال صلى الله عليه وسلم لابن عباس‏:‏ ‏"‏ إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله ‏"‏‏.‏

ولا بد للإنسان من شيئين‏:‏ طاعته بفعل المأمور وترك المحظور وصبره على ما يصيبه من القضاء المقدور فالأول هو التقوى والثاني هو الصبر قال تعالى‏:‏ ‏"‏ يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالاً ‏"‏ إلى قوله‏:‏ ‏"‏ وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئاً إن الله بما يعملون محيط ‏"‏ وقال تعالى‏:‏ ‏"‏ بلى إن تصبروا وتتقوا يأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين ‏"‏ وقال تعالى‏:‏ ‏"‏ لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيراً وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور ‏"‏‏.‏

وقد قال يوسف‏:‏ ‏"‏ أنا يوسف وهذا أخي قد من الله علينا إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين ‏"‏‏.‏

ولهذا كان الشيخ عبد القادر ونحوه من المشايخ المستقيمين يوصون في عامة كلامهم بهذين الأصلين - المسارعة إلى فعل المأمور والتقاعد عن فعل المحظور والصبر والرضا بالأمر المقدور وذلك أن هذا الموضع غلط فيه كثير من العامة بل ومن السالكين فمنهم من يشهد القدر فقط ويشهد الحقيقة الكونية دون الدينية فيرى أن الله خالق كل شيء وربه ولا يفرق بين ما يحبه الله ويرضاه وبين ما يسخطه ويبغضه وإن قدره وقضاه ولا يميز بين توحيد الإلوهية وبين توحيد الربوبية فيشهد الجمع الذي يشترك فيه جميع المخلوقات - سعيدها وشقيها - مشهد الجمع الذي يشترك فيه المؤمن والكافر والبر والفاجر والنبي الصادق والمتنبي الكاذب وأهل الجنة وأهل النار وأولياء الله وأعداؤه والملائكة المقربون والمردة الشياطين فإن هؤلاء كلهم يشتركون في هذا الجمع وهذه الحقيقة الكونية وهو إن الله ربهم وخالقهم ومليكهم لا رب لهم غيره ولا يشهد الفرق الذي فرق الله بين أوليائه وأعدائه وبين المؤمنين والكافرين والأبرار والفجار وأهل الجنة والنار وهو توحيد الألوهية وهو عبادته وحده لا شريك له وطاعته وطاعة رسوله وفعل ما يحبه ويرضاه وهو ما أمر الله به ورسوله أمر إيجاب أو أمر استحباب وترك ما نهى الله عنه ورسوله وهذه الأصناف مذكورة في القرآن وحكمهم باق إلى يوم القيامة في أشباههم ونظرائهم قال الله تعالى‏:‏ ‏"‏ إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا‏.‏

وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق والله بما تعملون بصير والذين كفروا بعضهم أولياء بعض إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك هم المؤمنون حقاً لهم مغفرة ورزق كريم ‏"‏ فهذا في السابقين‏.‏

ثم ذكر من اتبعهم إلى يوم القيامة فقال‏:‏ ‏"‏ والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله إن الله بكل شيء عليم ‏"‏ وقال تعالى‏:‏ ‏"‏ والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه ‏"‏ الآية‏.‏

وذكر في السورة الأعراب المؤمنين وذكر المنافقين من أهل المدينة وممن حولها‏.‏

وقال تعالى‏:‏ ‏"‏ الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيراً إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم وكان الله غفوراً رحيماً ‏"‏‏.‏

فلما كان المؤمنون يهاجرون إلى المدينة النبوية كان فيهم من ينزل على الأنصار بأهله أو بغير أهله لأن المبايعة كانت على أن يؤووهم ويواسوهم وكان في بعض الأوقات إذا قدم المهاجر اقترع الأنصار على من ينزل منهم وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد حالف بين المهاجرين والأنصار وآخى بينهم ثم صار المهاجرون يكثرون بعد ذلك شيئاً بعد شيء فإن الإسلام صار ينتشر والناس يدخلون فيه والنبي صلى الله عليه وسلم يغزو الكفار تارة بنفسه وتارة بسراياه فيسلم خلق تارة ظاهراً وباطناً وتارة ظاهراً فقط ويكثر المهاجرون إلى المدينة من الأغنياء والفقراء والآهلين والعزاب‏.‏

فكان من لم يتيسر له مكان يأوي إليه يأوي إلى تلك الصفة التي في المسجد ولم يكن جميع أهل الصفة يجتمعون في وقت واحد بل منهم من يتأهل أو ينتقل إلى مكان آخر يتيسر له ويجيء ناس بعد ناس وكانوا تارة يكثرون وتارة يقلون فتارة يكونون عشرة أو أقل وتارة يكونون عشرين وثلاثين وأكثر وتارة يكونون ستين وسبعين‏.‏

وأما جملة من آوى إلى الصفة مع تفرقهم فقد كانوا نحو أربعمائة من الصحابة وقد قيل كانوا أكثر من ذلك‏.‏

جمع أسماءهم الشيخ أبو عبد الرحمن السلمي ولم يعرف كل واحد منهم في كتاب تاريخ أهل الصفة وكان معتنياً بجمع أخبار النساك والصوفية والآثار التي يستندون إليها والكلمات المأثورة عنهم وجمع أخبار زهاد السلف وأخبار جميع من بلغه أنه كان من أهل الصفة وكم بلغوا‏.‏

والصوفية المستأخرون بعد القرون الثلاثة وجمع أيضاً في الأبواب مثل حقائق التفسير ومثل أبواب التصوف الجارية على أبواب الفقه ومثل كلامهم في التوحيد والمعرفة والمحبة ومسألة السماع وغير ذلك من الأحوال وغير ذلك من الأبواب‏.‏

وفيما جمعه فوائد كثيرة ومنافع جليلة وهو في نفسه رجل من أهل الخير والدين والصلاح والفضل وما يرويه من الآثار فيه من الصحيح شيء كثير ويروي أحياناً آثاراً ضعيفة بل موضوعة يعلم أنها كذب‏.‏

وقد تكلم بعض حفاظ الحديث في سماعه وكان البيهقي إذا روي عنه يقول‏:‏ حدثنا أبو عبد الرحمن من أصل سماعه وما يظن به وبأمثاله إن شاء الله تعالى تعمد الكذب لكن لعدم الحفظ والإتقان يدخل عليهم الخطأ في الرواية فإن النساك والعباد منهم من هو متقن في الحديث مثل ثابت البنان والفضيل بن عياض وأمثالهم ومنهم من قد يقع في بعض حديثه غلط وضعف مثل مالك بن دينار وفرقد السنجي ونحوهما‏.‏

وكذلك ما يؤثره أبو عبد الرحمن عن بعض المتكلمين في الطريق أو ينتصر له من الأقوال والأحوال فيه من الهدى والعلم شيء كثير‏.‏

وفيه أحياناً من الخطأ أشياء وبعض ذلك يكون عن اجتهاد سائغ وبعضه باطل قطعاً مصدره مثل ما ذكر في حقائق التفسير قطعة كبيرة عن جعفر الصادق وغيره من الآثار الموضوعة وذكر عن بعض طائفة أنواعاً من الإشارات التي بعضها أمثال حسنة واستدلالات مناسبة وبعضها من نوع الباطل واللغو والذي جمعه الشيخ أبو عبد الرحمن في تاريخ أهل الصفة وأخبار زهاد السلف وطبقات الصوفية يستفاد منه فوائد جليلة ويجتنب ما فيه من الروايات الباطلة ويتوقف فيما فيه من الروايات الضعيفة وهكذا كثير من أهل الروايات ومن أهل الآراء والأذواق من الفقهاء والزهاد والمتكلمة وغيرهم يؤخذ فيما يأثرونه عمن قبلهم وفيما يذكرونه معتقدين له شيء كثير وأمر عظيم من الهدى ودين الحق الذي بعث الله به رسوله ويوجد أحياناً عندهم من جنس الآراء والأذواق الفاسدة أو المحتملة شيء كثير ومن له من الأمة لسان صدق عام بحيث يثنى عليه ويحمد في جماهير أجناس الأمة فهؤلاء هم أئمة الهدى ومصابيح الدجى وغلطهم قليل بالنسبة إلى صوابهم وعامته من موارد الاجتهاد التي يعذرون بها وهم الذين يتبعون العلم والعدل فهم بعداء عن الجهل والظلم وعن إتباع الظن وما تهوى النفس‏.‏

فصل في حال أهل الصفة هم وغيرهم من فقراء المسلمين

وأما حال أهل الصفة هم وغيرهم من فقراء المسلمين الذين لم يكونوا في الصفة أو كانوا يكونون بها بعض الأوقات فكما وصفهم الله تعالى في كتابه حيث بين مستحقي الصدقة منهم ومستحقي الفيء فقال‏:‏ ‏"‏ إن تبدوا الصدقات فنعماً هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لك ويكفر عنكم من سيئاتكم والله بما تعملون خبير ‏"‏ إلى قوله‏:‏ ‏"‏ للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضرباً في الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافاً ‏"‏ وقال في أهل الفيء‏:‏ ‏"‏ للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلاً من الله ورضواناً وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون ‏"‏ وكان فقراء المسلمين من أهل الصفة وغيرهم يكتسبون عند إمكان الاكتساب الذي لا يصدهم عما هو أوجب أو أحب إلى الله من الكسب وأما إذا أحصروا في سبيل الله عن الكسب فكانوا يقدمون ما هو أقرب إلى الله ورسوله‏.‏

وكان أهل الصفة ضيف الإسلام يبعث إليهم النبي صلى الله عليه وسلم بما يكون عنده فإن الغالب كان عليهم الحاجة لا يقوم ما يقدرون عليه من الكسب بما يحتاجون إليه من الرزق‏.‏

وأما المسألة فكانوا فيها كما أدبهم النبي صلى الله عليه وسلم حرمها على المستغني عنها وأباح منها أن يسأل الرجل حقه مثل أن يسأل ذا السلطان أن يعطيه حقه من مال الله أو يسأل إذا كان لا بد سائلاً الصالحين الموسرين إذا احتاج إلى ذلك ونهى خواص أصحابه عن المسألة مطلقاً حتى كان السوط يسقط من يد أحدهم فلا يقول لأحد ناولني إياه وهذا الباب فيه أحاديث وتفصيل وكلام للعلماء لا يسعه هذا الكتاب مثل قوله صلى الله عليه وسلم لعمر بن الخطاب رضي الله عنه‏:‏ ‏"‏ ما أتاك من ه الإسلام أو ما يظهره منه بمنزلة ما معهم من الإسلام وما يظهرونه منه بل يوجد في غير التتار المقاتلين من المظهرين للإسلام من هو أعظم ردة وأولى بالأخلاق الجاهلية وأبعد عن الأخلاق الإسلامية من التتار‏.‏

وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول في خطبته‏:‏ ‏"‏ خير الكلام كلام الله وخير الهدي هدي محمد وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة ‏"‏ وإذا كان خير الكلام كلام الله وخير الهدي هدي محمد فكل من كان إلى ذلك أقرب وهو به أشبه كان إلى الكمال أقرب وهو به أحق ومن كان عن ذلك أبعد وشبهه به أضعف كان عن الكمال أبعد وبالباطل أحق والكامل هو من كان لله أطوع وعلى ما يصيبه أصبر فكلما كان أتبع لما يأمر الله به ورسوله وأعظم موافقة لله فيما يحبه ويرضاه وصبراً على ما قدره وقضاه كان أكمل وأفضل وكل من نقص عن هذين كان فيه من النقص بحسب ذلك‏.‏

وقد ذكر الله تعالى الصبر والتقوى جميعاً في غير موضع من كتابه وبين أنه ينتصر العبد على عدوه من الكفار المحاربين المعاهدين والمنافقين وعلى من ظلمه من المسلمين ولصاحبه تكون العاقبة لله تعالى‏:‏ ‏"‏ بلى إن تصبروا وتتقوا يأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين ‏"‏ وقال الله تعالى‏:‏ ‏"‏ لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيراً وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور ‏"‏ وقال تعالى‏:‏ ‏"‏ يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالاً ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون ها أنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم وتؤمنون بالكتاب كله‏.‏

وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ قل موتوا بغيظكم إن الله عليم بذات الصدور إن تمسسكم حسنة تسوؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئاً إن الله بما يعملون محيط ‏"‏‏.‏

وقال أخوة يوسف له‏:‏ ‏"‏ إنك لأنت يوسف قال أنا يوسف وهذا أخي قد من الله علينا إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين ‏"‏ وقد قرن الصبر بالأعمال الصالحة عموماً وخصوصاً فقال تعالى‏:‏ ‏"‏ واتبع ما يوحى إليك واصبر حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين ‏"‏ وفي إتباع ما أوحي إليه التقوى كلها تصديقاً لخير الله وطاعة لأمره وقال تعالى‏:‏ ‏"‏ وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفاً من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين واصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين ‏"‏‏.‏

وقال تعالى‏:‏ ‏"‏ فاصبر إن وعد الله حق واستغفر لذنبك وسبح بحمد ربك بالعشي والأبكار ‏"‏‏.‏

وقال تعالى‏:‏ ‏"‏ فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ومن آناء الليل ‏"‏‏.‏

وقال تعالى‏:‏ ‏"‏ واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين ‏"‏‏.‏

وقال تعالى‏:‏ ‏"‏ استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين ‏"‏ فهذه مواضع قرن فيها الصلاة والصبر وقرن بين الرحمة والصبر في مثل قوله تعالى‏:‏ ‏"‏ وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة ‏"‏‏.‏

وفي الرحمة الإحسان إلى الخلق بالزكاة وغيرها فإن القسمة أيضاً رباعية إذ من الناس من يصبر ولا يرحم كاهل القوة والقسوة ومنهم من يرحم ولا يصبر كاهل الضعف واللين مثل كثير من النساء ومن يشبههن ومنهم من لا يصبر ولا يرحم كاهل القسوة والهلع‏.‏

والمحمود هو الذي يصبر ويرحم كما قال الفقهاء في المتولي ينبغي أن يكون قوياً من غير عنف ليناً من غير ضعف فبصبره يقوى وبلينه يرحم وبالصبر ينصر العبد فإن النصر مع الصبر وبالرحمة يرحمه الله تعالى كما قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ إنما يرحم الله من عباده الرحماء ‏"‏ وقال‏:‏ ‏"‏ من لا يَرحم لا يُرحم ‏"‏ وقال‏:‏ ‏"‏ لا تنزع الرحمة إلا من شقي ‏"‏ ‏"‏ الراحمون يرحمهم الرحمن ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء ‏"‏ والله أعلم‏.‏

انتهى‏.‏

الشفاعة الشرعية والتوسل إلى الله بالأعمال وبالذوات والأشخاص

بسم الله الرحمن الرحيم

وسئل أيضاً رحمه الله تعالى هل يجوز للإنسان أن يتشفع بالنبي صلى الله عليه وسلم‏؟‏

هل يجوز للإنسان أن يتشفع بالنبي صلى الله عليه وسلم في طلب حاجة أم لا فأجاب‏:‏ الحمد لله - أجمع المسلمون على أن النبي صلى الله عليه وسلم يشفع للخلق يوم القيامة بعد أن يسأله الناس ذلك وبعد أن يأذن الله له في الشفاعة‏.‏

ثم أهل السنة والجماعة متفقون على ما اتفقت عليه الصحابة واستفاضت به السنن من أنه يشفع لأهل الكبائر من أمته ويشفع أيضاً لعموم الخلق‏.‏

وأما الوعيدية من الخوارج والمعتزلة فزعموا أن شفاعته إنما هي للمؤمنين خاصة في رفع وأجمع أهل العلم على أن الصحابة كانوا يستشفعون به في حياته ويتوسلون بحضرته كما ثبت في صحيح البخاري عن أنس أن عمر بن الخطاب كان إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب رضي الله عنه فقال‏:‏ اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا - فيسقون‏.‏

وفي البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما قال‏:‏ ربما ذكرت قول الشاعر وأنا أنظر إلى وجه النبي صلى الله عليه وسلم يستسقي فما ينزل حتى يجيش كل ميزاب‏:‏ وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ثمال اليتامى عصمة للأرامل فالإستسقاء هو من جنس الاستشفاع به وهو أن يطلب منه الدعاء والشفاعة ويطلب من الله أن يقبل دعاءه وشفاعته فينا‏.‏

وكذلك معاوية بن أبي سفيان لما أجدب الناس في الشام استسقى بيزيد بن الأسود الجرشي رضي الله تعالى عنه وقال‏:‏ اللهم إنا نستشفع ونتوسل إليك بخيارنا يا يزيد ارفع يديك فرفع يديه ودعا الناس حتى سقوا ولهذا قال العلماء‏:‏ يستحب أن يستسقى بأهل الدين والصلاح وإذا كانوا بهذه المثابة وهم من أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أحسن‏.‏

وفي سنن أبي داود وغيره أن رجلاً قال‏:‏ أنا أستشفع بك على الله ونستشفع بالله عليك فسبح رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى رؤي ذلك في وجوه أصحابه فقال‏:‏ ‏"‏ ويحك أتدري ما الله إن الله لا يستشفع به على أحد من خلقه شأن الله أعظم من ذلك ‏"‏ فأنكر عليه قوله‏:‏ إنا نستشفع بالله عليك ولم ينكر عليه قوله‏:‏ نستشفع بك على الله - لأن الشفيع يسأل المشفوع إليه أن يقضي حاجة الطالب والله تعالى لا يسأل أحداً من عباده أن يقضي حوائج خلقه وإن كان بعض الشعراء ذكر استشفاعه بالله في مثل قوله‏:‏ شفيعي إليك الله لا رب غيره وليس إلى رد الشفيع سبيل فهذا كلام منكر لم يتكلم به عالم وكذلك بعض الاتحادية ذكر أنه استشفع بالله ورسوله وكلاهما خطأ وضلال بل هو سبحانه المسؤول المدعو الذي ‏"‏ يسأله من في السموات والأرض ‏"‏ والرسول صلى الله عليه وسلم يستشفع به إلى الله أي يطلب منه أن يسأل ربه الشفاعة في الخلق أن يقضي الله بينهم وفي أن يدخلهم الجنة ويشفع في أهل الكبائر من أمته ويشفع في بعض من يستحق النار أن لا يدخلها ويشفع فيمن دخلها أن يخرج منها ولا نزاع بين جماهير الأمة أنه يجوز أن يشفع لأهل الطاعة المستحقين للثواب وعند الخوارج والمعتزلة أنه لا يشفع لأهل الكبائر لأن الكبائر عندهم لا تغفر ولا يخرجون من النار بعد أن يدخلوها لا بشفاعة ولا بغيرها‏.‏

ومذهب أهل السنة والجماعة أنه يشفع في أهل الكبائر ولا يخلد أحد في النار من أهل الإيمان بل يخرج من النار من في قلبه حبة من إيمان أو مثقال ذرة والاستشفاع به وبغيره هو طلب الدعاء منه وليس معناه الإقسام به على الله والسؤال بذاته بحضوره فأما في مغيبه أو بعد موته فالإقسام به على الله والسؤال بذاته لم ينقل عن أحد من الصحابة والتابعين بل عمر بن الخطاب ومعاوية ومن كان يحضرهما من الصحابة والتابعين لما أجدبوا استسقوا بمن كان حياً كالعباس وكيزيد بن الأسود رضي الله عنهما ولم ينقل عنهم أنهم في هذه الحالة استشفعوا بالنبي صلى الله عليه وسلم عند قبره ولا غيره فلم يقسموا بالمخلوق على الله عز وجل ولا سألوه بمخلوق نبي ولا غيره بل عدلوا إلى خيارهم كالعباس وكيزيد بن الأسود وكانوا يصلون عليه في دعائهم روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال‏:‏ إنا نتوسل إليك بعم نبينا فجعلوا هذا بدلاً عن ذاك لما تعذر عليهم أن يتوسلوا به على الوجه المشروع الذي كانوا يفعلونه‏.‏

وقد كان من الممكن أن يأتوا إلى قبره فيتوسلوا به ويقولوا في دعائهم في الصحراء‏:‏ نسألك ونقسم عليك بأنبيائك أو بنبيك أو بجاههم ونحو ذلك‏.‏

ولا نقل عنهم أنهم تشفعوا عند قبره ولا في دعائهم في الصحراء وقد قال صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ اللهم لا تجعل قبري وثناً واشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ‏"‏ رواه الإمام مالك في الموطأ وغيره‏.‏

وفي سنن أبي داود أنه قال‏:‏ ‏"‏ لا تتخذوا قبري عيداً ‏"‏ وقال‏:‏ ‏"‏ لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ‏"‏ قال ذلك في مرض موته يحذر ما فعلوا‏:‏ وقال‏:‏ ‏"‏ لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله ‏"‏‏.‏

وقد روى الترمذي حديثاً صحيحاً عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه علم رجلاً أن يدعو فيقول‏:‏ ‏"‏ اللهم إني أسألك وأتوسل إليك بنبيك نبي الرحمة يا محمد يا رسول الله إني أتوسل بك إلى ربي في حاجتي لتقضى لي اللهم فشفعه في ‏"‏‏.‏

روى النسائي نحو هذا الدعاء‏.‏

وفي الترمذي وابن ماجة عن عثمان بن حنيف رضي الله عنه أن رجلاً ضرير البصر أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ ادع الله أن يعافيني فقال‏:‏ ‏"‏ إن شئت دعوت وإن شئت صبرت فهو خير لك ‏"‏ قال‏:‏ فادعه فأمره أن يتوضأ فيحسن الوضوء ويدعو بهذا الدعاء‏:‏ ‏"‏ اللهم إني أسألك وأتوجه بنبيك نبي الرحمة يا رسول الله إني توجهت بك إلى ربي في حاجتي هذه لتقضى اللهم فشفعه في ‏"‏‏.‏

قال الترمذي حديث حسن صحيح ورواه النسائي عن عثمان بن حنيف أن أعمى قال‏:‏ يا رسول الله ادع الله لي أن يكشف لي عن بصري قال‏:‏ ‏"‏ فانطلق فتوضأ ثم صل ركعتين ثم قل اللهم إني أتوجه بك إلى ربي أن يكشف عن بصري اللهم فشفعه في ‏"‏ قال‏:‏ فدعا وقد كشف الله عن بصره‏.‏

فهذا الحديث فيه التوسل إلى الله به في الدعاء‏.‏

ومن الناس من يقول‏:‏ هذا يقتضي جواز التوسل بذاته مطلقاً حياً وميتاً ومنهم من يقول‏:‏ هذه قضية عين وليس فيها إلا التوسل بدعائه وشفاعته لا التوسل بذاته كما ذكر عمر رضي الله عنه أنهم كانوا يتوسلون به إذا أجدبوا ثم إنهم بعد موته إنما توسلوا بغيره من الأحياء بدلاً عنه فلو كان التوسل به حياً وميتاً مشروعاً لم يميلوا عنه وهو أفضل الخلق وأكرمهم على ربه إلى غيره ليس ممن مثله فعدولهم عن هذا إلى هذا مع أنهم السابقون الأولون وهم أعلم منا بالله ورسوله وبحقوق الله ورسوله وما يشرع من الدعاء وما ينفع وما لا يشرع ولا ينفع وما يكون أنفع من غيره وهم في وقت ضرورة ومخمصة يطلبون تفريج الكربات وتيسير العسير وإنزال الغيث بكل طريق دليل على أن المشروع ما سلكوه دون ما تركوه ولهذا ذكر الفقهاء في كتبهم في الاستسقاء ما فعلوه دون ما تركوه‏.‏

وذلك أن التوسل به حياً هو الطلب لدعائه وشفاعته وهو من جنس مسألته أن يدعو فما زال المسلمون يسألونه أن يدعو لهم في حياته وأما بعد موته فلم يكن الصحابة يطلبون منه ذلك لا عند قبره ولا عند غيره كما يفعله كثير من الناس عند قبور الصالحين وإن كان قد روي في ذلك حكايات مكذوبة عن بعض المتأخرين بل طلب الدعاء مشروع لكل مؤمن من كل مؤمن فقد روي أنه صلى الله عليه وسلم قال لعمر بن الخطاب لما استأذنه في العمرة‏:‏ ‏"‏ لا تنسنا يا أخي من دعائك ‏"‏ حتى إنه أمر عمر أن يطلب من أويس القرني أن يستغفر له مع أن عمر رضي الله عنه أفضل من أويس بكثير وقد أمر أمته أن يسألوا الله له الوسيلة وأن يصلوا عليه‏.‏

وفي صحيح مسلم عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏"‏ ما من رجل يدعو لأخيه في ظهر الغيب بدعوة إلا وكل الله به ملكاً كلما دعا لأخيه بدعوة قال الموكل به‏:‏ آمين ولك مثل ذلك ‏"‏ فالطالب للدعاء من غيره نوعان‏:‏ أحدهما أن يكون سؤاله على وجه الحاجة إليه فهذا بمنزلة أن يسأل الناس قضاء حوائجه والثاني أنه يطلب منه الدعاء لينتفع الداعي بدعائه له وينتفع هو فينفع الله هذا وهذا بذلك الدعاء كمن يطلب من المخلوق ما يقدر المخلوق عليه والمخلوق قادر على دعاء الله ومسألته فطلب الدعاء جائز كمن يطلب منه الإعانة بما يقدر عليه فإما ما لا يقدر عليه إلا الله فلا يجوز أن يطلب إلا من الله لا من الملائكة ولا من الأنبياء ولا من غيرهم لا يجوز أن يقول لغير الله‏:‏ اغفر لي واسقنا الغيث ونحو ذلك‏.‏

ولهذا روى الطبراني في معجمه أنه كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم منافق يؤذي المؤمنين فقال الصديق رضي الله عنه‏:‏ قوموا بنا نستغيث برسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا المنافق فجاؤوا إليه فقال‏:‏ ‏"‏ إنه لا يستغاث بي إنما يستغاث بالله ‏"‏ وهذا في الاستعانة مثل ذلك‏.‏

فأما ما يقدر عليه البشر فليس من هذا الباب ولهذا قال تعالى‏:‏ ‏"‏ إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم ‏"‏‏.‏

وفي دعاء موسى عليه الصلاة والسلام‏:‏ وبك المستغاث‏.‏

وقال أبو يزيد البسطامي‏:‏ استغاثة المخلوق بالمخلوق كاستغاثة المسجون بالمسجون‏.‏

وقال تعالى‏:‏ ‏"‏ ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكمة والنبوة ‏"‏ الآية‏.‏

فبين أن من اتخذ النبيين أو الملائكة أو غيرهم أرباباً فهو كافر‏.‏

وقال تعالى‏:‏ ‏"‏ قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض - إلى قوله - ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له ‏"‏‏.‏

وقال تعالى‏:‏ ‏"‏ من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه ‏"‏‏.‏

وقال تعالى‏:‏ ‏"‏ ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع ‏"‏‏.‏

وقال تعالى‏:‏ ‏"‏ ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله ‏"‏ الآية‏.‏

وقال تعالى عن صاحب ياسين‏:‏ ‏"‏ وما لي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون أأتخذ من دونه آلهة أن يردن الرحمن بضر لا تغني عني شفاعتهم شيئاً ولا ينقذون ‏"‏ الآية‏.‏

وقال تعالى‏:‏ ‏"‏ ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له ‏"‏‏.‏

وقال تعالى‏:‏ ‏"‏ يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولاً ‏"‏‏.‏

وقال تعالى‏:‏ ‏"‏ ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون ‏"‏‏.‏

فالشفاعة نوعان‏:‏ أحدهما التي أثبتها المشركون ومن ضاهاهم من جهال هذه الأمة وضلالهم والثانية أن يشفع الشفيع بأن المشفع الله التي أثبتها الله لعباده الصالحين‏.‏

ولهذا كان سيد الشفعاء إذا طلب منه الخلق الشفاعة يوم القيامة يأتي ويسجد تحت العرش قال‏:‏ ‏"‏ فأحمد ربي بمحامد يفتحها علي لا أحسنها الآن فيقال‏:‏ أي محمد ارفع رأسك وقل يسمع وسل تعط واشفع تشفع ‏"‏‏.‏

فإذا أذن الله في الشفاعة شفع لمن أراد الله أن يشفع فيه‏.‏

قال أصحاب هذا القول‏:‏ فلا يجوز أن يشرع ذلك في مغيبه بعد موته وهو معنى الإقسام به على الله والسؤال بذاته فإن الصحابة رضي الله عنهم قد فرقوا بين الأمرين فإن في حياته صلى الله عليه وسلم ليس في ذلك محذور ولا مفسدة فإن أحداً من الأنبياء لم يعبد في حياته بحضوره فإنه ينهى أن يشرك به ولو كان شركاً أصغر كما أن من سجد له نهاه عن السجود له وكما قال‏:‏ ‏"‏ لا تقولوا ما شاء الله وشاء محمد ولكن قولوا ما شاء الله ثم شاء محمد ‏"‏ وأمثال ذلك‏.‏

وأما بعد موته فيخاف الفتنة والإشراك به كما أشرك بالمسيح والعزيز وغيرهما ولهذا كانت الصلاة في حياته مشروعة عند قبره منهياً عنها والصلاة خلفه في المسجد مشروعة إن لم يكن المصلي ملاقاته والصلاة إلى قبره منهياً عنها‏.‏

فمعنا أصلان عظيمان‏:‏ أحدهما أنه لا يعبد إلا الله والثاني أن لا يعبد إلا بما شرع لا بعبادة مبتدعة وقد كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول في دعائه‏:‏ اللهم اجعل عملي كله وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏ من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد ‏"‏ فلا ينبغي لأحد أن يخرج عما مضت به السنة وجاءت به الشريعة ودل عليه الكتاب والسنة وكان عليه سلف الأمة وما علمه قال به وما لم يعلمه أمسك عنه ‏"‏ ولا تقف ما ليس لك به علم ‏"‏ ولا تقل على الله ما لا تعلمه‏.‏

وقد اتفق العلماء على أنه لا ينعقد اليمين بغير الله ولو حلف بالكعبة أو الملائكة أو بالأنبياء عليه الصلاة والسلام لم تنعقد يمينه ولا يشرع له ذلك بل ينهى عنه إما نهي تحريم وإما نهي تنزيه فإن للعلماء في ذلك قولين والصحيح أنه نهي تحريم ففي الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏"‏ من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت ‏"‏‏.‏

وفي الترمذي عنه أنه قال‏:‏ ‏"‏ من حلف بغير الله فقد أشرك ‏"‏ ولم يقل أحد من العلماء أنه ينعقد اليمين بأحد من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فإن عن أحمد في انعقاد اليمين بالنبي صلى الله عليه وسلم روايتين لكن الذي عليه الجمهور كمالك والشافعي وأبي حنيفة أنه لا ينعقد اليمين به كإحدى الروايتين عن أحمد وهذا هو الصحيح ولا يستعاذ أيضاً بالمخلوقات بل إنما يستعاذ بالخالق تعالى وأسمائه وصفاته ولهذا احتج على أن كلام الله غير مخلوق بقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق ‏"‏ فقد استعاذ بها والمخلوق لا يستعاذ به‏.‏

وفي الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏"‏ لا بأس بالرقي ما لم يكن شركاً ‏"‏ كالتي فيها استعانة بالجن كما قال تعالى‏:‏ ‏"‏ وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقاً ‏"‏ وهذا مثل العزائم والأقسام التي يقسم بها على الجن وقد نهي عن كل قسم وعزيمة لا يعرف معناهما بحيث أن يكون فيهما ما لا يجوز فيهما ما لا يجوز من سؤال غيره‏.‏

فسائل الله بغير الله إما أن يكون مقسماً عليه وإما أن يكون طالباً بذلك السبب كما توسل الثلاثة في الغار بأعمالهم وكما يتوسل بدعاء الأنبياء والصالحين فإن كان إقساماً على الله بغيره فهذا لا يجوز وإن كان طالباً من الله بذلك السبب كالطلب منه بدعاء الصالحين والأعمال الصالحة فهذا يصح لأن دعاء الصالحين سبب لحصول مطلوبنا الذي دعوا به وكذلك الأعمال الصالحة سبب لثواب الله لنا فإذا توسلنا بذلك كنا متوسلين تبقى عنده وإما إذا لم نتوسل بدعائهم ولا بالأعمال الصالحة ولا ريب أن لهم عند الله من المنازل أمراً يعود نفعه عليهم ونحن ننتفع من ذلك بإتباعنا لهم ومحبتنا لهم وبدعائهم لنا فإذا توسلنا إلى الله بأيماننا بنبيه ومحبته وموالاته وإتباع سنته ونحو ذلك فهذا من أعظم الوسائل وأما نفس ذاته مع عدم الإيمان به وعدم طاعته وعدم دعائه لنا فلا يجوز فالمتوسل إذا لم يتوسل لا بما من المتوسل به ولا بما منه ولا بما من الله فبأي شيء يتوسل والإنسان إذا توسل إلى غيره بوسيلة فأما أن يطلب من الوسيلة الشفاعة له عند ذلك الغير مثل أن يقال لأبي الرجل أو صديقه أو من يكرم عليه‏:‏ اشفع لنا عند فلان وأما أن يسأل‏.‏

كما يقال بحياة ولدك فلان وبتربة أبيك فلان وبحرمة شيخك فلان ونحو ذلك وقد علم أن الإقسام على الله بغير الله لا يجوز أن يقسم بمخلوق على الله أصلاً‏.‏

وأما حديث الأعمى فإنه طلب من النبي أن يدعو له كما طلب الصحابة رضي الله عنهم الاستسقاء منه صلى الله عليه وسلم وقوله‏:‏ ‏"‏ أتوجه إليك بنبيك محمد ‏"‏ أي بدعائه وشفاعته لي‏.‏

ولهذا في تمام الحديث‏:‏ فشفعه في‏.‏

فالذي في الحديث متفق على جوازه وليس هو مما نحن فيه‏.‏

وقد قال تعالى‏:‏ ‏"‏ واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام ‏"‏ فعلى قراءة الجمهور إنما يتساءلون بالله وحده لا بالرحم وتساؤلهم بالله متضمن إقسام بعضهم على بعض بالله وتعاهدهم بالله‏.‏

وأما على قراءة الخفض فقد قالت طائفة من السلف‏:‏ هو قولك أسألك بالله وبالرحم‏.‏

فمعنى قولك أسألك بالرحم ليس إقساماً بالرحم فإن القسم بها لا يشرع لكن بسبب الرحم أي إن الرحم توجب لأصحابها بعضهم على بعض حقوقاً كسؤال ‏"‏ أصحاب الغار ‏"‏ الثلاثة لله عز وجل بأعمالهم الصالحة ومن هذا - الحديث الذي رواه ابن ماجة عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم في دعاء الخارج إلى الصلاة‏:‏ ‏"‏ اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك وبحق ممشاي هذا فإني لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا رياءاً ولا سمعةً ولكن خرجت اتقاء سخطك وابتغاء مرضاتك أن تنقذني من النار وأن تدخلني الجنة ‏"‏ فهذا الحديث عن عطية العوفي وفيه ضعف فإن كان هذا كلام النبي صلى الله عليه وسلم فهو من هذا الباب لوجهين أحدهما أن فيه السؤال لله بحق السائلين عليه وبحق الماشين في طاعته وحق السائلين أن يجيبهم وحق الماشين أن يثيبهم وهذا حق أحقه على نفسه سبحانه وتفضل به وليس للمخلوق أن يوجب على الخالق شيئاً‏.‏

ومنه قوله تعالى‏:‏ ‏"‏ كتب ربكم على نفسه الرحمة ‏"‏ ‏"‏ وكان حقاً علينا نصر المؤمنين ‏"‏ ‏"‏ وعداً عليه حقاً في التوراة والإنجيل والقرآن ‏"‏‏.‏

وفي الصحيح من حديث معاذ‏:‏ ‏"‏ حق الله على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً وحقهم عليه إن فعلوا ذلك أن لا يعذبهم ‏"‏ فحق السائلين والعابدين له هو الإثابة والإجابة فذلك سؤال له في أفعاله كالاستعاذة وقوله‏:‏ ‏"‏ أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك وبك منك ‏"‏ فالاستعاذة بالمعافاة التي هي فعله كالسؤال بإثباته التي هي فعله‏.‏

وروى الطبراني في كتاب الدعاء عن النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ إن الله يقول يا عبدي إنما هي أربع‏:‏ واحدة لي وواحدة لك وواحدة بيني وبينك وواحدة بينك وبين خلقي فالتي هي لي تعبدني ولا تشرك بي شيئاً والتي هي لك أجزيك به أحوج ما تكون إليه والتي بيني وبينك منك الدعاء وعلي الإجابة والتي بينك وبين خلقي فائت إلى الناس ما تحب أن يأتوه إليك ‏"‏ وتقسيمه في الحديث إلى قوله واحدة لي وواحدة لك هو مثل تقسيمه في حديث الفاتحة بحيث يقول الله تعالى‏:‏ ‏"‏ قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين نصفها لي ونصفها لعبدي ولعبدي ما سأل ‏"‏ والعبد يعود عليه نفع النصفين والله تعالى يحب النصفين لكن هو سبحانه يحب أن يعبد وما يعطيه العبد من الإعانة والهداية هو وسيلة إلى ذلك فإنما يحبه لكونه طريقاً إلى عبادته والعبد يطلب ما يحتاج إليه أولاً وهو محتاج إلى الإعانة على العبادة والهداية إلى الصراط المستقيم وبذلك يصل إلى العبادة إلى غير ذلك مما يطول الكلام فيما يتعلق بذلك وليس هذا موضعه وإن كنا خرجنا عن المراد‏.‏


تاب
عوناااااااا
ااااااااا
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://ehabmtwale.forumegypt.net
ايهاب متولى
مؤسس الموقع
مؤسس الموقع
avatar

عدد المساهمات : 1578
نقاط : 3229
تاريخ التسجيل : 10/01/2011
العمر : 39

مُساهمةموضوع: فصل في حال أهل الصفة هم وغيرهم من فقراء المسلمين   2011-08-04, 22:53

الجزء الأول

الهجر الجميل والصفح الجميل والصبر الجميل أقسام الناس في التقوى والصبر

بسم الله الرحمن الرحيم

سئل الشيخ الإمام العالم العامل الحبر الكامل شيخ الإسلام

ومفتي الأنام تقي الدين بن تيمية أيده الله وزاده من فضله العظيم عن الصبر الجميل والصفح الجميل والهجر الجميل وما أقسام التقوى والصبر الذي عليه الناس فأجاب رحمه الله‏:‏ الحمد لله أما بعد فإن الله أمر نبيه بالهجر الجميل والصفح الجميل والصبر الجميل فالهجر الجميل هجر بلا أذى والصفح الجميل صفح بلا عتاب والصبر الجميل صبر بلا شكوى قال يعقوب عليه الصلاة والسلام‏:‏ ‏"‏ إنما أشكو بثي وحزني إلى الله ‏"‏ مع قوله‏:‏ ‏"‏ فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون ‏"‏ فالشكوى إلى الله لا تنافي الصبر الجميل‏.‏

ويروى عن موسى عليه الصلاة والسلام أنه كان يقول‏:‏ اللهم لك الحمد وإليك المشتكى وأنت المستعان وبك المستغاث وعليك التكلان‏.‏

ومن دعاء النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس أنت رب المستضعفين وأنت ربي اللهم إلى من تكلني أإلى بعيد يتجهمني أم إلى عدو ملكته أمري إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي غير أن عافيتك هي أوسع لي أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت الظلمات له وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة أن ينزل بي سخطك أو يحل علي غضبك لك الغنى حتى ترضى ‏"‏‏.‏

وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقرأ في صلاة الفجر ‏"‏ إنما أشكو بثي وحزني إلى الله ‏"‏ ويبكي حتى يسمع نشيجه من آخر الصفوف‏.‏

بخلاف الشكوى إلى المخلوق‏.‏

قرئ على الإمام أحمد في مرض موته أن طليوساً كره أنين المرض وقال‏:‏ إنه شكوى‏.‏

فما أنّ حتى مات‏.‏

وذلك أن المشتكي طالب بلسان الحال إما إزالة ما يضره أو حصول ما ينفعه والعبد مأمور أن يسأل ربه دون خلقه كما قال تعالى‏:‏ ‏"‏ فإذا فرغت فانصب وإلى ربك فارغب ‏"‏‏.‏

وقال صلى الله عليه وسلم لابن عباس‏:‏ ‏"‏ إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله ‏"‏‏.‏

ولا بد للإنسان من شيئين‏:‏ طاعته بفعل المأمور وترك المحظور وصبره على ما يصيبه من القضاء المقدور فالأول هو التقوى والثاني هو الصبر قال تعالى‏:‏ ‏"‏ يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالاً ‏"‏ إلى قوله‏:‏ ‏"‏ وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئاً إن الله بما يعملون محيط ‏"‏ وقال تعالى‏:‏ ‏"‏ بلى إن تصبروا وتتقوا يأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين ‏"‏ وقال تعالى‏:‏ ‏"‏ لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيراً وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور ‏"‏‏.‏

وقد قال يوسف‏:‏ ‏"‏ أنا يوسف وهذا أخي قد من الله علينا إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين ‏"‏‏.‏

ولهذا كان الشيخ عبد القادر ونحوه من المشايخ المستقيمين يوصون في عامة كلامهم بهذين الأصلين - المسارعة إلى فعل المأمور والتقاعد عن فعل المحظور والصبر والرضا بالأمر المقدور وذلك أن هذا الموضع غلط فيه كثير من العامة بل ومن السالكين فمنهم من يشهد القدر فقط ويشهد الحقيقة الكونية دون الدينية فيرى أن الله خالق كل شيء وربه ولا يفرق بين ما يحبه الله ويرضاه وبين ما يسخطه ويبغضه وإن قدره وقضاه ولا يميز بين توحيد الإلوهية وبين توحيد الربوبية فيشهد الجمع الذي يشترك فيه جميع المخلوقات - سعيدها وشقيها - مشهد الجمع الذي يشترك فيه المؤمن والكافر والبر والفاجر والنبي الصادق والمتنبي الكاذب وأهل الجنة وأهل النار وأولياء الله وأعداؤه والملائكة المقربون والمردة الشياطين فإن هؤلاء كلهم يشتركون في هذا الجمع وهذه الحقيقة الكونية وهو إن الله ربهم وخالقهم ومليكهم لا رب لهم غيره ولا يشهد الفرق الذي فرق الله بين أوليائه وأعدائه وبين المؤمنين والكافرين والأبرار والفجار وأهل الجنة والنار وهو توحيد الألوهية وهو عبادته وحده لا شريك له وطاعته وطاعة رسوله وفعل ما يحبه ويرضاه وهو ما أمر الله به ورسوله أمر إيجاب أو أمر استحباب وترك ما نهى الله عنه ورسوله وهذه الأصناف مذكورة في القرآن وحكمهم باق إلى يوم القيامة في أشباههم ونظرائهم قال الله تعالى‏:‏ ‏"‏ إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا‏.‏

وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق والله بما تعملون بصير والذين كفروا بعضهم أولياء بعض إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك هم المؤمنون حقاً لهم مغفرة ورزق كريم ‏"‏ فهذا في السابقين‏.‏

ثم ذكر من اتبعهم إلى يوم القيامة فقال‏:‏ ‏"‏ والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله إن الله بكل شيء عليم ‏"‏ وقال تعالى‏:‏ ‏"‏ والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه ‏"‏ الآية‏.‏

وذكر في السورة الأعراب المؤمنين وذكر المنافقين من أهل المدينة وممن حولها‏.‏

وقال تعالى‏:‏ ‏"‏ الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيراً إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم وكان الله غفوراً رحيماً ‏"‏‏.‏

فلما كان المؤمنون يهاجرون إلى المدينة النبوية كان فيهم من ينزل على الأنصار بأهله أو بغير أهله لأن المبايعة كانت على أن يؤووهم ويواسوهم وكان في بعض الأوقات إذا قدم المهاجر اقترع الأنصار على من ينزل منهم وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد حالف بين المهاجرين والأنصار وآخى بينهم ثم صار المهاجرون يكثرون بعد ذلك شيئاً بعد شيء فإن الإسلام صار ينتشر والناس يدخلون فيه والنبي صلى الله عليه وسلم يغزو الكفار تارة بنفسه وتارة بسراياه فيسلم خلق تارة ظاهراً وباطناً وتارة ظاهراً فقط ويكثر المهاجرون إلى المدينة من الأغنياء والفقراء والآهلين والعزاب‏.‏

فكان من لم يتيسر له مكان يأوي إليه يأوي إلى تلك الصفة التي في المسجد ولم يكن جميع أهل الصفة يجتمعون في وقت واحد بل منهم من يتأهل أو ينتقل إلى مكان آخر يتيسر له ويجيء ناس بعد ناس وكانوا تارة يكثرون وتارة يقلون فتارة يكونون عشرة أو أقل وتارة يكونون عشرين وثلاثين وأكثر وتارة يكونون ستين وسبعين‏.‏

وأما جملة من آوى إلى الصفة مع تفرقهم فقد كانوا نحو أربعمائة من الصحابة وقد قيل كانوا أكثر من ذلك‏.‏

جمع أسماءهم الشيخ أبو عبد الرحمن السلمي ولم يعرف كل واحد منهم في كتاب تاريخ أهل الصفة وكان معتنياً بجمع أخبار النساك والصوفية والآثار التي يستندون إليها والكلمات المأثورة عنهم وجمع أخبار زهاد السلف وأخبار جميع من بلغه أنه كان من أهل الصفة وكم بلغوا‏.‏

والصوفية المستأخرون بعد القرون الثلاثة وجمع أيضاً في الأبواب مثل حقائق التفسير ومثل أبواب التصوف الجارية على أبواب الفقه ومثل كلامهم في التوحيد والمعرفة والمحبة ومسألة السماع وغير ذلك من الأحوال وغير ذلك من الأبواب‏.‏

وفيما جمعه فوائد كثيرة ومنافع جليلة وهو في نفسه رجل من أهل الخير والدين والصلاح والفضل وما يرويه من الآثار فيه من الصحيح شيء كثير ويروي أحياناً آثاراً ضعيفة بل موضوعة يعلم أنها كذب‏.‏

وقد تكلم بعض حفاظ الحديث في سماعه وكان البيهقي إذا روي عنه يقول‏:‏ حدثنا أبو عبد الرحمن من أصل سماعه وما يظن به وبأمثاله إن شاء الله تعالى تعمد الكذب لكن لعدم الحفظ والإتقان يدخل عليهم الخطأ في الرواية فإن النساك والعباد منهم من هو متقن في الحديث مثل ثابت البنان والفضيل بن عياض وأمثالهم ومنهم من قد يقع في بعض حديثه غلط وضعف مثل مالك بن دينار وفرقد السنجي ونحوهما‏.‏

وكذلك ما يؤثره أبو عبد الرحمن عن بعض المتكلمين في الطريق أو ينتصر له من الأقوال والأحوال فيه من الهدى والعلم شيء كثير‏.‏

وفيه أحياناً من الخطأ أشياء وبعض ذلك يكون عن اجتهاد سائغ وبعضه باطل قطعاً مصدره مثل ما ذكر في حقائق التفسير قطعة كبيرة عن جعفر الصادق وغيره من الآثار الموضوعة وذكر عن بعض طائفة أنواعاً من الإشارات التي بعضها أمثال حسنة واستدلالات مناسبة وبعضها من نوع الباطل واللغو والذي جمعه الشيخ أبو عبد الرحمن في تاريخ أهل الصفة وأخبار زهاد السلف وطبقات الصوفية يستفاد منه فوائد جليلة ويجتنب ما فيه من الروايات الباطلة ويتوقف فيما فيه من الروايات الضعيفة وهكذا كثير من أهل الروايات ومن أهل الآراء والأذواق من الفقهاء والزهاد والمتكلمة وغيرهم يؤخذ فيما يأثرونه عمن قبلهم وفيما يذكرونه معتقدين له شيء كثير وأمر عظيم من الهدى ودين الحق الذي بعث الله به رسوله ويوجد أحياناً عندهم من جنس الآراء والأذواق الفاسدة أو المحتملة شيء كثير ومن له من الأمة لسان صدق عام بحيث يثنى عليه ويحمد في جماهير أجناس الأمة فهؤلاء هم أئمة الهدى ومصابيح الدجى وغلطهم قليل بالنسبة إلى صوابهم وعامته من موارد الاجتهاد التي يعذرون بها وهم الذين يتبعون العلم والعدل فهم بعداء عن الجهل والظلم وعن إتباع الظن وما تهوى النفس‏.‏

فصل في حال أهل الصفة هم وغيرهم من فقراء المسلمين

وأما حال أهل الصفة هم وغيرهم من فقراء المسلمين الذين لم يكونوا في الصفة أو كانوا يكونون بها بعض الأوقات فكما وصفهم الله تعالى في كتابه حيث بين مستحقي الصدقة منهم ومستحقي الفيء فقال‏:‏ ‏"‏ إن تبدوا الصدقات فنعماً هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لك ويكفر عنكم من سيئاتكم والله بما تعملون خبير ‏"‏ إلى قوله‏:‏ ‏"‏ للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضرباً في الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافاً ‏"‏ وقال في أهل الفيء‏:‏ ‏"‏ للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلاً من الله ورضواناً وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون ‏"‏ وكان فقراء المسلمين من أهل الصفة وغيرهم يكتسبون عند إمكان الاكتساب الذي لا يصدهم عما هو أوجب أو أحب إلى الله من الكسب وأما إذا أحصروا في سبيل الله عن الكسب فكانوا يقدمون ما هو أقرب إلى الله ورسوله‏.‏

وكان أهل الصفة ضيف الإسلام يبعث إليهم النبي صلى الله عليه وسلم بما يكون عنده فإن الغالب كان عليهم الحاجة لا يقوم ما يقدرون عليه من الكسب بما يحتاجون إليه من الرزق‏.‏

وأما المسألة فكانوا فيها كما أدبهم النبي صلى الله عليه وسلم حرمها على المستغني عنها وأباح منها أن يسأل الرجل حقه مثل أن يسأل ذا السلطان أن يعطيه حقه من مال الله أو يسأل إذا كان لا بد سائلاً الصالحين الموسرين إذا احتاج إلى ذلك ونهى خواص أصحابه عن المسألة مطلقاً حتى كان السوط يسقط من يد أحدهم فلا يقول لأحد ناولني إياه وهذا الباب فيه أحاديث وتفصيل وكلام للعلماء لا يسعه هذا الكتاب مثل قوله صلى الله عليه وسلم لعمر بن الخطاب رضي الله عنه‏:‏ ‏"‏ ما أتاك من ه الإسلام أو ما يظهره منه بمنزلة ما معهم من الإسلام وما يظهرونه منه بل يوجد في غير التتار المقاتلين من المظهرين للإسلام من هو أعظم ردة وأولى بالأخلاق الجاهلية وأبعد عن الأخلاق الإسلامية من التتار‏.‏

وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول في خطبته‏:‏ ‏"‏ خير الكلام كلام الله وخير الهدي هدي محمد وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة ‏"‏ وإذا كان خير الكلام كلام الله وخير الهدي هدي محمد فكل من كان إلى ذلك أقرب وهو به أشبه كان إلى الكمال أقرب وهو به أحق ومن كان عن ذلك أبعد وشبهه به أضعف كان عن الكمال أبعد وبالباطل أحق والكامل هو من كان لله أطوع وعلى ما يصيبه أصبر فكلما كان أتبع لما يأمر الله به ورسوله وأعظم موافقة لله فيما يحبه ويرضاه وصبراً على ما قدره وقضاه كان أكمل وأفضل وكل من نقص عن هذين كان فيه من النقص بحسب ذلك‏.‏

وقد ذكر الله تعالى الصبر والتقوى جميعاً في غير موضع من كتابه وبين أنه ينتصر العبد على عدوه من الكفار المحاربين المعاهدين والمنافقين وعلى من ظلمه من المسلمين ولصاحبه تكون العاقبة لله تعالى‏:‏ ‏"‏ بلى إن تصبروا وتتقوا يأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين ‏"‏ وقال الله تعالى‏:‏ ‏"‏ لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيراً وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور ‏"‏ وقال تعالى‏:‏ ‏"‏ يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالاً ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون ها أنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم وتؤمنون بالكتاب كله‏.‏

وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ قل موتوا بغيظكم إن الله عليم بذات الصدور إن تمسسكم حسنة تسوؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئاً إن الله بما يعملون محيط ‏"‏‏.‏

وقال أخوة يوسف له‏:‏ ‏"‏ إنك لأنت يوسف قال أنا يوسف وهذا أخي قد من الله علينا إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين ‏"‏ وقد قرن الصبر بالأعمال الصالحة عموماً وخصوصاً فقال تعالى‏:‏ ‏"‏ واتبع ما يوحى إليك واصبر حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين ‏"‏ وفي إتباع ما أوحي إليه التقوى كلها تصديقاً لخير الله وطاعة لأمره وقال تعالى‏:‏ ‏"‏ وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفاً من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين واصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين ‏"‏‏.‏

وقال تعالى‏:‏ ‏"‏ فاصبر إن وعد الله حق واستغفر لذنبك وسبح بحمد ربك بالعشي والأبكار ‏"‏‏.‏

وقال تعالى‏:‏ ‏"‏ فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ومن آناء الليل ‏"‏‏.‏

وقال تعالى‏:‏ ‏"‏ واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين ‏"‏‏.‏

وقال تعالى‏:‏ ‏"‏ استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين ‏"‏ فهذه مواضع قرن فيها الصلاة والصبر وقرن بين الرحمة والصبر في مثل قوله تعالى‏:‏ ‏"‏ وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة ‏"‏‏.‏

وفي الرحمة الإحسان إلى الخلق بالزكاة وغيرها فإن القسمة أيضاً رباعية إذ من الناس من يصبر ولا يرحم كاهل القوة والقسوة ومنهم من يرحم ولا يصبر كاهل الضعف واللين مثل كثير من النساء ومن يشبههن ومنهم من لا يصبر ولا يرحم كاهل القسوة والهلع‏.‏

والمحمود هو الذي يصبر ويرحم كما قال الفقهاء في المتولي ينبغي أن يكون قوياً من غير عنف ليناً من غير ضعف فبصبره يقوى وبلينه يرحم وبالصبر ينصر العبد فإن النصر مع الصبر وبالرحمة يرحمه الله تعالى كما قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ إنما يرحم الله من عباده الرحماء ‏"‏ وقال‏:‏ ‏"‏ من لا يَرحم لا يُرحم ‏"‏ وقال‏:‏ ‏"‏ لا تنزع الرحمة إلا من شقي ‏"‏ ‏"‏ الراحمون يرحمهم الرحمن ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء ‏"‏ والله أعلم‏.‏

انتهى‏.‏

الشفاعة الشرعية والتوسل إلى الله بالأعمال وبالذوات والأشخاص

بسم الله الرحمن الرحيم

وسئل أيضاً رحمه الله تعالى هل يجوز للإنسان أن يتشفع بالنبي صلى الله عليه وسلم‏؟‏

هل يجوز للإنسان أن يتشفع بالنبي صلى الله عليه وسلم في طلب حاجة أم لا فأجاب‏:‏ الحمد لله - أجمع المسلمون على أن النبي صلى الله عليه وسلم يشفع للخلق يوم القيامة بعد أن يسأله الناس ذلك وبعد أن يأذن الله له في الشفاعة‏.‏

ثم أهل السنة والجماعة متفقون على ما اتفقت عليه الصحابة واستفاضت به السنن من أنه يشفع لأهل الكبائر من أمته ويشفع أيضاً لعموم الخلق‏.‏

وأما الوعيدية من الخوارج والمعتزلة فزعموا أن شفاعته إنما هي للمؤمنين خاصة في رفع وأجمع أهل العلم على أن الصحابة كانوا يستشفعون به في حياته ويتوسلون بحضرته كما ثبت في صحيح البخاري عن أنس أن عمر بن الخطاب كان إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب رضي الله عنه فقال‏:‏ اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا - فيسقون‏.‏

وفي البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما قال‏:‏ ربما ذكرت قول الشاعر وأنا أنظر إلى وجه النبي صلى الله عليه وسلم يستسقي فما ينزل حتى يجيش كل ميزاب‏:‏ وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ثمال اليتامى عصمة للأرامل فالإستسقاء هو من جنس الاستشفاع به وهو أن يطلب منه الدعاء والشفاعة ويطلب من الله أن يقبل دعاءه وشفاعته فينا‏.‏

وكذلك معاوية بن أبي سفيان لما أجدب الناس في الشام استسقى بيزيد بن الأسود الجرشي رضي الله تعالى عنه وقال‏:‏ اللهم إنا نستشفع ونتوسل إليك بخيارنا يا يزيد ارفع يديك فرفع يديه ودعا الناس حتى سقوا ولهذا قال العلماء‏:‏ يستحب أن يستسقى بأهل الدين والصلاح وإذا كانوا بهذه المثابة وهم من أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أحسن‏.‏

وفي سنن أبي داود وغيره أن رجلاً قال‏:‏ أنا أستشفع بك على الله ونستشفع بالله عليك فسبح رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى رؤي ذلك في وجوه أصحابه فقال‏:‏ ‏"‏ ويحك أتدري ما الله إن الله لا يستشفع به على أحد من خلقه شأن الله أعظم من ذلك ‏"‏ فأنكر عليه قوله‏:‏ إنا نستشفع بالله عليك ولم ينكر عليه قوله‏:‏ نستشفع بك على الله - لأن الشفيع يسأل المشفوع إليه أن يقضي حاجة الطالب والله تعالى لا يسأل أحداً من عباده أن يقضي حوائج خلقه وإن كان بعض الشعراء ذكر استشفاعه بالله في مثل قوله‏:‏ شفيعي إليك الله لا رب غيره وليس إلى رد الشفيع سبيل فهذا كلام منكر لم يتكلم به عالم وكذلك بعض الاتحادية ذكر أنه استشفع بالله ورسوله وكلاهما خطأ وضلال بل هو سبحانه المسؤول المدعو الذي ‏"‏ يسأله من في السموات والأرض ‏"‏ والرسول صلى الله عليه وسلم يستشفع به إلى الله أي يطلب منه أن يسأل ربه الشفاعة في الخلق أن يقضي الله بينهم وفي أن يدخلهم الجنة ويشفع في أهل الكبائر من أمته ويشفع في بعض من يستحق النار أن لا يدخلها ويشفع فيمن دخلها أن يخرج منها ولا نزاع بين جماهير الأمة أنه يجوز أن يشفع لأهل الطاعة المستحقين للثواب وعند الخوارج والمعتزلة أنه لا يشفع لأهل الكبائر لأن الكبائر عندهم لا تغفر ولا يخرجون من النار بعد أن يدخلوها لا بشفاعة ولا بغيرها‏.‏

ومذهب أهل السنة والجماعة أنه يشفع في أهل الكبائر ولا يخلد أحد في النار من أهل الإيمان بل يخرج من النار من في قلبه حبة من إيمان أو مثقال ذرة والاستشفاع به وبغيره هو طلب الدعاء منه وليس معناه الإقسام به على الله والسؤال بذاته بحضوره فأما في مغيبه أو بعد موته فالإقسام به على الله والسؤال بذاته لم ينقل عن أحد من الصحابة والتابعين بل عمر بن الخطاب ومعاوية ومن كان يحضرهما من الصحابة والتابعين لما أجدبوا استسقوا بمن كان حياً كالعباس وكيزيد بن الأسود رضي الله عنهما ولم ينقل عنهم أنهم في هذه الحالة استشفعوا بالنبي صلى الله عليه وسلم عند قبره ولا غيره فلم يقسموا بالمخلوق على الله عز وجل ولا سألوه بمخلوق نبي ولا غيره بل عدلوا إلى خيارهم كالعباس وكيزيد بن الأسود وكانوا يصلون عليه في دعائهم روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال‏:‏ إنا نتوسل إليك بعم نبينا فجعلوا هذا بدلاً عن ذاك لما تعذر عليهم أن يتوسلوا به على الوجه المشروع الذي كانوا يفعلونه‏.‏

وقد كان من الممكن أن يأتوا إلى قبره فيتوسلوا به ويقولوا في دعائهم في الصحراء‏:‏ نسألك ونقسم عليك بأنبيائك أو بنبيك أو بجاههم ونحو ذلك‏.‏

ولا نقل عنهم أنهم تشفعوا عند قبره ولا في دعائهم في الصحراء وقد قال صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ اللهم لا تجعل قبري وثناً واشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ‏"‏ رواه الإمام مالك في الموطأ وغيره‏.‏

وفي سنن أبي داود أنه قال‏:‏ ‏"‏ لا تتخذوا قبري عيداً ‏"‏ وقال‏:‏ ‏"‏ لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ‏"‏ قال ذلك في مرض موته يحذر ما فعلوا‏:‏ وقال‏:‏ ‏"‏ لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله ‏"‏‏.‏

وقد روى الترمذي حديثاً صحيحاً عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه علم رجلاً أن يدعو فيقول‏:‏ ‏"‏ اللهم إني أسألك وأتوسل إليك بنبيك نبي الرحمة يا محمد يا رسول الله إني أتوسل بك إلى ربي في حاجتي لتقضى لي اللهم فشفعه في ‏"‏‏.‏

روى النسائي نحو هذا الدعاء‏.‏

وفي الترمذي وابن ماجة عن عثمان بن حنيف رضي الله عنه أن رجلاً ضرير البصر أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ ادع الله أن يعافيني فقال‏:‏ ‏"‏ إن شئت دعوت وإن شئت صبرت فهو خير لك ‏"‏ قال‏:‏ فادعه فأمره أن يتوضأ فيحسن الوضوء ويدعو بهذا الدعاء‏:‏ ‏"‏ اللهم إني أسألك وأتوجه بنبيك نبي الرحمة يا رسول الله إني توجهت بك إلى ربي في حاجتي هذه لتقضى اللهم فشفعه في ‏"‏‏.‏

قال الترمذي حديث حسن صحيح ورواه النسائي عن عثمان بن حنيف أن أعمى قال‏:‏ يا رسول الله ادع الله لي أن يكشف لي عن بصري قال‏:‏ ‏"‏ فانطلق فتوضأ ثم صل ركعتين ثم قل اللهم إني أتوجه بك إلى ربي أن يكشف عن بصري اللهم فشفعه في ‏"‏ قال‏:‏ فدعا وقد كشف الله عن بصره‏.‏

فهذا الحديث فيه التوسل إلى الله به في الدعاء‏.‏

ومن الناس من يقول‏:‏ هذا يقتضي جواز التوسل بذاته مطلقاً حياً وميتاً ومنهم من يقول‏:‏ هذه قضية عين وليس فيها إلا التوسل بدعائه وشفاعته لا التوسل بذاته كما ذكر عمر رضي الله عنه أنهم كانوا يتوسلون به إذا أجدبوا ثم إنهم بعد موته إنما توسلوا بغيره من الأحياء بدلاً عنه فلو كان التوسل به حياً وميتاً مشروعاً لم يميلوا عنه وهو أفضل الخلق وأكرمهم على ربه إلى غيره ليس ممن مثله فعدولهم عن هذا إلى هذا مع أنهم السابقون الأولون وهم أعلم منا بالله ورسوله وبحقوق الله ورسوله وما يشرع من الدعاء وما ينفع وما لا يشرع ولا ينفع وما يكون أنفع من غيره وهم في وقت ضرورة ومخمصة يطلبون تفريج الكربات وتيسير العسير وإنزال الغيث بكل طريق دليل على أن المشروع ما سلكوه دون ما تركوه ولهذا ذكر الفقهاء في كتبهم في الاستسقاء ما فعلوه دون ما تركوه‏.‏

وذلك أن التوسل به حياً هو الطلب لدعائه وشفاعته وهو من جنس مسألته أن يدعو فما زال المسلمون يسألونه أن يدعو لهم في حياته وأما بعد موته فلم يكن الصحابة يطلبون منه ذلك لا عند قبره ولا عند غيره كما يفعله كثير من الناس عند قبور الصالحين وإن كان قد روي في ذلك حكايات مكذوبة عن بعض المتأخرين بل طلب الدعاء مشروع لكل مؤمن من كل مؤمن فقد روي أنه صلى الله عليه وسلم قال لعمر بن الخطاب لما استأذنه في العمرة‏:‏ ‏"‏ لا تنسنا يا أخي من دعائك ‏"‏ حتى إنه أمر عمر أن يطلب من أويس القرني أن يستغفر له مع أن عمر رضي الله عنه أفضل من أويس بكثير وقد أمر أمته أن يسألوا الله له الوسيلة وأن يصلوا عليه‏.‏

وفي صحيح مسلم عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏"‏ ما من رجل يدعو لأخيه في ظهر الغيب بدعوة إلا وكل الله به ملكاً كلما دعا لأخيه بدعوة قال الموكل به‏:‏ آمين ولك مثل ذلك ‏"‏ فالطالب للدعاء من غيره نوعان‏:‏ أحدهما أن يكون سؤاله على وجه الحاجة إليه فهذا بمنزلة أن يسأل الناس قضاء حوائجه والثاني أنه يطلب منه الدعاء لينتفع الداعي بدعائه له وينتفع هو فينفع الله هذا وهذا بذلك الدعاء كمن يطلب من المخلوق ما يقدر المخلوق عليه والمخلوق قادر على دعاء الله ومسألته فطلب الدعاء جائز كمن يطلب منه الإعانة بما يقدر عليه فإما ما لا يقدر عليه إلا الله فلا يجوز أن يطلب إلا من الله لا من الملائكة ولا من الأنبياء ولا من غيرهم لا يجوز أن يقول لغير الله‏:‏ اغفر لي واسقنا الغيث ونحو ذلك‏.‏

ولهذا روى الطبراني في معجمه أنه كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم منافق يؤذي المؤمنين فقال الصديق رضي الله عنه‏:‏ قوموا بنا نستغيث برسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا المنافق فجاؤوا إليه فقال‏:‏ ‏"‏ إنه لا يستغاث بي إنما يستغاث بالله ‏"‏ وهذا في الاستعانة مثل ذلك‏.‏

فأما ما يقدر عليه البشر فليس من هذا الباب ولهذا قال تعالى‏:‏ ‏"‏ إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم ‏"‏‏.‏

وفي دعاء موسى عليه الصلاة والسلام‏:‏ وبك المستغاث‏.‏

وقال أبو يزيد البسطامي‏:‏ استغاثة المخلوق بالمخلوق كاستغاثة المسجون بالمسجون‏.‏

وقال تعالى‏:‏ ‏"‏ ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكمة والنبوة ‏"‏ الآية‏.‏

فبين أن من اتخذ النبيين أو الملائكة أو غيرهم أرباباً فهو كافر‏.‏

وقال تعالى‏:‏ ‏"‏ قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض - إلى قوله - ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له ‏"‏‏.‏

وقال تعالى‏:‏ ‏"‏ من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه ‏"‏‏.‏

وقال تعالى‏:‏ ‏"‏ ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع ‏"‏‏.‏

وقال تعالى‏:‏ ‏"‏ ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله ‏"‏ الآية‏.‏

وقال تعالى عن صاحب ياسين‏:‏ ‏"‏ وما لي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون أأتخذ من دونه آلهة أن يردن الرحمن بضر لا تغني عني شفاعتهم شيئاً ولا ينقذون ‏"‏ الآية‏.‏

وقال تعالى‏:‏ ‏"‏ ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له ‏"‏‏.‏

وقال تعالى‏:‏ ‏"‏ يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولاً ‏"‏‏.‏

وقال تعالى‏:‏ ‏"‏ ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون ‏"‏‏.‏

فالشفاعة نوعان‏:‏ أحدهما التي أثبتها المشركون ومن ضاهاهم من جهال هذه الأمة وضلالهم والثانية أن يشفع الشفيع بأن المشفع الله التي أثبتها الله لعباده الصالحين‏.‏

ولهذا كان سيد الشفعاء إذا طلب منه الخلق الشفاعة يوم القيامة يأتي ويسجد تحت العرش قال‏:‏ ‏"‏ فأحمد ربي بمحامد يفتحها علي لا أحسنها الآن فيقال‏:‏ أي محمد ارفع رأسك وقل يسمع وسل تعط واشفع تشفع ‏"‏‏.‏

فإذا أذن الله في الشفاعة شفع لمن أراد الله أن يشفع فيه‏.‏

قال أصحاب هذا القول‏:‏ فلا يجوز أن يشرع ذلك في مغيبه بعد موته وهو معنى الإقسام به على الله والسؤال بذاته فإن الصحابة رضي الله عنهم قد فرقوا بين الأمرين فإن في حياته صلى الله عليه وسلم ليس في ذلك محذور ولا مفسدة فإن أحداً من الأنبياء لم يعبد في حياته بحضوره فإنه ينهى أن يشرك به ولو كان شركاً أصغر كما أن من سجد له نهاه عن السجود له وكما قال‏:‏ ‏"‏ لا تقولوا ما شاء الله وشاء محمد ولكن قولوا ما شاء الله ثم شاء محمد ‏"‏ وأمثال ذلك‏.‏

وأما بعد موته فيخاف الفتنة والإشراك به كما أشرك بالمسيح والعزيز وغيرهما ولهذا كانت الصلاة في حياته مشروعة عند قبره منهياً عنها والصلاة خلفه في المسجد مشروعة إن لم يكن المصلي ملاقاته والصلاة إلى قبره منهياً عنها‏.‏

فمعنا أصلان عظيمان‏:‏ أحدهما أنه لا يعبد إلا الله والثاني أن لا يعبد إلا بما شرع لا بعبادة مبتدعة وقد كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول في دعائه‏:‏ اللهم اجعل عملي كله وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏ من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد ‏"‏ فلا ينبغي لأحد أن يخرج عما مضت به السنة وجاءت به الشريعة ودل عليه الكتاب والسنة وكان عليه سلف الأمة وما علمه قال به وما لم يعلمه أمسك عنه ‏"‏ ولا تقف ما ليس لك به علم ‏"‏ ولا تقل على الله ما لا تعلمه‏.‏

وقد اتفق العلماء على أنه لا ينعقد اليمين بغير الله ولو حلف بالكعبة أو الملائكة أو بالأنبياء عليه الصلاة والسلام لم تنعقد يمينه ولا يشرع له ذلك بل ينهى عنه إما نهي تحريم وإما نهي تنزيه فإن للعلماء في ذلك قولين والصحيح أنه نهي تحريم ففي الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏"‏ من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت ‏"‏‏.‏

وفي الترمذي عنه أنه قال‏:‏ ‏"‏ من حلف بغير الله فقد أشرك ‏"‏ ولم يقل أحد من العلماء أنه ينعقد اليمين بأحد من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فإن عن أحمد في انعقاد اليمين بالنبي صلى الله عليه وسلم روايتين لكن الذي عليه الجمهور كمالك والشافعي وأبي حنيفة أنه لا ينعقد اليمين به كإحدى الروايتين عن أحمد وهذا هو الصحيح ولا يستعاذ أيضاً بالمخلوقات بل إنما يستعاذ بالخالق تعالى وأسمائه وصفاته ولهذا احتج على أن كلام الله غير مخلوق بقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق ‏"‏ فقد استعاذ بها والمخلوق لا يستعاذ به‏.‏

وفي الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏"‏ لا بأس بالرقي ما لم يكن شركاً ‏"‏ كالتي فيها استعانة بالجن كما قال تعالى‏:‏ ‏"‏ وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقاً ‏"‏ وهذا مثل العزائم والأقسام التي يقسم بها على الجن وقد نهي عن كل قسم وعزيمة لا يعرف معناهما بحيث أن يكون فيهما ما لا يجوز فيهما ما لا يجوز من سؤال غيره‏.‏

فسائل الله بغير الله إما أن يكون مقسماً عليه وإما أن يكون طالباً بذلك السبب كما توسل الثلاثة في الغار بأعمالهم وكما يتوسل بدعاء الأنبياء والصالحين فإن كان إقساماً على الله بغيره فهذا لا يجوز وإن كان طالباً من الله بذلك السبب كالطلب منه بدعاء الصالحين والأعمال الصالحة فهذا يصح لأن دعاء الصالحين سبب لحصول مطلوبنا الذي دعوا به وكذلك الأعمال الصالحة سبب لثواب الله لنا فإذا توسلنا بذلك كنا متوسلين تبقى عنده وإما إذا لم نتوسل بدعائهم ولا بالأعمال الصالحة ولا ريب أن لهم عند الله من المنازل أمراً يعود نفعه عليهم ونحن ننتفع من ذلك بإتباعنا لهم ومحبتنا لهم وبدعائهم لنا فإذا توسلنا إلى الله بأيماننا بنبيه ومحبته وموالاته وإتباع سنته ونحو ذلك فهذا من أعظم الوسائل وأما نفس ذاته مع عدم الإيمان به وعدم طاعته وعدم دعائه لنا فلا يجوز فالمتوسل إذا لم يتوسل لا بما من المتوسل به ولا بما منه ولا بما من الله فبأي شيء يتوسل والإنسان إذا توسل إلى غيره بوسيلة فأما أن يطلب من الوسيلة الشفاعة له عند ذلك الغير مثل أن يقال لأبي الرجل أو صديقه أو من يكرم عليه‏:‏ اشفع لنا عند فلان وأما أن يسأل‏.‏

كما يقال بحياة ولدك فلان وبتربة أبيك فلان وبحرمة شيخك فلان ونحو ذلك وقد علم أن الإقسام على الله بغير الله لا يجوز أن يقسم بمخلوق على الله أصلاً‏.‏

وأما حديث الأعمى فإنه طلب من النبي أن يدعو له كما طلب الصحابة رضي الله عنهم الاستسقاء منه صلى الله عليه وسلم وقوله‏:‏ ‏"‏ أتوجه إليك بنبيك محمد ‏"‏ أي بدعائه وشفاعته لي‏.‏

ولهذا في تمام الحديث‏:‏ فشفعه في‏.‏

فالذي في الحديث متفق على جوازه وليس هو مما نحن فيه‏.‏

وقد قال تعالى‏:‏ ‏"‏ واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام ‏"‏ فعلى قراءة الجمهور إنما يتساءلون بالله وحده لا بالرحم وتساؤلهم بالله متضمن إقسام بعضهم على بعض بالله وتعاهدهم بالله‏.‏

وأما على قراءة الخفض فقد قالت طائفة من السلف‏:‏ هو قولك أسألك بالله وبالرحم‏.‏

فمعنى قولك أسألك بالرحم ليس إقساماً بالرحم فإن القسم بها لا يشرع لكن بسبب الرحم أي إن الرحم توجب لأصحابها بعضهم على بعض حقوقاً كسؤال ‏"‏ أصحاب الغار ‏"‏ الثلاثة لله عز وجل بأعمالهم الصالحة ومن هذا - الحديث الذي رواه ابن ماجة عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم في دعاء الخارج إلى الصلاة‏:‏ ‏"‏ اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك وبحق ممشاي هذا فإني لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا رياءاً ولا سمعةً ولكن خرجت اتقاء سخطك وابتغاء مرضاتك أن تنقذني من النار وأن تدخلني الجنة ‏"‏ فهذا الحديث عن عطية العوفي وفيه ضعف فإن كان هذا كلام النبي صلى الله عليه وسلم فهو من هذا الباب لوجهين أحدهما أن فيه السؤال لله بحق السائلين عليه وبحق الماشين في طاعته وحق السائلين أن يجيبهم وحق الماشين أن يثيبهم وهذا حق أحقه على نفسه سبحانه وتفضل به وليس للمخلوق أن يوجب على الخالق شيئاً‏.‏

ومنه قوله تعالى‏:‏ ‏"‏ كتب ربكم على نفسه الرحمة ‏"‏ ‏"‏ وكان حقاً علينا نصر المؤمنين ‏"‏ ‏"‏ وعداً عليه حقاً في التوراة والإنجيل والقرآن ‏"‏‏.‏

وفي الصحيح من حديث معاذ‏:‏ ‏"‏ حق الله على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً وحقهم عليه إن فعلوا ذلك أن لا يعذبهم ‏"‏ فحق السائلين والعابدين له هو الإثابة والإجابة فذلك سؤال له في أفعاله كالاستعاذة وقوله‏:‏ ‏"‏ أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك وبك منك ‏"‏ فالاستعاذة بالمعافاة التي هي فعله كالسؤال بإثباته التي هي فعله‏.‏

وروى الطبراني في كتاب الدعاء عن النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ إن الله يقول يا عبدي إنما هي أربع‏:‏ واحدة لي وواحدة لك وواحدة بيني وبينك وواحدة بينك وبين خلقي فالتي هي لي تعبدني ولا تشرك بي شيئاً والتي هي لك أجزيك به أحوج ما تكون إليه والتي بيني وبينك منك الدعاء وعلي الإجابة والتي بينك وبين خلقي فائت إلى الناس ما تحب أن يأتوه إليك ‏"‏ وتقسيمه في الحديث إلى قوله واحدة لي وواحدة لك هو مثل تقسيمه في حديث الفاتحة بحيث يقول الله تعالى‏:‏ ‏"‏ قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين نصفها لي ونصفها لعبدي ولعبدي ما سأل ‏"‏ والعبد يعود عليه نفع النصفين والله تعالى يحب النصفين لكن هو سبحانه يحب أن يعبد وما يعطيه العبد من الإعانة والهداية هو وسيلة إلى ذلك فإنما يحبه لكونه طريقاً إلى عبادته والعبد يطلب ما يحتاج إليه أولاً وهو محتاج إلى الإعانة على العبادة والهداية إلى الصراط المستقيم وبذلك يصل إلى العبادة إلى غير ذلك مما يطول الكلام فيما يتعلق بذلك وليس هذا موضعه وإن كنا خرجنا عن المراد‏.‏

تا
بعونااااااا
ااااااااا
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://ehabmtwale.forumegypt.net
ايهاب متولى
مؤسس الموقع
مؤسس الموقع
avatar

عدد المساهمات : 1578
نقاط : 3229
تاريخ التسجيل : 10/01/2011
العمر : 39

مُساهمةموضوع: هل يجوز للإنسان أن يتشفع بالنبي صلى الله عليه وسلم‏؟‏   2011-08-04, 22:56



وسئل أيضاً رحمه الله تعالى هل يجوز للإنسان أن يتشفع بالنبي صلى الله عليه وسلم‏؟‏

هل يجوز للإنسان أن يتشفع بالنبي صلى الله عليه وسلم في طلب حاجة أم لا فأجاب‏:‏ الحمد لله - أجمع المسلمون على أن النبي صلى الله عليه وسلم يشفع للخلق يوم القيامة بعد أن يسأله الناس ذلك وبعد أن يأذن الله له في الشفاعة‏.‏

ثم أهل السنة والجماعة متفقون على ما اتفقت عليه الصحابة واستفاضت به السنن من أنه يشفع لأهل الكبائر من أمته ويشفع أيضاً لعموم الخلق‏.‏

وأما الوعيدية من الخوارج والمعتزلة فزعموا أن شفاعته إنما هي للمؤمنين خاصة في رفع وأجمع أهل العلم على أن الصحابة كانوا يستشفعون به في حياته ويتوسلون بحضرته كما ثبت في صحيح البخاري عن أنس أن عمر بن الخطاب كان إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب رضي الله عنه فقال‏:‏ اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا - فيسقون‏.‏

وفي البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما قال‏:‏ ربما ذكرت قول الشاعر وأنا أنظر إلى وجه النبي صلى الله عليه وسلم يستسقي فما ينزل حتى يجيش كل ميزاب‏:‏ وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ثمال اليتامى عصمة للأرامل فالإستسقاء هو من جنس الاستشفاع به وهو أن يطلب منه الدعاء والشفاعة ويطلب من الله أن يقبل دعاءه وشفاعته فينا‏.‏

وكذلك معاوية بن أبي سفيان لما أجدب الناس في الشام استسقى بيزيد بن الأسود الجرشي رضي الله تعالى عنه وقال‏:‏ اللهم إنا نستشفع ونتوسل إليك بخيارنا يا يزيد ارفع يديك فرفع يديه ودعا الناس حتى سقوا ولهذا قال العلماء‏:‏ يستحب أن يستسقى بأهل الدين والصلاح وإذا كانوا بهذه المثابة وهم من أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أحسن‏.‏

وفي سنن أبي داود وغيره أن رجلاً قال‏:‏ أنا أستشفع بك على الله ونستشفع بالله عليك فسبح رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى رؤي ذلك في وجوه أصحابه فقال‏:‏ ‏"‏ ويحك أتدري ما الله إن الله لا يستشفع به على أحد من خلقه شأن الله أعظم من ذلك ‏"‏ فأنكر عليه قوله‏:‏ إنا نستشفع بالله عليك ولم ينكر عليه قوله‏:‏ نستشفع بك على الله - لأن الشفيع يسأل المشفوع إليه أن يقضي حاجة الطالب والله تعالى لا يسأل أحداً من عباده أن يقضي حوائج خلقه وإن كان بعض الشعراء ذكر استشفاعه بالله في مثل قوله‏:‏ شفيعي إليك الله لا رب غيره وليس إلى رد الشفيع سبيل فهذا كلام منكر لم يتكلم به عالم وكذلك بعض الاتحادية ذكر أنه استشفع بالله ورسوله وكلاهما خطأ وضلال بل هو سبحانه المسؤول المدعو الذي ‏"‏ يسأله من في السموات والأرض ‏"‏ والرسول صلى الله عليه وسلم يستشفع به إلى الله أي يطلب منه أن يسأل ربه الشفاعة في الخلق أن يقضي الله بينهم وفي أن يدخلهم الجنة ويشفع في أهل الكبائر من أمته ويشفع في بعض من يستحق النار أن لا يدخلها ويشفع فيمن دخلها أن يخرج منها ولا نزاع بين جماهير الأمة أنه يجوز أن يشفع لأهل الطاعة المستحقين للثواب وعند الخوارج والمعتزلة أنه لا يشفع لأهل الكبائر لأن الكبائر عندهم لا تغفر ولا يخرجون من النار بعد أن يدخلوها لا بشفاعة ولا بغيرها‏.‏

ومذهب أهل السنة والجماعة أنه يشفع في أهل الكبائر ولا يخلد أحد في النار من أهل الإيمان بل يخرج من النار من في قلبه حبة من إيمان أو مثقال ذرة والاستشفاع به وبغيره هو طلب الدعاء منه وليس معناه الإقسام به على الله والسؤال بذاته بحضوره فأما في مغيبه أو بعد موته فالإقسام به على الله والسؤال بذاته لم ينقل عن أحد من الصحابة والتابعين بل عمر بن الخطاب ومعاوية ومن كان يحضرهما من الصحابة والتابعين لما أجدبوا استسقوا بمن كان حياً كالعباس وكيزيد بن الأسود رضي الله عنهما ولم ينقل عنهم أنهم في هذه الحالة استشفعوا بالنبي صلى الله عليه وسلم عند قبره ولا غيره فلم يقسموا بالمخلوق على الله عز وجل ولا سألوه بمخلوق نبي ولا غيره بل عدلوا إلى خيارهم كالعباس وكيزيد بن الأسود وكانوا يصلون عليه في دعائهم روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال‏:‏ إنا نتوسل إليك بعم نبينا فجعلوا هذا بدلاً عن ذاك لما تعذر عليهم أن يتوسلوا به على الوجه المشروع الذي كانوا يفعلونه‏.‏

وقد كان من الممكن أن يأتوا إلى قبره فيتوسلوا به ويقولوا في دعائهم في الصحراء‏:‏ نسألك ونقسم عليك بأنبيائك أو بنبيك أو بجاههم ونحو ذلك‏.‏

ولا نقل عنهم أنهم تشفعوا عند قبره ولا في دعائهم في الصحراء وقد قال صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ اللهم لا تجعل قبري وثناً واشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ‏"‏ رواه الإمام مالك في الموطأ وغيره‏.‏

وفي سنن أبي داود أنه قال‏:‏ ‏"‏ لا تتخذوا قبري عيداً ‏"‏ وقال‏:‏ ‏"‏ لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ‏"‏ قال ذلك في مرض موته يحذر ما فعلوا‏:‏ وقال‏:‏ ‏"‏ لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله ‏"‏‏.‏

وقد روى الترمذي حديثاً صحيحاً عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه علم رجلاً أن يدعو فيقول‏:‏ ‏"‏ اللهم إني أسألك وأتوسل إليك بنبيك نبي الرحمة يا محمد يا رسول الله إني أتوسل بك إلى ربي في حاجتي لتقضى لي اللهم فشفعه في ‏"‏‏.‏

روى النسائي نحو هذا الدعاء‏.‏

وفي الترمذي وابن ماجة عن عثمان بن حنيف رضي الله عنه أن رجلاً ضرير البصر أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ ادع الله أن يعافيني فقال‏:‏ ‏"‏ إن شئت دعوت وإن شئت صبرت فهو خير لك ‏"‏ قال‏:‏ فادعه فأمره أن يتوضأ فيحسن الوضوء ويدعو بهذا الدعاء‏:‏ ‏"‏ اللهم إني أسألك وأتوجه بنبيك نبي الرحمة يا رسول الله إني توجهت بك إلى ربي في حاجتي هذه لتقضى اللهم فشفعه في ‏"‏‏.‏

قال الترمذي حديث حسن صحيح ورواه النسائي عن عثمان بن حنيف أن أعمى قال‏:‏ يا رسول الله ادع الله لي أن يكشف لي عن بصري قال‏:‏ ‏"‏ فانطلق فتوضأ ثم صل ركعتين ثم قل اللهم إني أتوجه بك إلى ربي أن يكشف عن بصري اللهم فشفعه في ‏"‏ قال‏:‏ فدعا وقد كشف الله عن بصره‏.‏

فهذا الحديث فيه التوسل إلى الله به في الدعاء‏.‏

ومن الناس من يقول‏:‏ هذا يقتضي جواز التوسل بذاته مطلقاً حياً وميتاً ومنهم من يقول‏:‏ هذه قضية عين وليس فيها إلا التوسل بدعائه وشفاعته لا التوسل بذاته كما ذكر عمر رضي الله عنه أنهم كانوا يتوسلون به إذا أجدبوا ثم إنهم بعد موته إنما توسلوا بغيره من الأحياء بدلاً عنه فلو كان التوسل به حياً وميتاً مشروعاً لم يميلوا عنه وهو أفضل الخلق وأكرمهم على ربه إلى غيره ليس ممن مثله فعدولهم عن هذا إلى هذا مع أنهم السابقون الأولون وهم أعلم منا بالله ورسوله وبحقوق الله ورسوله وما يشرع من الدعاء وما ينفع وما لا يشرع ولا ينفع وما يكون أنفع من غيره وهم في وقت ضرورة ومخمصة يطلبون تفريج الكربات وتيسير العسير وإنزال الغيث بكل طريق دليل على أن المشروع ما سلكوه دون ما تركوه ولهذا ذكر الفقهاء في كتبهم في الاستسقاء ما فعلوه دون ما تركوه‏.‏

وذلك أن التوسل به حياً هو الطلب لدعائه وشفاعته وهو من جنس مسألته أن يدعو فما زال المسلمون يسألونه أن يدعو لهم في حياته وأما بعد موته فلم يكن الصحابة يطلبون منه ذلك لا عند قبره ولا عند غيره كما يفعله كثير من الناس عند قبور الصالحين وإن كان قد روي في ذلك حكايات مكذوبة عن بعض المتأخرين بل طلب الدعاء مشروع لكل مؤمن من كل مؤمن فقد روي أنه صلى الله عليه وسلم قال لعمر بن الخطاب لما استأذنه في العمرة‏:‏ ‏"‏ لا تنسنا يا أخي من دعائك ‏"‏ حتى إنه أمر عمر أن يطلب من أويس القرني أن يستغفر له مع أن عمر رضي الله عنه أفضل من أويس بكثير وقد أمر أمته أن يسألوا الله له الوسيلة وأن يصلوا عليه‏.‏

وفي صحيح مسلم عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏"‏ ما من رجل يدعو لأخيه في ظهر الغيب بدعوة إلا وكل الله به ملكاً كلما دعا لأخيه بدعوة قال الموكل به‏:‏ آمين ولك مثل ذلك ‏"‏ فالطالب للدعاء من غيره نوعان‏:‏ أحدهما أن يكون سؤاله على وجه الحاجة إليه فهذا بمنزلة أن يسأل الناس قضاء حوائجه والثاني أنه يطلب منه الدعاء لينتفع الداعي بدعائه له وينتفع هو فينفع الله هذا وهذا بذلك الدعاء كمن يطلب من المخلوق ما يقدر المخلوق عليه والمخلوق قادر على دعاء الله ومسألته فطلب الدعاء جائز كمن يطلب منه الإعانة بما يقدر عليه فإما ما لا يقدر عليه إلا الله فلا يجوز أن يطلب إلا من الله لا من الملائكة ولا من الأنبياء ولا من غيرهم لا يجوز أن يقول لغير الله‏:‏ اغفر لي واسقنا الغيث ونحو ذلك‏.‏

ولهذا روى الطبراني في معجمه أنه كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم منافق يؤذي المؤمنين فقال الصديق رضي الله عنه‏:‏ قوموا بنا نستغيث برسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا المنافق فجاؤوا إليه فقال‏:‏ ‏"‏ إنه لا يستغاث بي إنما يستغاث بالله ‏"‏ وهذا في الاستعانة مثل ذلك‏.‏

فأما ما يقدر عليه البشر فليس من هذا الباب ولهذا قال تعالى‏:‏ ‏"‏ إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم ‏"‏‏.‏

وفي دعاء موسى عليه الصلاة والسلام‏:‏ وبك المستغاث‏.‏

وقال أبو يزيد البسطامي‏:‏ استغاثة المخلوق بالمخلوق كاستغاثة المسجون بالمسجون‏.‏

وقال تعالى‏:‏ ‏"‏ ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكمة والنبوة ‏"‏ الآية‏.‏

فبين أن من اتخذ النبيين أو الملائكة أو غيرهم أرباباً فهو كافر‏.‏

وقال تعالى‏:‏ ‏"‏ قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض - إلى قوله - ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له ‏"‏‏.‏

وقال تعالى‏:‏ ‏"‏ من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه ‏"‏‏.‏

وقال تعالى‏:‏ ‏"‏ ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع ‏"‏‏.‏

وقال تعالى‏:‏ ‏"‏ ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله ‏"‏ الآية‏.‏

وقال تعالى عن صاحب ياسين‏:‏ ‏"‏ وما لي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون أأتخذ من دونه آلهة أن يردن الرحمن بضر لا تغني عني شفاعتهم شيئاً ولا ينقذون ‏"‏ الآية‏.‏

وقال تعالى‏:‏ ‏"‏ ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له ‏"‏‏.‏

وقال تعالى‏:‏ ‏"‏ يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولاً ‏"‏‏.‏

وقال تعالى‏:‏ ‏"‏ ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون ‏"‏‏.‏

فالشفاعة نوعان‏:‏ أحدهما التي أثبتها المشركون ومن ضاهاهم من جهال هذه الأمة وضلالهم والثانية أن يشفع الشفيع بأن المشفع الله التي أثبتها الله لعباده الصالحين‏.‏

ولهذا كان سيد الشفعاء إذا طلب منه الخلق الشفاعة يوم القيامة يأتي ويسجد تحت العرش قال‏:‏ ‏"‏ فأحمد ربي بمحامد يفتحها علي لا أحسنها الآن فيقال‏:‏ أي محمد ارفع رأسك وقل يسمع وسل تعط واشفع تشفع ‏"‏‏.‏

فإذا أذن الله في الشفاعة شفع لمن أراد الله أن يشفع فيه‏.‏

قال أصحاب هذا القول‏:‏ فلا يجوز أن يشرع ذلك في مغيبه بعد موته وهو معنى الإقسام به على الله والسؤال بذاته فإن الصحابة رضي الله عنهم قد فرقوا بين الأمرين فإن في حياته صلى الله عليه وسلم ليس في ذلك محذور ولا مفسدة فإن أحداً من الأنبياء لم يعبد في حياته بحضوره فإنه ينهى أن يشرك به ولو كان شركاً أصغر كما أن من سجد له نهاه عن السجود له وكما قال‏:‏ ‏"‏ لا تقولوا ما شاء الله وشاء محمد ولكن قولوا ما شاء الله ثم شاء محمد ‏"‏ وأمثال ذلك‏.‏

وأما بعد موته فيخاف الفتنة والإشراك به كما أشرك بالمسيح والعزيز وغيرهما ولهذا كانت الصلاة في حياته مشروعة عند قبره منهياً عنها والصلاة خلفه في المسجد مشروعة إن لم يكن المصلي ملاقاته والصلاة إلى قبره منهياً عنها‏.‏

فمعنا أصلان عظيمان‏:‏ أحدهما أنه لا يعبد إلا الله والثاني أن لا يعبد إلا بما شرع لا بعبادة مبتدعة وقد كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول في دعائه‏:‏ اللهم اجعل عملي كله وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏ من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد ‏"‏ فلا ينبغي لأحد أن يخرج عما مضت به السنة وجاءت به الشريعة ودل عليه الكتاب والسنة وكان عليه سلف الأمة وما علمه قال به وما لم يعلمه أمسك عنه ‏"‏ ولا تقف ما ليس لك به علم ‏"‏ ولا تقل على الله ما لا تعلمه‏.‏

وقد اتفق العلماء على أنه لا ينعقد اليمين بغير الله ولو حلف بالكعبة أو الملائكة أو بالأنبياء عليه الصلاة والسلام لم تنعقد يمينه ولا يشرع له ذلك بل ينهى عنه إما نهي تحريم وإما نهي تنزيه فإن للعلماء في ذلك قولين والصحيح أنه نهي تحريم ففي الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏"‏ من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت ‏"‏‏.‏

وفي الترمذي عنه أنه قال‏:‏ ‏"‏ من حلف بغير الله فقد أشرك ‏"‏ ولم يقل أحد من العلماء أنه ينعقد اليمين بأحد من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فإن عن أحمد في انعقاد اليمين بالنبي صلى الله عليه وسلم روايتين لكن الذي عليه الجمهور كمالك والشافعي وأبي حنيفة أنه لا ينعقد اليمين به كإحدى الروايتين عن أحمد وهذا هو الصحيح ولا يستعاذ أيضاً بالمخلوقات بل إنما يستعاذ بالخالق تعالى وأسمائه وصفاته ولهذا احتج على أن كلام الله غير مخلوق بقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق ‏"‏ فقد استعاذ بها والمخلوق لا يستعاذ به‏.‏

وفي الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏"‏ لا بأس بالرقي ما لم يكن شركاً ‏"‏ كالتي فيها استعانة بالجن كما قال تعالى‏:‏ ‏"‏ وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقاً ‏"‏ وهذا مثل العزائم والأقسام التي يقسم بها على الجن وقد نهي عن كل قسم وعزيمة لا يعرف معناهما بحيث أن يكون فيهما ما لا يجوز فيهما ما لا يجوز من سؤال غيره‏.‏

فسائل الله بغير الله إما أن يكون مقسماً عليه وإما أن يكون طالباً بذلك السبب كما توسل الثلاثة في الغار بأعمالهم وكما يتوسل بدعاء الأنبياء والصالحين فإن كان إقساماً على الله بغيره فهذا لا يجوز وإن كان طالباً من الله بذلك السبب كالطلب منه بدعاء الصالحين والأعمال الصالحة فهذا يصح لأن دعاء الصالحين سبب لحصول مطلوبنا الذي دعوا به وكذلك الأعمال الصالحة سبب لثواب الله لنا فإذا توسلنا بذلك كنا متوسلين تبقى عنده وإما إذا لم نتوسل بدعائهم ولا بالأعمال الصالحة ولا ريب أن لهم عند الله من المنازل أمراً يعود نفعه عليهم ونحن ننتفع من ذلك بإتباعنا لهم ومحبتنا لهم وبدعائهم لنا فإذا توسلنا إلى الله بأيماننا بنبيه ومحبته وموالاته وإتباع سنته ونحو ذلك فهذا من أعظم الوسائل وأما نفس ذاته مع عدم الإيمان به وعدم طاعته وعدم دعائه لنا فلا يجوز فالمتوسل إذا لم يتوسل لا بما من المتوسل به ولا بما منه ولا بما من الله فبأي شيء يتوسل والإنسان إذا توسل إلى غيره بوسيلة فأما أن يطلب من الوسيلة الشفاعة له عند ذلك الغير مثل أن يقال لأبي الرجل أو صديقه أو من يكرم عليه‏:‏ اشفع لنا عند فلان وأما أن يسأل‏.‏

كما يقال بحياة ولدك فلان وبتربة أبيك فلان وبحرمة شيخك فلان ونحو ذلك وقد علم أن الإقسام على الله بغير الله لا يجوز أن يقسم بمخلوق على الله أصلاً‏.‏

وأما حديث الأعمى فإنه طلب من النبي أن يدعو له كما طلب الصحابة رضي الله عنهم الاستسقاء منه صلى الله عليه وسلم وقوله‏:‏ ‏"‏ أتوجه إليك بنبيك محمد ‏"‏ أي بدعائه وشفاعته لي‏.‏

ولهذا في تمام الحديث‏:‏ فشفعه في‏.‏

فالذي في الحديث متفق على جوازه وليس هو مما نحن فيه‏.‏

وقد قال تعالى‏:‏ ‏"‏ واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام ‏"‏ فعلى قراءة الجمهور إنما يتساءلون بالله وحده لا بالرحم وتساؤلهم بالله متضمن إقسام بعضهم على بعض بالله وتعاهدهم بالله‏.‏

وأما على قراءة الخفض فقد قالت طائفة من السلف‏:‏ هو قولك أسألك بالله وبالرحم‏.‏

فمعنى قولك أسألك بالرحم ليس إقساماً بالرحم فإن القسم بها لا يشرع لكن بسبب الرحم أي إن الرحم توجب لأصحابها بعضهم على بعض حقوقاً كسؤال ‏"‏ أصحاب الغار ‏"‏ الثلاثة لله عز وجل بأعمالهم الصالحة ومن هذا - الحديث الذي رواه ابن ماجة عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم في دعاء الخارج إلى الصلاة‏:‏ ‏"‏ اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك وبحق ممشاي هذا فإني لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا رياءاً ولا سمعةً ولكن خرجت اتقاء سخطك وابتغاء مرضاتك أن تنقذني من النار وأن تدخلني الجنة ‏"‏ فهذا الحديث عن عطية العوفي وفيه ضعف فإن كان هذا كلام النبي صلى الله عليه وسلم فهو من هذا الباب لوجهين أحدهما أن فيه السؤال لله بحق السائلين عليه وبحق الماشين في طاعته وحق السائلين أن يجيبهم وحق الماشين أن يثيبهم وهذا حق أحقه على نفسه سبحانه وتفضل به وليس للمخلوق أن يوجب على الخالق شيئاً‏.‏

ومنه قوله تعالى‏:‏ ‏"‏ كتب ربكم على نفسه الرحمة ‏"‏ ‏"‏ وكان حقاً علينا نصر المؤمنين ‏"‏ ‏"‏ وعداً عليه حقاً في التوراة والإنجيل والقرآن ‏"‏‏.‏

وفي الصحيح من حديث معاذ‏:‏ ‏"‏ حق الله على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً وحقهم عليه إن فعلوا ذلك أن لا يعذبهم ‏"‏ فحق السائلين والعابدين له هو الإثابة والإجابة فذلك سؤال له في أفعاله كالاستعاذة وقوله‏:‏ ‏"‏ أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك وبك منك ‏"‏ فالاستعاذة بالمعافاة التي هي فعله كالسؤال بإثباته التي هي فعله‏.‏

وروى الطبراني في كتاب الدعاء عن النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ إن الله يقول يا عبدي إنما هي أربع‏:‏ واحدة لي وواحدة لك وواحدة بيني وبينك وواحدة بينك وبين خلقي فالتي هي لي تعبدني ولا تشرك بي شيئاً والتي هي لك أجزيك به أحوج ما تكون إليه والتي بيني وبينك منك الدعاء وعلي الإجابة والتي بينك وبين خلقي فائت إلى الناس ما تحب أن يأتوه إليك ‏"‏ وتقسيمه في الحديث إلى قوله واحدة لي وواحدة لك هو مثل تقسيمه في حديث الفاتحة بحيث يقول الله تعالى‏:‏ ‏"‏ قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين نصفها لي ونصفها لعبدي ولعبدي ما سأل ‏"‏ والعبد يعود عليه نفع النصفين والله تعالى يحب النصفين لكن هو سبحانه يحب أن يعبد وما يعطيه العبد من الإعانة والهداية هو وسيلة إلى ذلك فإنما يحبه لكونه طريقاً إلى عبادته والعبد يطلب ما يحتاج إليه أولاً وهو محتاج إلى الإعانة على العبادة والهداية إلى الصراط المستقيم وبذلك يصل إلى العبادة إلى غير ذلك مما يطول الكلام فيما يتعلق بذلك وليس هذا موضعه وإن كنا خرجنا عن المراد‏.‏

تابعوناااااا
ااااااااا
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://ehabmtwale.forumegypt.net
ايهاب متولى
مؤسس الموقع
مؤسس الموقع
avatar

عدد المساهمات : 1578
نقاط : 3229
تاريخ التسجيل : 10/01/2011
العمر : 39

مُساهمةموضوع: فصل: في حال أهل الصفة هم وغيرهم من فقراء المسلمين   2011-08-04, 22:58

الوجه الثاني الدعاء له والعمل له سبب لحصول مقصود العبد فهو كالتوسل بدعاء الرسول والصالحين من أمته وقد تقدم أن الدعاء إما أن يكون إقساماً به أو تسبباً به فإن قوله‏:‏ بحق الصالحين إن كان إقساماً عليه فلا يقسم على الله إلا بصفاته‏.‏

وإن كان تسبباً فهو تسبب لما جعله سبحانه سبباً وهو دعاؤه وعبادته فهذا كله يشبه بعضه بعضاً وليس في شيء من ذلك دعاء له بمخلوق ولا عمل صالح منا فإذا قال القائل أسألك بحق الأنبياء والملائكة والصالحين فإن كان يقسم بذلك فلا يجوز أن يقول وحق الملائكة وحق الأنبياء وحق الصالحين ولا يقول لغيره أقسمت عليك بحق هؤلاء فإذا لم يجز أن يحلف به ولا يقسم فكيف يقسم على الخالق به وإن كان لا يقسم به فليس في ذوات هؤلاء سبب يوجب حصول مقصوده لكن لا بد من سبب منه كالإيمان بالأنبياء والملائكة أو منهم كدعائهم لنا - لكن كثير من الناس تعودوا ذلك كما تعودوا الحلف بهم حتى يقول أحدهم‏:‏ وحقك على الله وحق هذه الشيبة على الله‏.‏

وفي الحلية لأبي نعيم أن داود عليه السلام قال‏:‏ يا رب بحق آبائي عليك يا إبراهيم وإسحاق ويعقوب فأوحى الله إليه‏:‏ ‏"‏ يا داود أي حق لآبائك علي ‏"‏ وهذا وإن لم يكن من الأدلة الشرعية فقد مضت السنة أن الحي يطلب منه الدعاء كما يطلب منه سائر ما يقدر عليه‏.‏

وأما الغائب والميت فلا يطلب منه شيء‏.‏

وتحقيق هذا الأمر أن التوسل به والتوجه إليه وبه لفظ فيه إجمال واشتراك بحسب الاصطلاح فمعناه في لغة الصحابة أن يطلب منه الدعاء والشفاعة فيكونون متوسلين ومتوجهين بدعائه وشفاعته ودعاؤه وشفاعته من أعظم الوسائل عند الله وأما لغة كثير من الناس أن يسأل بذلك ويقسم عليه بذلك والله تعالى لا يقسم عليه بشيء من المخلوقات بل لا يقسم بها بحال فلا يقال‏:‏ أقسمت عليك يا رب بملائكتك ونحو ذلك بل إنما يقسم بالله وأسمائه وصفاته‏.‏

فيقال‏:‏ ‏"‏ أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت يا الله المنان بديع السموات والأرض يا ذا الجلال والإكرام يا حي يا قيوم وأسألك بأنك أنت الله الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد وأسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك ‏"‏ الحديث كما جاءت به السنة وأما أن يسأل الله ويقسم عليه بمخلوقاته فهذا لا أصل له في دين الإسلام وقوله‏:‏ اللهم إني أسألك بمعاقد العز من عرشك ومنتهى الرحمة من كتابك وباسمك وحدك الأعلى وكلماتك التامة - مع أن في جواز الدعاء به قولين للعلماء فجوزه أبو يوسف ومنع منه أبو حنيفة وأمثال ذلك - فينبغي للخلق أن يدعوا بالأدعية المشروعة التي جاء بها الكتاب والسنة فإن ذلك لا ريب في فضله وحسنه فإنه الصراط المستقيم صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً وهو أجمع وأنفع وأسلم وأقرب إلى الإجابة‏.‏

وأما ما يذكره بعض العامة من قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ إذا كانت لكم إلى الله حاجة فاسألوا الله بجاهي فإن جاهي عند الله عظيم ‏"‏ فهذا الحديث لم يروه أحد من أهل العلم ولا هو في شيء من كتب الحديث والمشروع الصلاة عليه في كل دعاء‏.‏

ولهذا ذكر الدعاء في الاستسقاء‏.‏

وغيره ذكروا الأمر بالصلاة عليه ولم يذكروا فيما يشرع للمسلمين في هذا الحال التوسل به كما لم يذكر أحد من العلماء دعاء غير الله والاستغاثة به في حال من الأحوال وإن كان بينهما فرق فدعاء غير الله كفر بخلاف قول القائل إني أسألك بجاه فلان الصالح فإن هذا لم يبلغنا عن أحد من السلف أنه كان يدعو به‏.‏

ورأيت في فتاوى الفقيه الشيخ أبي محمد بن عبد السلام أنه لا يجوز ذلك في حق غير النبي صلى الله عليه وسلم ثم رأيت عن أبي حنيفة وأبي يوسف وغيرهما من العلماء أنهم قالوا‏:‏ لا يجوز الإقسام على الله بأحد من الأنبياء‏.‏

ورأيت في كلام الإمام أحمد أنه في النبي صلى الله عليه وسلم لكن هذا قد يخرج على إحدى الروايتين عنه في جواز الحلف به‏.‏

وأما الصلاة عليه فقد دل على ذلك الكتاب والسنة والإجماع قال الله تعالى‏:‏ ‏"‏ إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً ‏"‏ وفي الصحيح عنه أنه قال‏:‏ ‏"‏ من صلى علي مرة صلى الله عليه عشراً ‏"‏‏.‏

وفي المسند أن رجلاً قال‏:‏ يا رسول الله أجعل عليك ثلث صلواتي قال‏:‏ ‏"‏ يكفيك الله ثلث أمرك ‏"‏ فقال‏:‏ ‏"‏ أجعل عليك نصف صلاتي ‏"‏ قال‏:‏ ‏"‏ إذاً يكفيك الله ثلثي أمرك ‏"‏ فقال أجعل صلاتي كلها عليك فقال‏:‏ ‏"‏ إذا يكفيك الله ما أهمك من أمور دنياك وآخرتك ‏"‏‏.‏

وقد ذكر العلماء وأئمة الدين الأدعية المشروعة وأعرضوا عن الأدعية المبتدعة فينبغي إتباع ذلك‏.‏

والمراتب في هذا الباب ثلاثة‏:‏ أحدها‏:‏ أن الدعاء لغير الله سواء كان المدعو حياً أو ميتاً وسواء كان من الأنبياء عليهم السلام وغيرهم فيقال‏:‏ يا سيدي فلان أغثني‏!‏ وأنا مستجير بك ونحو ذلك فهذا هو الشرك بالله‏.‏

والمستغيث بالمخلوقات قد يقضي الشيطان حاجته أو بعضها وقد يتمثل له في صورة الذي استغاث به فيظن أن ذلك كرامة لمن استغاث به وإنما هو شيطان أضله وأغواه لما أشرك بالله كما يتكلم الشيطان في الأصنام وفي المصروع وغير ذلك ومثل هذا واقع كثيراً في زماننا وغيره وأعرف من ذلك ما يطول وصفه في قوم استغاثوا بي أو بغيري وذكروا أنه أتى شخص على صورتي أو صورة غيري وقضى حوائجهم فظنوا أن ذلك من بركة لاستغاثة بي أو بغيري وإنما هو شيطان أضلهم وأغواهم وهذا هو أصل عبادة الأصنام واتخاذ الشركاء مع الله تعالى في الصدر الأول من القرون الماضية كما ثبت ذلك فهذا شرك بالله نعوذ بالله من ذلك‏.‏

الثاني‏:‏ أن يقال للميت أو الغائب من الأنبياء والصالحين‏:‏ ادع الله لي وادع لنا ربك ونحو ذلك فهذا مما لا يستريب عالم أنه غير جائز وأنه من البدع التي لم يفعلها أحد من سلف الأمة وأئمتها وإن كان السلام على أهل القبور جائزاً ومخاطبتهم جائزة كما كان صلى الله عليه وسلم يعلم أصحابه إذا زاروا القبور وأن يقول قائلهم‏:‏ ‏"‏ السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون ‏"‏‏.‏

وقال ابن عبد البر‏:‏ ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏"‏ ما من رجل يمر بقبر رجل وفي سنن أبي داود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏"‏ ما من رجل مسلم سلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد عليه السلام ‏"‏‏.‏

لكن ليس من المشروع أن يطلب من الأموات شيئاً‏.‏

وفي الإمام مالك‏:‏ أن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما كان يقول‏:‏ السلام عليك يا رسول الله السلام عليك يا أبا بكر السلام عليك يا أبي ‏"‏ ثم ينصرف‏.‏

وكذلك أنس بن مالك وغيره من الصحابة رضي الله عنهم نقل عنهم السلام على النبي صلى الله عليه وسلم فإذا أرادوا الدعاء استقبلوا القبلة يدعون الله تعالى لا يدعون وهم مستقبلوا القبر الشريف‏.‏

وإن كان قد وقع في ذلك بعض الطوائف من الفقهاء والمتصوفة ومن العامة من لا اعتبار بهم فإنه لم يذهب إلى ذلك إمام متبع في قوله ولا من له في الأمة لسان صدق‏.‏

بل قد تنازع العلماء في السلام على النبي صلى الله عليه وسلم فقال أبو حنيفة‏:‏ يستقبل القبلة ويستدبر القبر وقال مالك والشافعي بل يستقبل القبر وعند الدعاء يستقبل القبلة ويستدبر القبر ويجعل القبر عن يساره أو يمينه وهو الصحيح إذ لا محذور في ذلك‏.‏

الثالث‏:‏ أن يقول‏:‏ أسألك بجاه فلان عندك أو بحرمته ونحو ذلك فهو الذي تقدم عن أبي محمد أنه أفتى بأنه لا يجوز في غير النبي صلى الله عليه وسلم وأفتى أبو حنيفة وأبو يوسف وغيرهما أنه لا يجوز في حق أحد من الأنبياء فكيف بغيرهم وإن كان بعض المشايخ المبتدعين يحتج بما يرويه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏"‏ إذا أعيتكم الأمور فعليكم بأهل القبور ‏"‏ أو قال‏:‏ ‏"‏ فاستغيثوا بأهل القبور ‏"‏ فهذا الحديث كذب مفترى على رسول الله صلى الله عليه وسلم بإجماع العارفين بحديثه لم يروه أحد من العلماء ولا يوجد في شيء من كتب الحديث المعتمدة‏.‏

وقد قال تعالى‏:‏ ‏"‏ وتوكل على الحي الذي لا يموت وسبح بحمده ‏"‏ الآية‏.‏

وهذا مما يعلم بالاضطرار في دين الإسلام أنه غير مشروع وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عما هو أقرب من ذلك من اتخاذ القبور مساجد ونحو ذلك ولعن على ذلك من فعله تحذيراً من الفتنة باليهود فإن ذلك هو أصل عبادة الأصنام أيضاً فإن وداً وسواعاً ويغوث ويعوق ونسراً كانوا قوماً صالحين في قوم نوح عليه الصلاة والسلام فلما ماتوا عكفوا على قبورهم ثم اتخذوا الأصنام على صورهم كما ذكر ذلك ابن عباس وغيره من العلماء فمن فهم معنى قوله‏:‏ ‏"‏ إياك نعبد وإياك نستعين ‏"‏ عرف أنه لا يعين على العبادة الإعانة المطلقة إلا الله وحده‏.‏

وقد يستغاث بالمخلوق فيما يقدر عليه وكذلك الاستعانة لا تكون إلا بالله والتوكل لا يكون إلا على الله وما النصر إلا من عند الله‏.‏

فالنصر المطلق وهو خلق ما يغلب به العدو فلا يقدر عليه إلا سبحانه وفي هذا القدر كفاية لمن هداه الله تعالى والله تعالى أعلم وصلى الله على أهل الصفة وأباطيل بعض الصوفية المتصوفة فيهم وفي الأولياء وأصنافهم والدعاوى فيهم لشيخ الإسلام أحمد تقي الدين بن تيمية قدس سره‏:‏ بسم الله الرحمن الرحيم‏:‏ مسألة‏:‏ ما تقول السادة العلماء أئمة الدين رضي الله عنهم في أهل الصفة كم كانوا وهل كانوا بمكة أو بالمدينة وأين موضعهم الذي كانوا يقيمون به وهل كانوا مقيمين بأجمعهم لا يخرجون إلا خروج حاجة أو كان منهم من يقعد بالصفة ومنهم من يتسبب في القوت وما كان تسببهم هل يعملون بأبدانهم أم يشحذون بالزنبيل وما قول العلماء وفُّقهم الله تعالى فيمن يعتقد أن أهل الصفة قاتلوا المؤمنين مع المشركين وفيمن يعتقد أن أهل الصفة أفضل من أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم ومن الستة الباقين من العشرة وأفضل من جميع الصحابة وهل كان فيهم أحد من العشرة وهل كان أحد في ذلك العصر ينذر لأهل الصفة وهل تواجدوا على دف أو شبابة أو كان لهم حاد ينشد لهم أشعاراً ويتحركون عليها بالتصدية ويتواجدون وما قول العلماء في قوله تعالى‏:‏ ‏"‏ واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ‏"‏ هل هي عامة أم مخصوصة بأهل الصفة رضي الله عنهم وهل هذا الحديث الذي يرويه كثير من العوام ويقولون إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏ ما من جماعة يجتمعون إلا وفيهم ولي لله لا الناس تعرفه ولا الولي يعرف أنه ولي ‏"‏ وهل تخفى حالة الأولياء أو طرقهم على أهل العلم أو غيرهم ولماذا سمي الولي ولياً وما الفقراء الذين يسبقون الأغنياء إلى الجنة والفقراء الذين أوصى الله عليهم في كلامه وذكرهم خاتم أنبيائه ورسله وسيد خلقه محمد صلى الله عليه وسلم في سنته هل هم الذين لا يملكون كفايتهم أهل الفاقة والحاجة أم لا والحديث المروي في الأبدال هل هو صحيح أم مقطوع وهل الأبدال مخصوص بالشام أم حيث تكون شعائر الإسلام قائمة بالكتاب والسنة يكون بها الأبدال بالشام وغيره من الأقاليم وهل صحيح أن الولي يكون قاعداً في جماعة ويغيب جسده‏.‏

وما قول السادة العلماء في هذه الأسماء التي تسمى بها أقوام من المنسوبين إلى الدين والفضيلة ويقولون هذا غوث الأغواث وهذا قطب الأقطاب وهذا قطب العالم وهذا القطب الكبير وهذا خاتم الأولياء‏.‏

وأيضاً فما قول العلماء في هؤلاء القلندرية الذين يحلقون ذقونهم ما هم ومن أي الطوائف يحسبون وما قولكم في اعتقادهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أطعم شيخهم قلندر عنباً وكلمه بلسان العجم وهل يحل لمسلم يؤمن بالله تعالى أن يدور في الأسواق والقرى ويقول من عنده نذر للشيخ فلان أو لقبره وهل يأثم من يساعده أم لا وما تقولون فيمن يقول أن الست نفيسة هي باب الحوائج إلى الله تعالى وأنها خفيرة مصر وما تقولون فيمن يقول أن بعض المشايخ إذا قام لسماع المكاء والتصدية يحضره رجال الغيب وينشق السقف والحيطان وتنزل الملائكة ترقص معهم أو عليهم وفيهم من يعتقد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يحضر معهم وماذا يجب على من يعتقد هذا الاعتقاد وما صفة رجال الغيب وما قول من يقول أنه من خفراء التتار وهل يكون للتتار خفراء أم لا وإذا كانوا فهل يغلب حال هؤلاء خفراء الكفار كحال خفراء أمة النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏

وهل هذه المشاهد المسماة باسم أمير المؤمنين علي وولده الحسين رضي الله عنهما صحيحة أم مكذوبة وأين ثبت قبر علي ابن عم رسول الله والمسؤول من إحسان علماء الأصول كشف هذه الاعتقادات والدعاوي والأحوال كشفاً شافياً بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم‏.‏

والحالة هذه أفتونا مأجورين أثابكم الله‏.‏

الحمد لله رب العالمين‏:‏ أما الصفة التي ينسب إليها أهل الصفة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فكانت في مؤخر مسجد النبي صلى الله عليه وسلم في شمال المسجد بالمدينة النبوية كان يأوي إليها من فقراء المسلمين من ليس له أهل ولا مكان يأوي إليه وذلك أن الله سبحانه وتعالى لما أمر نبيه والمؤمنين أن يهاجروا إلى المدينة النبوية حين آمن به من آمن من أكابر أهل المدينة من الأوس والخزرج وبايعهم بيعة العقبة عند منى وصار للمؤمنين دار عز ومنعة جعل المؤمنون من أهل مكة وغيرهم يهاجرون إلى المدينة وكان المؤمنون السابقون بها صنفين المهاجرين الذين هاجروا إليها من بلادهم والأنصار الذين هم أهل المدينة وكان من لم يهاجر من الأعراب وغيرهم من المسلمين لهم حكم آخر وآخرون كانوا ممنوعين من الهجرة لمنع أكابرهم لهم بالقيد والحبس وآخرون كانوا مقيمين بين ظهراني الكفار المستظهرين عليهم وكل هذه الأصناف مذكورة في القرآن وحكمهم باق إلى يوم القيامة في أشباههم ونظرائهم قال الله تعالى‏:‏ ‏"‏ إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا‏.‏

وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق والله بما تعملون بصير والذين كفروا بعضهم أولياء بعض إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك هم المؤمنون حقاً لهم مغفرة ورزق كريم ‏"‏ فهذا في السابقين‏.‏

ثم ذكر من اتبعهم إلى يوم القيامة فقال‏:‏ ‏"‏ والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله إن الله بكل شيء عليم ‏"‏ وقال تعالى‏:‏ ‏"‏ والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه ‏"‏ الآية‏.‏

وذكر في السورة الأعراب المؤمنين وذكر المنافقين من أهل المدينة وممن حولها‏.‏

وقال تعالى‏:‏ ‏"‏ الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيراً إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم وكان الله غفوراً رحيماً ‏"‏‏.‏

فلما كان المؤمنون يهاجرون إلى المدينة النبوية كان فيهم من ينزل على الأنصار بأهله أو بغير أهله لأن المبايعة كانت على أن يؤووهم ويواسوهم وكان في بعض الأوقات إذا قدم المهاجر اقترع الأنصار على من ينزل منهم وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد حالف بين المهاجرين والأنصار وآخى بينهم ثم صار المهاجرون يكثرون بعد ذلك شيئاً بعد شيء فإن الإسلام صار ينتشر والناس يدخلون فيه والنبي صلى الله عليه وسلم يغزو الكفار تارة بنفسه وتارة بسراياه فيسلم خلق تارة ظاهراً وباطناً وتارة ظاهراً فقط ويكثر المهاجرون إلى المدينة من الأغنياء والفقراء والآهلين والعزاب‏.‏

فكان من لم يتيسر له مكان يأوي إليه يأوي إلى تلك الصفة التي في المسجد ولم يكن جميع أهل الصفة يجتمعون في وقت واحد بل منهم من يتأهل أو ينتقل إلى مكان آخر يتيسر له ويجيء ناس بعد ناس وكانوا تارة يكثرون وتارة يقلون فتارة يكونون عشرة أو أقل وتارة يكونون عشرين وثلاثين وأكثر وتارة يكونون ستين وسبعين‏.‏

وأما جملة من آوى إلى الصفة مع تفرقهم فقد كانوا نحو أربعمائة من الصحابة وقد قيل كانوا أكثر من ذلك‏.‏

جمع أسماءهم الشيخ أبو عبد الرحمن السلمي ولم يعرف كل واحد منهم في كتاب تاريخ أهل الصفة وكان معتنياً بجمع أخبار النساك والصوفية والآثار التي يستندون إليها والكلمات المأثورة عنهم وجمع أخبار زهاد السلف وأخبار جميع من بلغه أنه كان من أهل الصفة وكم بلغوا‏.‏

والصوفية المستأخرون بعد القرون الثلاثة وجمع أيضاً في الأبواب مثل حقائق التفسير ومثل أبواب التصوف الجارية على أبواب الفقه ومثل كلامهم في التوحيد والمعرفة والمحبة ومسألة السماع وغير ذلك من الأحوال وغير ذلك من الأبواب‏.‏

وفيما جمعه فوائد كثيرة ومنافع جليلة وهو في نفسه رجل من أهل الخير والدين والصلاح والفضل وما يرويه من الآثار فيه من وقد تكلم بعض حفاظ الحديث في سماعه وكان البيهقي إذا روي عنه يقول‏:‏ حدثنا أبو عبد الرحمن من أصل سماعه وما يظن به وبأمثاله إن شاء الله تعالى تعمد الكذب لكن لعدم الحفظ والإتقان يدخل عليهم الخطأ في الرواية فإن النساك والعباد منهم من هو متقن في الحديث مثل ثابت البنان والفضيل بن عياض وأمثالهم ومنهم من قد يقع في بعض حديثه غلط وضعف مثل مالك بن دينار وفرقد السنجي ونحوهما‏.‏

وكذلك ما يؤثره أبو عبد الرحمن عن بعض المتكلمين في الطريق أو ينتصر له من الأقوال والأحوال فيه من الهدى والعلم شيء كثير‏.‏

وفيه أحياناً من الخطأ أشياء وبعض ذلك يكون عن اجتهاد سائغ وبعضه باطل قطعاً مصدره مثل ما ذكر في حقائق التفسير قطعة كبيرة عن جعفر الصادق وغيره من الآثار الموضوعة وذكر عن بعض طائفة أنواعاً من الإشارات التي بعضها أمثال حسنة واستدلالات مناسبة وبعضها من نوع الباطل واللغو والذي جمعه الشيخ أبو عبد الرحمن في تاريخ أهل الصفة وأخبار زهاد السلف وطبقات الصوفية يستفاد منه فوائد جليلة ويجتنب ما فيه من الروايات الباطلة ويتوقف فيما فيه من الروايات الضعيفة وهكذا كثير من أهل الروايات ومن أهل الآراء والأذواق من الفقهاء والزهاد والمتكلمة وغيرهم يؤخذ فيما يأثرونه عمن قبلهم وفيما يذكرونه معتقدين له شيء كثير وأمر عظيم من الهدى ودين الحق الذي بعث الله به رسوله ويوجد أحياناً عندهم من جنس الآراء والأذواق الفاسدة أو المحتملة شيء كثير ومن له من الأمة لسان صدق عام بحيث يثنى عليه ويحمد في جماهير أجناس الأمة فهؤلاء هم أئمة الهدى ومصابيح الدجى وغلطهم قليل بالنسبة إلى صوابهم وعامته من موارد الاجتهاد التي يعذرون بها وهم الذين يتبعون العلم والعدل فهم بعداء عن الجهل والظلم وعن إتباع الظن وما تهوى النفس‏.‏

فصل‏:‏ في حال أهل الصفة هم وغيرهم من فقراء المسلمين

وأما حال أهل الصفة هم وغيرهم من فقراء المسلمين الذين لم يكونوا في الصفة أو كانوا يكونون بها بعض الأوقات فكما وصفهم الله تعالى في كتابه حيث بين مستحقي الصدقة منهم ومستحقي الفيء فقال‏:‏ ‏"‏ إن تبدوا الصدقات فنعماً هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لك ويكفر عنكم من سيئاتكم والله بما تعملون خبير ‏"‏ إلى قوله‏:‏ ‏"‏ للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضرباً في الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافاً ‏"‏ وقال في أهل الفيء‏:‏ ‏"‏ للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلاً من الله ورضواناً وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون ‏"‏ وكان فقراء المسلمين من أهل الصفة وغيرهم يكتسبون عند إمكان الاكتساب الذي لا يصدهم عما هو أوجب أو أحب إلى الله من الكسب وأما إذا أحصروا في سبيل الله عن الكسب فكانوا يقدمون ما هو أقرب إلى الله ورسوله‏.‏

وكان أهل الصفة ضيف الإسلام يبعث إليهم النبي صلى الله عليه وسلم بما يكون عنده فإن الغالب كان عليهم الحاجة لا يقوم ما يقدرون عليه من الكسب بما يحتاجون إليه من الرزق‏.‏

وأما المسألة فكانوا فيها كما أدبهم النبي صلى الله عليه وسلم حرمها على المستغني عنها وأباح منها أن يسأل الرجل حقه مثل أن يسأل ذا السلطان أن يعطيه حقه من مال الله أو يسأل إذا كان لا بد سائلاً الصالحين الموسرين إذا احتاج إلى ذلك ونهى خواص أصحابه عن المسألة مطلقاً حتى كان السوط يسقط من يد أحدهم فلا يقول لأحد ناولني إياه وهذا الباب فيه أحاديث وتفصيل وكلام للعلماء لا يسعه هذا الكتاب مثل قوله صلى الله عليه وسلم لعمر بن الخطاب رضي الله عنه‏:‏ ‏"‏ ما أتاك من هذا المال وأنت غير سائل له ولا مشرف فخذه ومالا فلا تتبع نفسك ‏"‏‏.‏

ومثل قوله‏:‏ ‏"‏ من يستغن يغنه الله ومن يستعفف يعفه الله ومن يتصبر يصبره الله ما أعطي أحد عطاء خيراً أوسع من الصبر ‏"‏‏.‏

ومثل قوله‏:‏ ‏"‏ من سأل الناس وله ما يغنيه جاءت مسألته خدوشاً أو خموشاً أو كدوشاً في وجهه ‏"‏‏.‏

وقوله‏:‏ ‏"‏ لأن يأخذ أحدكم حبله فيذهب فيحتطب خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه ‏"‏‏.‏

إلى غير ذلك من الأحاديث‏.‏

وأما الجائز منها فمثل ما أخبر الله عز وجل عن موسى والخضر أنهما أتيا أهل قرية استطعما أهلها ومثل قوله‏:‏ ‏"‏ لا تحل المسألة إلا لذي ألم موجع أو غرم مفظع أو فقر مدقع ‏"‏ ومثل قوله لقبيصة بن مخارق الهلالي‏:‏ ‏"‏ يا قبيصة لا تحل المسألة إلا لثلاثة رجل أصابته جائحة اجتاحت ماله فسأل حتى يجد سداداً من عيش وقواماً من عيش ثم يمسك ورجل يحمل حمالة فيسأل حتى يجد حمالته ثم يمسك وما سوى ذلك من المسألة فإنما هو سحت أكله صاحبه سحتاً ‏"‏‏.‏

ولم يكن في الصحابة لا أهل الصفة ولا غيرهم من يتخذ مسألة الناس والإلحاف بالمسألة بالكدية والمشاحذة - لا بالزنبيل ولا غيره - صناعة وحرفة بحيث لا يبتغي الرزق إلا بذلك كما لم يكن في الصحابة أيضاً أهل فضول من الأموال يزكون لا يؤدون الزكاة ولا ينفقون أموالهم في سبيل الله ولا يعطون في النوائب بل هذان الصنفان الظالمان المصران على الظلم الظاهر من مانعي الحقوق الواجبة والمعتدين حدود الله في أخذ أموال الناس كانا معدومين في الصحابة المثني عليهم‏.‏


تابعونااااا
ااااااااا
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://ehabmtwale.forumegypt.net
ايهاب متولى
مؤسس الموقع
مؤسس الموقع
avatar

عدد المساهمات : 1578
نقاط : 3229
تاريخ التسجيل : 10/01/2011
العمر : 39

مُساهمةموضوع: فيمن توهم أن أحداً من الصحابة أهل الصفة أو غيرهم قاتل مع الكفار   2011-08-04, 23:00

فصل‏:‏ فيمن توهم أن أحداً من الصحابة أهل الصفة أو غيرهم قاتل مع الكفار

من توهم أن أحداً من الصحابة أهل الصفة أو غيرهم أو التابعين أو تابع التابعين قاتل مع الكفار أو قاتلوا مع النبي صلى الله عليه وسلم أو أصحابه أو أنهم كانوا يستحلون ذلك أو أنه يجوز ذلك فهذا ضال غاو بل كافر يجب أن يستتاب من ذلك فإن تاب وإلا قتل ‏"‏ ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيراً ‏"‏‏.‏

بل كان أهل الصفة ونحوهم كالقراء الذين قنت النبي صلى الله عليه وسلم يدعو على قتلهم هم من أعظم الصحابة إيماناً وجهاداً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ونصراً لله ورسوله كما أخبر الله عنهم بقوله‏:‏ ‏"‏ للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلاً من الله ورضواناً وينصرون لله ورسوله أولئك الصادقون ‏"‏‏.‏

وقال‏:‏ ‏"‏ محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعاً سجداً يبتغون فضلاً من الله ورضواناً سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار ‏"‏ وقال‏:‏ ‏"‏ يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ‏"‏‏.‏

وقد غزا النبي صلى الله عليه وسلم غزوات متعددة وكان القتال منهم في تسع مغاز مثل بدر وأحد وخيبر وحنين وانكسر المسلمون يوم أحد وانهزموا ثم عادوا يوم حنين ونصرهم الله ببدر وهم أذلة وحصروا في الخندق حتى دفع الله عنهم أولئك الأعداء وفي جميع المواطن كان يكون المؤمنين من أهل الصفة وغيرهم مع النبي صلى الله عليه وسلم لم يقاتلوا مع الكفار قط‏.‏

وإنما يظن هذا ويقوله من الضلال والمنافقين قسمان‏:‏ قسم منافقون وإن أظهروا الإسلام وكان في بعضهم زهادة وعبادة يظنون أن إلى الله طريقاً غير الإيمان بالرسول ومتابعته وأن من أولياء الله من يستغني عن متابعة الرسول كاستغناء الخضر عن إتباع موسى وفي هؤلاء من يفضل شيخه أو عالمه أو ملكه على النبي صلى الله عليه وسلم إما تفضيلاً مطلقاً أو في بعض صفات الكمال وهؤلاء منافقون كفار يجب قتلهم بعد قيام الحجة عليهم فإن الله بعث محمداً صلى الله عليه وسلم إلى جميع النقلين إنسهم وجنهم زهادهم وملوكهم وموسى عليه السلام إنما بعث إلى قومه لم يكن مبعوثاً إلى الخضر ولا كان يجب على الخضر إتباعه بل قال له‏:‏ إني على علم من علم الله علمنيه الله لا تعلمه وأنت على علم من الله تعالى علمكه الله لا أعلمه‏.‏

وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة ‏"‏‏.‏

وقال الله تعالى‏:‏ ‏"‏ يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً الذي له ملك السموات والأرض ‏"‏ وقال تعالى‏:‏ ‏"‏ وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيراً ونذيراً ‏"‏‏.‏

والقسم الثاني‏:‏ من يشاهد ربوبية الله تعالى لعباده التي عمت جميع البرايا ويظن أن دين الله الموفقة للقدر سواء كان ذلك في عبادة الأوثان واتخاذ الشركاء والشفعاء من دونه وسواء كان فيه الإيمان بكتبه ورسله والإعراض عنهم والكفر بهم وهؤلاء يسوون بين الذين آمنوا وعملوا الصالحات وبين المفسدين في الأرض وبين المتقين والفجار ويجعلون المسلمين كالمجرمين ويجعلون الإيمان والتقوى والعمل الصالح بمنزلة الكفر والفسوق والعصيان وأهل الجنة كأهل النار وأولياء الله كأعداء الله وربما جعلوا هذا من باب الرضا بالقضاء وربما جعلوه التوحيد والحقيقة بنوا على أنه توحيد الربوبية الذي يقربه المشركون وأنه الحقيقة الكونية وهؤلاء يعبدون الله على حرف فإن أصابهم خير اطمأنوا به وإن أصابتهم فتنة انقلبوا على وجوههم خسروا الدنيا والآخرة وغايتهم يتوسعون في ذلك حتى يجعلوا قتال الكفار قتال الله وحتى يجعلوا أعيان الكفار والفجار والأوثان من نفس الله وذاته ويقولون ما في الوجود غيره ولا سواه بمعنى أن المخلوق هو الخالق والمصنوع هو الصانع وقد يقولون‏:‏ ‏"‏ لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء ‏"‏ ويقولون‏:‏ ‏"‏ أنطعم من لو يشاء الله أطعمه ‏"‏ إلى نحو ذلك من الأقوال والأفعال التي هي شر من مقالات اليهود والنصارى بل ومن مقالات المشركين والمجوس وسائر الكفار من جنس مقالة فرعون والدجال ونحوهما ممن ينكر الصانع الخالق البارئ رب العالمين أو يقولون إنه هو أو إنه حل فيه وهؤلاء كفار بأصل الإسلام وهو شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله فإن التوحيد الواجب أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئاً فلا نجعل له نداً في ألوهيته ولا شريكاً ولا شنيعاً فأما توحيد الربوبية وهو الإقرار بأنه خالق كل شيء فهذا قد قاله المشركون الذين قال الله فيهم ‏"‏ وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون ‏"‏ قال ابن عباس‏:‏ تسألهم من خلق السموات والأرض فيقولون الله وهم يعبدون غيره‏.‏

وقال تعالى‏:‏ ‏"‏ ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله ‏"‏ ‏"‏ قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون سيقولون لله قل أفلا تذكرون قل من رب السموات السبع ورب العرش العظيم سيقولون لله قل أفلا تتقون قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون سيقولون الله فأنى تسحرون ‏"‏ فالكفار المشركون مقرون بأن الله خالق السموات والأرض وليس في جميع الكفار من جعل لله شريكاً مساوياً له في ذاته وصفاته وأفعاله هذا لم يقله أحد قط لا من المجوس الثنوية ولا من أهل التثليث ولا من الصابئة المشركين الذين يعبدون الكواكب والملائكة ولا من عباد الأنبياء والصالحين ولا من عباد التماثيل والقبور وغيرهم فإن جميع هؤلاء وإن كانوا كفاراً مشركين متنوعين في الشرك فهم يقرون بالرب الحق الذي ليس له مثل في ذاته وصفاته وجميع أفعاله ولكنهم مع هذا مشركون به في ألوهيته بأن يعبدوا معه آلهة أخرى يتخذونها شركاء أو شفعاء - أو في ربوبيته بأن يجعلوا غيره رب الكائنات دونه مع اعترافهم بأنه رب ذلك الرب وخالق ذلك الخالق‏.‏

وقد أرسل الله جميع الرسل وأنزل جميع الكتب بالتوحيد الذي هو عبادة الله وحده لا شريك له كما قال تعالى‏:‏ ‏"‏ وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون ‏"‏‏.‏

وقال تعالى‏:‏ ‏"‏ واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون ‏"‏‏.‏

وقال تعالى‏:‏ ‏"‏ ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة ‏"‏‏.‏

وقال تعالى‏:‏ ‏"‏ يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحاً أني بما تعملون عليم وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون ‏"‏‏.‏

وقد قالت الرسل كلهم مثل نوح وهود وصالح وغيرهم‏:‏ ‏"‏ أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون ‏"‏ فكل الرسل دعوا إلى عبادة الله وحده لا شريك له وإلى طاعتهم والإيمان بالرسل هو الأصل الثاني من أصلي الإسلام فمن لم يؤمن بأن هذا رسول الله إلى جميع العالمين وأنه يجب على جميع الخلق متابعته وأن الحلال ما أحله والحرام ما حرمه والدين ما شرعه فهو كافر مثل هؤلاء المنافقين ونحوهم من يجوز الخروج عن دينه وشريعته وطاعته إما عموماً وإما خصوصاً ويجوز إعانة الكفار والفجار على إفساد دينه وشرعته ويحتجون بما يفترونه أن أهل الصفة قالوه وأنهم قالوا نحن مع الله من كان مع الله كنا معه يريدون بذلك الحقيقة الكونية دون الأمر والحقيقة الدينية ويحتج بمثل هذا من ينصر الكفار والفجار ويخفرهم بهمته وقلبه وتوجهه من ذوي الفقر ويعتقدون مع هذا أنهم من أولياء الله وأن الخروج عن الشريعة المحمدية سائغ لهم وكل هذا ضلال وباطل وإن كان لأصحابه زهد وعبادة فهم في العباد مثل أوليائهم في الأجناد فإن للمرء على دين خليله والمرء مع من أحب هكذا قال النبي صلى الله عليه وسلم وقد جعل الله والمؤمنين بعضهم أولياء بعض والكافرون بعضهم أولياء بعض وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتال المارقين من الإسلام مع عبادتهم العظيمة الذين قال فيهم ‏"‏ يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم وقراءته مع قراءتهم يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية أينما لقيتموهم فإن في قتلهم أجر عند الله لمن قتلهم يوم القيامة لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد ‏"‏ وهؤلاء قاتلهم أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب لما خرجوا عن شريعة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنته وفارقوا جماعة المسلمين فكيف بمن يعتقد أن المؤمنين كانوا يقاتلون النبي صلى الله عليه وسلم ومثل هذا ما يرويه بعض هؤلاء المفترين أن أهل الصفة سمعوا ما خاطب الله به رسوله ليلة المعراج وأن الله أمره أن لا يعلم به أحداً فلما أصبح وجدهم يتحدثون به فأنكر ذلك فقال الله له أنا أمرتك أن لا تعلم به أحداً لكن أنا الله أعلمتهم - إلى أمثال هذه الأكاذيب التي هي من أعظم الكفر وهي كذب واضح فإن أهل الصفة لم يكونوا إلا بالمدينة ولم يكن بمكة أهل الصفة والمعراج إنما كان من مكة كما قال سبحانه وتعالى‏:‏ ‏"‏ سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله ‏"‏ ومما يشبه هذا من بعض الوجوه رواية بعضهم عن عمر رضي الله عنه أنه قال‏:‏ كان النبي صلى الله عليه وسلم يتحدث هو وأبو بكر وكنت كالزنجي بينهما وهذا من الإفك المختلق ثم إنهم مع هذا يجعلون عمر الذي سمع كلام النبي صلى الله عليه وسلم وصديقه وهو أفضل الخلق بعد الصديق لم يفهم ذلك الكلام بل كان كالزنجي ويدعون أنهم هم سمعوه وعرفوه ثم كل منهم يفسره بما يدعيه من الضلالات الكفرية التي يزعم أنها علم الأسرار والحقائق إما الاتحاد وإما تعطيل الشرائع ونحو ذلك مثلاً ما يدعي النصيرية والإسماعيلية والقرمطية والباطنية الثنوية والحاكمية وغيرهم - من الضلالات المخالفة لدين الإسلام ما ينسبونه إلى علي بن أبي طالب أو جعفر الصادق أو غيرهما من أهل البيت كالبطاقة والهفت والجدول والجفر وملحمة بن عقب وغير ذلك من الأكاذيب المفتراة باتفاق جميع أهل المعرفة وكل هذا باطل فإنه لما كان لآل رسول الله صلى الله عليه وسلم به اتصال النسب والقرابة وللأولياء والصالحين منهم ومن غيرهم به اتصال الموالاة والمتابعة صار كثير ممن يخالف دينه وشريعته وسنته يموه باطله ويزخرفه بما يفتريه على أهل بيته وأهل موالاته ومتابعته وصار كثير من الناس يغلو إما في قوم من هؤلاء أو من هؤلاء حتى يتخذهم آلهة أو يقدم ما يضاف إليهم من شريعة النبي صلى الله عليه وسلم وسنته وحتى يخالف كتاب الله وسنة رسوله وما اتفق عليه السلف الطيب من أهل بيته ومن أهل الموالاة والمتابعة وهذا كثير في أهل الضلال‏.‏

فصل وأما تفضيل أهل الصفة على العشرة وغيرهم فخطأ

وأما تفضيل أهل الصفة على العشرة وغيرهم فخطأ وضلال بل خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر كما تواتر ذلك عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب موقوفاً ومرفوعاً وكما دل على ذلك الكتاب والسنة واتفق عليه سلف الأمة وأئمة العلم والسنة وبعدهما عثمان وعلي وكذلك سائر أهل الشورى مثل طلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن بن عوف وهؤلاء مع أبي عبيدة بن الجراح أمين هذه الأمة ومع سعيد بن زيد هم العشرة المشهود لهم بالجنة وقد قال الله تعالى في كتابه‏:‏ ‏"‏ لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلاً وعد الله الحسنى ‏"‏ ففضل السابقين قبل فتح الحديبية إلى الجهاد بأنفسهم وأموالهم على التابعين بعدهم وقال الله تعالى‏:‏ ‏"‏ لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعوك تحت الشجرة ‏"‏ وقال تعالى‏:‏ ‏"‏ والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان ‏"‏‏.‏

وقد ثبت في فضل البدريين ما تميزوا به على غيرهم وهؤلاء الذين فضلهم الله ورسوله فمنهم من هو من أهل الصفة والعشرة لم يكن فيهم من هو من أهل الصفة إلا سعد بن أبي وقاص فقد قيل إنه أقام بالصفة مرة وأما أكابر المهاجرين والأنصار مثل الخلفاء الأربعة ومثل سعد ابن معاذ وأسيد بن الحضير وعباد بن بشر وأبي أيوب الأنصاري ومعاذ بن جبل وأبي بن كعب ونحوهم لم يكونوا من أهل الصفة بل عامة أهل الصفة إنما كانوا من فقراء المهاجرين والأنصار كانوا في ديارهم ولم يكن أحد ينذر لأهل الصفة ولا لغيرهم‏.‏

فصل في سماع المكاء والتصدية

وأما سماع المكاء والتصدية وهو الاجتماع لسماع القصائد الربانية سواء كان بكف أو بقضيب أو بدف أو كان مع ذلك شبابة فهذا لم يفعله أحد من الصحابة لا من أهل الصفة ولا من غيرهم ولا من التابعين بل القرون الثلاثة المفضلة التي قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ خير القرون القرن الذي بعثت فيهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ‏"‏ لم يكن فيهم أحد يجتمع على هذا السماع لا في الحجاز ولا في الشام ولا في اليمن ولا في العراق ولا مصر ولا خراسان ولا المغرب وإنما كان السماع الذين يجتمعون عليه سماع القرآن وهو الذي كان الصحابة من أهل الصفة وغيرهم يجتمعون عليه فكان أصحاب محمد إذا اجتمعوا أمروا واحداً منهم يقرأ والباقي يستمعون وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج على أهل الصفة وفيهم قارئ يقرأ فجلس معهم وكان عمر بن الخطاب يقول لأبي موسى‏:‏ يا أبا موسى ذكرنا ربنا فيقرأ وهم يستمعون وكل من نقل أنهم كان لهم حاد ينشد القصائد الربانية بصلاح القلوب أو أنهم لما أنشد قد لسعت حية الهوى كبدي فلا طبيب لها ولا راقي إلا الطبيب الذي شغفت به فعنده رقيتي وترياقي أو أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قال‏:‏ ‏"‏ إن الفقراء يدخلون الجنة قبل الأغنياء بنصف يوم ‏"‏ أنشدوا شعراً وتواجدوا عليه فكل هذا وأمثاله كذب مفترى وكذب مختلق باتفاق أهل الآفاق من أهل العلم وأهل الإيمان لا ينازع في ذلك إلا جاهل ضال وإن كان قد ذكر في بعض الكتب شيء من ذلك فكله كذب باتفاق أهل العلم والإيمان‏.‏

فصل في قوله‏:‏ ‏{‏واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم‏}‏

وأما قوله‏:‏ ‏"‏ واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ‏"‏ فهي عامة فيمن تناوله هذا الوصف مثل الذين يصلون الفجر والعصر في جماعة فإنهم يدعون ربهم بالغداة والعشي وجهه سواء كانوا من أهل الصفة أو غيرهم أمر الله نبيه بالصبر مع عباد الله الصالحين الذين يريدون وجهه وأن لا تعدو عيناه عنهم ‏"‏ تريد زينة الحياة الدنيا ‏"‏ وهذه الآية في الكهف وهي سورة مكية وكذلك الآية التي هي في سورة الأنعام ‏"‏ ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء فتطردهم فتكون من الظالمين ‏"‏‏.‏

وقد روي أن هاتين الآيتين نزلتا في المؤمنين المستضعفين لما طلب المستكبرون أن يبعدهم النبي صلى الله عليه وسلم فنهاه الله تعالى عن طرد من يريد وجهه وإن كان مستضعفاً ثم أمره بالصبر معهم وكان ذلك قبل الهجرة إلى المدينة وقبل وجود الصفة لكن هي متناولة لكل من كان بهذا الوصف من أهل الصفة وغيرهم‏.‏

والمقصود بذلك أن يكون مع المؤمنين المتقين الذي هم أولياء الله وإن كانوا فقراء ضعفاء فلا يتقدم أحد عند الله تعالى بسلطانه وماله ولا بذله وفقره وإنما يتقدم عنده بالإيمان والعمل الصالح فنهى الله سبحانه وتعالى أن يطاع أهل الرئاسة والمال الذين يريدون إبعاد من كان ضعيفاً أو فقيراً وأمره أن لا يطرد من كان منهم يريد وجهه وأن يصبر نفسه معهم في الجماعة التي أمر الله فيها بالاجتماع بهم كصلاة الفجر والعصر ولا يطيع أمر الغافلين عن ذكر الله المتبعين لأهوائهم‏.‏

فصل في الحديث المروي ‏(‏ما من جماعة يجتمعون‏)‏

وأما الحديث المروي ‏"‏ ما من جماعة يجتمعون إلا وفيهم ولي لله ‏"‏ فمن الأكاذيب ليس في دواوين الإسلام وكيف والجماعة قد تكون كفاراً وفساقاً يموتون على ذلك‏.‏

فصل وأولياء الله تعالى هم الذين آمنوا وكانوا يتقون

وأولياء الله تعالى هم الذين آمنوا وكانوا يتقون كما ذكر الله ذلك في كتابه وهم قسمان المقتصدون أصحاب اليمين والمقربون السابقون فولي الله ضد عدو الله قال الله تعالى‏:‏ ‏"‏ ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون ‏"‏‏.‏

وقال الله تعالى ‏"‏ إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا - إلى قوله - ومن يتول الله ورسوله وقال‏:‏ ‏"‏ لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء ‏"‏‏.‏

وقال‏:‏ ‏"‏ ويوم يحشر أعداء الله إلى النار فهم يوزعون ‏"‏‏.‏

وقال‏:‏ ‏"‏ أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو ‏"‏‏.‏

وقد روى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ يقول الله تعالى‏:‏ من عادى لي ولياً فقد بارزني بالمحاربة وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن يكره الموت وأكره مساءته ولا بد له منه وما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضته عليه ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها فبي يسمع وبي يبصر وبي يبطش وبي يسعى ‏"‏‏.‏

والولي‏:‏ من الولي وهو القرب كما أن العدو من العدو وهو البعد فولي الله من والاه بالموافقة له في محبوباته ومرضياته وتقرب إليه بما أمر به من طاعاته وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث الصحيح الصنفين المقتصدون أصحاب اليمين وهم المتقربون إلى الله تعالى بالواجبات والسابقون المقربون وهم المتقربون بالنوافل بعد الواجبات‏.‏

وذكرهم الله في سورة فاطر والواقعة والإنسان والمطففين وأخبر أن الشراب الذي يروى به المقربون بشربهم إياه يمزج لأصحاب اليمين‏.‏

والولي المطلق هو من مات على ذلك فأما إن قام به الإيمان والتقوى وكان في علم الله تعالى أنه يرتد عن ذلك فهل يكون في حال إيمانه وتقواه ولياً لله أو يقال لم يكن ولياً لله قط لعلم بعاقبة هدايته قولان للعلماء‏.‏

وكذلك عندهم الإيمان الذي يعقبه الكفر هل هو إيمان صحيح ثم يبطل بمنزلة ما يحبط من الأعمال بعد كماله أو هو إيمان باطل بمنزلة من أفطر قبل غروب الشمس في صيامه ومن أحدث قبل السلام في صلاته أيضاً فيه قولان للفقهاء المتكلمين والصوفية والنزاع في ذلك بين أهل السنة والحديث من أصحاب الإمام أحمد وغيرهم‏.‏

وكذلك يوجد النزاع فيه بين أصحاب مالك والشافعي وغيرهم لكن أكثر أصحاب أبي حنيفة لا يشترطون سلامة العاقبة وكثير من أصحاب مالك والشافعي شرط سلامة العاقبة وهو قول كثير من متكلمي أهل الحديث كالأشعري ومن متكلمي الشيعة ويبنون على هذا النزاع هل ولي الله يصير عدو الله وبالعكس ومن أحبه الله ورضي عنه هل أبغضه الله وسخط عليه في وقت ما وبالعكس ومن أبغضه الله وسخط عليه هل أحبه الله ورضي عنه في وقت ما على القولين والتحقيق وهو الجمع بين القولين فإن علم الله القديم الأزلي وما يتبعه من محبته ورضاه وبغضه وسخطه وولايته وعداوته لا يتغير فمن علم الله منه أنه يوافي حين موته بالإيمان والتقوى فقد تعلقت به محبة الله وولايته ورضاه عنه أزلاً وأبداً‏.‏

وكذلك من علم الله منه أنه يوافي حين موته بالكفر فقد تعلق به بغض الله وعدوانه وسخطه أزلاً وأبداً ولكن مع ذلك فإن الله يبغض ما قام بالأول من كفر وفسوق قبل موته وقد يقال أنه يبغض ويمقته على ذلك كما ينهاه عن ذلك وهو سبحانه وتعالى يأمر بما فعله الثاني من الإيمان والتقوى ويحب ما يأمر به ويرضاه وقد يقال أنه يوليه حينئذ على ذلك والدليل على ذلك اتفاق الأمة على أن من كان مؤمناً ثم ارتد فإنه لا يحكم بأن إيمانه الأول كان فاسداً بمنزلة من أفسد الصلاة والصيام والحج قبل الإكمال وإنما يقال كما قال الله تعالى‏:‏ ‏"‏ ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله ‏"‏ وقال‏:‏ ‏"‏ لئن أشركت ليحبطن عملك ‏"‏ وقال‏:‏ ‏"‏ ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون ‏"‏ ولو كان فاسداً في نفسه لوجب أن يحكم بفساد أنكحته المتقدمة وتحريم ذبائحه وبطلان عباداته جميعها حتى لو كان قد حج عن غيره كان حجه باطلاً ولو صلى مدة يقوم ثم ارتد كان لهم أن يعيدوا صلاتهم خلفه ولو شهد أو حكم ثم ارتد أن تفسد شهادته وحكمه ونحو ذلك وكذلك أيضاً الكافر إذا تاب من كفره ولو كان محبوباً لله ولياً له في حال كفره لوجب أن يقضي بعدم إحكام ذلك الكافر وهذه كلها خلاف ما ثبت بالكتاب والسنة والإجماع‏.‏

والكلام في هذه المسألة نظير الكلام في الآجال والأرزاق ونحو ذلك وهي أيضاً على قاعدة الصفات الفعلية وهي قاعدة كبيرة وعلى هذا يخرج جواب السائل‏.‏

فمن قال إن ولي الله لا يكون إلا من وافاه حين الموت بالإيمان والتقوى فالعلم بذلك أصعب عليه وعلى غيره ومن قال قد يكون ولي الله من كان مؤمناً تقياً وأن يعلم عاقبته فالعلم بذلك أسهل ومع هذا يمكن العلم بذلك للولي نفسه ولغيره ولكنه قليل ولا يجوز التهجم بالقطع على ذلك فمن ثبتت ولايته لله بالنص وأنه من أهل الجنة كالعشرة وغيرهم فعامة أهل السنة يشهدون له بما شهد له به النص وأما من شاع له لسان صدق من الأمة بحيث اتفقت الأمة على الثناء عليه فهل يشهد له بذلك هذا فيه نزاع بين أهل السنة والأشبه أن يشهد له بذلك هذا في الأمر العام‏.‏

وأما خواص الناس فقد يعلمون عواقب أقوام بما يكشفه الله لهم لكن ليس هذا مما يجب التصديق العام به فإن كثيراً مما يظن به أنه حصل له هذا الكشف يكون ظاناً في ذلك ظناً لا يغني من الحق شيئاً وأهل المكاشفات والمخاطبات يصيبون تارة ويخطئون أخرى كاهل النظر والاستدلال في موارد الاجتهاد ولهذا وجب عليهم أن يعتصموا بكتاب الله وسنة رسوله وأن يزنوا مواجيدهم ومشاهدتهم وآرائهم ومعقولاتهم بكتاب الله وسنة رسوله لا يكتفوا بمجرد ذلك فإن سيد المحدثين المخاطبين الملهمين من هذه الأمة هو عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقد كان تقع له وقائع يردها عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وصديقه التابع له الآخذ عنه الذي هو أكمل من المحدث الذي يحدث نفسه عن ربه ولهذا أوجب على جميع الخلق إتباع الرسول صلى الله عليه وسلم وطاعته في جميع أمورهم الباطنة والظاهرة ولو كان أحد يأتيه من الله ما لا يحتاج إلى عرضه على الكتاب والسنة لكان مستغنياً عن الرسول في بعض دينه وهذا من أقوال المارقين الذين يظنون أن من الناس من يكون مع الرسول كالخضر مع موسى ومن قال هذا فهو كافر وقد قال تعالى‏:‏ ‏"‏ وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم ‏"‏ فقد ضمن الله وللرسول وللنبي أن ينسخ ما يلقي الشيطان في أمنيته ولم يضمن ذلك للمحدث ولهذا كان في الحرف الآخر الذي كان يقرأ به ابن عباس وغيره‏:‏ وما أرسلنا من قبلك رسولاً ولا نبي ولا محدث إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته‏.‏

ويحتمل والله أعلم أن يكون هذا الحرف متلواً حيث لم يضمن نسخ ما ألقى الشيطان فأما نسخ ما ألقى الشيطان فليس إلا للأنبياء والمرسلين إذ هم معصومون فيما يبلغون عن الله تعالى أن يستقر فيه شيء من إلقاء الشيطان وغيرهم لا يجب عصمته من ذلك وإن كان من أولياء الله المتقين فليس من شرط أولياء الله المتقين أن لا يكونوا مخطئين في بعض الأشياء خطأً مغفوراً لهم بل ولا من شرطهم ترك الصغائر مطلقاً بل ولا من شرطهم ترك الكبائر أو الكفر الذي تعقبه التوبة وقد قال الله تعالى‏:‏ ‏"‏ والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون لهم ما يشاؤون عند ربهم ذلك جزاء المحسنين ليكفر الله عنهم أسوأ الذي عملوا ويجزيهم أجرهم بأحسن الذي كانوا يعملون ‏"‏ فقد وصفهم الله تعالى بأنهم هم المتقون والمتقون هم أولياء الله ومع هذا بأجزائه ويكفر عنهم أسوء الذي عملوا‏.‏

وهذا أمر متفق عليه بين أهل العلم والإيمان وإنما يخالف في ذلك الغالية من الرافضة وأشباه الرافضة من الغالية في بعض المشايخ ومن يعتقدون أنه من الأولياء فالرافضة تزعم أن الاثني عشر معصومون من الخطأ والذنب ويرون هذا من أصول دينهم والغالية في المشايخ قد يقولون إن الولي محفوظ والنبي معصوم وكثير منهم لم يقل ذلك بلسانه فحاله حال من يرى أن الشيخ أو الولي لا يخطئ ولا يذنب وقد يبلغ الغلو بالطائفتين إلى أن يجعلوا بعض من غلوا فيه بمنزلة النبي أو أفضل منه وإن زادوا الأمر جعلوا له نوعاً من الإلهية وكل هذا من الضلالات الجاهلية المضاهية للضلالات النصرانية فإن من النصارى من الغلو في المسيح والرهبان والأحبار ما ذمهم الله عليه في القرآن وجعل ذلك عبرة لنا لئلا نسلك سبيلهم ولهذا قال سيد ولد آدم‏:‏ ‏"‏ لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم فإنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله ‏"‏‏.‏

تابعوناااااا
ااااااااا
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://ehabmtwale.forumegypt.net
ايهاب متولى
مؤسس الموقع
مؤسس الموقع
avatar

عدد المساهمات : 1578
نقاط : 3229
تاريخ التسجيل : 10/01/2011
العمر : 39

مُساهمةموضوع: فصل وأما تفضيل أهل الصفة على العشرة وغيرهم فخطأ    2011-08-04, 23:01


فصل وأما تفضيل أهل الصفة على العشرة وغيرهم فخطأ

وأما تفضيل أهل الصفة على العشرة وغيرهم فخطأ وضلال بل خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر كما تواتر ذلك عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب موقوفاً ومرفوعاً وكما دل على ذلك الكتاب والسنة واتفق عليه سلف الأمة وأئمة العلم والسنة وبعدهما عثمان وعلي وكذلك سائر أهل الشورى مثل طلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن بن عوف وهؤلاء مع أبي عبيدة بن الجراح أمين هذه الأمة ومع سعيد بن زيد هم العشرة المشهود لهم بالجنة وقد قال الله تعالى في كتابه‏:‏ ‏"‏ لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلاً وعد الله الحسنى ‏"‏ ففضل السابقين قبل فتح الحديبية إلى الجهاد بأنفسهم وأموالهم على التابعين بعدهم وقال الله تعالى‏:‏ ‏"‏ لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعوك تحت الشجرة ‏"‏ وقال تعالى‏:‏ ‏"‏ والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان ‏"‏‏.‏

وقد ثبت في فضل البدريين ما تميزوا به على غيرهم وهؤلاء الذين فضلهم الله ورسوله فمنهم من هو من أهل الصفة والعشرة لم يكن فيهم من هو من أهل الصفة إلا سعد بن أبي وقاص فقد قيل إنه أقام بالصفة مرة وأما أكابر المهاجرين والأنصار مثل الخلفاء الأربعة ومثل سعد ابن معاذ وأسيد بن الحضير وعباد بن بشر وأبي أيوب الأنصاري ومعاذ بن جبل وأبي بن كعب ونحوهم لم يكونوا من أهل الصفة بل عامة أهل الصفة إنما كانوا من فقراء المهاجرين والأنصار كانوا في ديارهم ولم يكن أحد ينذر لأهل الصفة ولا لغيرهم‏.‏


تا
بعونااااااا
ااااااااا
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://ehabmtwale.forumegypt.net
ايهاب متولى
مؤسس الموقع
مؤسس الموقع
avatar

عدد المساهمات : 1578
نقاط : 3229
تاريخ التسجيل : 10/01/2011
العمر : 39

مُساهمةموضوع: فصل في سماع المكاء والتصدية   2011-08-04, 23:02



فصل في سماع المكاء والتصدية

وأما سماع المكاء والتصدية وهو الاجتماع لسماع القصائد الربانية سواء كان بكف أو بقضيب أو بدف أو كان مع ذلك شبابة فهذا لم يفعله أحد من الصحابة لا من أهل الصفة ولا من غيرهم ولا من التابعين بل القرون الثلاثة المفضلة التي قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ خير القرون القرن الذي بعثت فيهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ‏"‏ لم يكن فيهم أحد يجتمع على هذا السماع لا في الحجاز ولا في الشام ولا في اليمن ولا في العراق ولا مصر ولا خراسان ولا المغرب وإنما كان السماع الذين يجتمعون عليه سماع القرآن وهو الذي كان الصحابة من أهل الصفة وغيرهم يجتمعون عليه فكان أصحاب محمد إذا اجتمعوا أمروا واحداً منهم يقرأ والباقي يستمعون وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج على أهل الصفة وفيهم قارئ يقرأ فجلس معهم وكان عمر بن الخطاب يقول لأبي موسى‏:‏ يا أبا موسى ذكرنا ربنا فيقرأ وهم يستمعون وكل من نقل أنهم كان لهم حاد ينشد القصائد الربانية بصلاح القلوب أو أنهم لما أنشد قد لسعت حية الهوى كبدي فلا طبيب لها ولا راقي إلا الطبيب الذي شغفت به فعنده رقيتي وترياقي أو أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قال‏:‏ ‏"‏ إن الفقراء يدخلون الجنة قبل الأغنياء بنصف يوم ‏"‏ أنشدوا شعراً وتواجدوا عليه فكل هذا وأمثاله كذب مفترى وكذب مختلق باتفاق أهل الآفاق من أهل العلم وأهل الإيمان لا ينازع في ذلك إلا جاهل ضال وإن كان قد ذكر في بعض الكتب شيء من ذلك فكله كذب باتفاق أهل العلم والإيمان‏.‏


تاب
عوناااااااا
ااااااااا
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://ehabmtwale.forumegypt.net
ايهاب متولى
مؤسس الموقع
مؤسس الموقع
avatar

عدد المساهمات : 1578
نقاط : 3229
تاريخ التسجيل : 10/01/2011
العمر : 39

مُساهمةموضوع: فصل في قوله‏:‏ ‏{‏واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم‏}‏    2011-08-04, 23:03



فصل في قوله‏:‏ ‏{‏واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم‏}‏

وأما قوله‏:‏ ‏"‏ واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ‏"‏ فهي عامة فيمن تناوله هذا الوصف مثل الذين يصلون الفجر والعصر في جماعة فإنهم يدعون ربهم بالغداة والعشي وجهه سواء كانوا من أهل الصفة أو غيرهم أمر الله نبيه بالصبر مع عباد الله الصالحين الذين يريدون وجهه وأن لا تعدو عيناه عنهم ‏"‏ تريد زينة الحياة الدنيا ‏"‏ وهذه الآية في الكهف وهي سورة مكية وكذلك الآية التي هي في سورة الأنعام ‏"‏ ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء فتطردهم فتكون من الظالمين ‏"‏‏.‏

وقد روي أن هاتين الآيتين نزلتا في المؤمنين المستضعفين لما طلب المستكبرون أن يبعدهم النبي صلى الله عليه وسلم فنهاه الله تعالى عن طرد من يريد وجهه وإن كان مستضعفاً ثم أمره بالصبر معهم وكان ذلك قبل الهجرة إلى المدينة وقبل وجود الصفة لكن هي متناولة لكل من كان بهذا الوصف من أهل الصفة وغيرهم‏.‏

والمقصود بذلك أن يكون مع المؤمنين المتقين الذي هم أولياء الله وإن كانوا فقراء ضعفاء فلا يتقدم أحد عند الله تعالى بسلطانه وماله ولا بذله وفقره وإنما يتقدم عنده بالإيمان والعمل الصالح فنهى الله سبحانه وتعالى أن يطاع أهل الرئاسة والمال الذين يريدون إبعاد من كان ضعيفاً أو فقيراً وأمره أن لا يطرد من كان منهم يريد وجهه وأن يصبر نفسه معهم في الجماعة التي أمر الله فيها بالاجتماع بهم كصلاة الفجر والعصر ولا يطيع أمر الغافلين عن ذكر الله المتبعين لأهوائهم‏.‏


تابعوناااا
ااااااااا
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://ehabmtwale.forumegypt.net
ايهاب متولى
مؤسس الموقع
مؤسس الموقع
avatar

عدد المساهمات : 1578
نقاط : 3229
تاريخ التسجيل : 10/01/2011
العمر : 39

مُساهمةموضوع: فصل في الحديث المروي ‏(‏ما من جماعة يجتمعون‏)‏    2011-08-04, 23:05



فصل في الحديث المروي ‏(‏ما من جماعة يجتمعون‏)‏

وأما الحديث المروي ‏"‏ ما من جماعة يجتمعون إلا وفيهم ولي لله ‏"‏ فمن الأكاذيب ليس في دواوين الإسلام وكيف والجماعة قد تكون كفاراً وفساقاً يموتون على ذلك‏.‏


تابعونااا
ااااااااااا
ااااااااا
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://ehabmtwale.forumegypt.net
ايهاب متولى
مؤسس الموقع
مؤسس الموقع
avatar

عدد المساهمات : 1578
نقاط : 3229
تاريخ التسجيل : 10/01/2011
العمر : 39

مُساهمةموضوع: فصل وأولياء الله تعالى   2011-08-04, 23:06



فصل وأولياء الله تعالى هم الذين آمنوا وكانوا يتقون

وأولياء الله تعالى هم الذين آمنوا وكانوا يتقون كما ذكر الله ذلك في كتابه وهم قسمان المقتصدون أصحاب اليمين والمقربون السابقون فولي الله ضد عدو الله قال الله تعالى‏:‏ ‏"‏ ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون ‏"‏‏.‏

وقال الله تعالى ‏"‏ إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا - إلى قوله - ومن يتول الله ورسوله وقال‏:‏ ‏"‏ لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء ‏"‏‏.‏

وقال‏:‏ ‏"‏ ويوم يحشر أعداء الله إلى النار فهم يوزعون ‏"‏‏.‏

وقال‏:‏ ‏"‏ أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو ‏"‏‏.‏

وقد روى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ يقول الله تعالى‏:‏ من عادى لي ولياً فقد بارزني بالمحاربة وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن يكره الموت وأكره مساءته ولا بد له منه وما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضته عليه ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها فبي يسمع وبي يبصر وبي يبطش وبي يسعى ‏"‏‏.‏

والولي‏:‏ من الولي وهو القرب كما أن العدو من العدو وهو البعد فولي الله من والاه بالموافقة له في محبوباته ومرضياته وتقرب إليه بما أمر به من طاعاته وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث الصحيح الصنفين المقتصدون أصحاب اليمين وهم المتقربون إلى الله تعالى بالواجبات والسابقون المقربون وهم المتقربون بالنوافل بعد الواجبات‏.‏

وذكرهم الله في سورة فاطر والواقعة والإنسان والمطففين وأخبر أن الشراب الذي يروى به المقربون بشربهم إياه يمزج لأصحاب اليمين‏.‏

والولي المطلق هو من مات على ذلك فأما إن قام به الإيمان والتقوى وكان في علم الله تعالى أنه يرتد عن ذلك فهل يكون في حال إيمانه وتقواه ولياً لله أو يقال لم يكن ولياً لله قط لعلم بعاقبة هدايته قولان للعلماء‏.‏

وكذلك عندهم الإيمان الذي يعقبه الكفر هل هو إيمان صحيح ثم يبطل بمنزلة ما يحبط من الأعمال بعد كماله أو هو إيمان باطل بمنزلة من أفطر قبل غروب الشمس في صيامه ومن أحدث قبل السلام في صلاته أيضاً فيه قولان للفقهاء المتكلمين والصوفية والنزاع في ذلك بين أهل السنة والحديث من أصحاب الإمام أحمد وغيرهم‏.‏

وكذلك يوجد النزاع فيه بين أصحاب مالك والشافعي وغيرهم لكن أكثر أصحاب أبي حنيفة لا يشترطون سلامة العاقبة وكثير من أصحاب مالك والشافعي شرط سلامة العاقبة وهو قول كثير من متكلمي أهل الحديث كالأشعري ومن متكلمي الشيعة ويبنون على هذا النزاع هل ولي الله يصير عدو الله وبالعكس ومن أحبه الله ورضي عنه هل أبغضه الله وسخط عليه في وقت ما وبالعكس ومن أبغضه الله وسخط عليه هل أحبه الله ورضي عنه في وقت ما على القولين والتحقيق وهو الجمع بين القولين فإن علم الله القديم الأزلي وما يتبعه من محبته ورضاه وبغضه وسخطه وولايته وعداوته لا يتغير فمن علم الله منه أنه يوافي حين موته بالإيمان والتقوى فقد تعلقت به محبة الله وولايته ورضاه عنه أزلاً وأبداً‏.‏

وكذلك من علم الله منه أنه يوافي حين موته بالكفر فقد تعلق به بغض الله وعدوانه وسخطه أزلاً وأبداً ولكن مع ذلك فإن الله يبغض ما قام بالأول من كفر وفسوق قبل موته وقد يقال أنه يبغض ويمقته على ذلك كما ينهاه عن ذلك وهو سبحانه وتعالى يأمر بما فعله الثاني من الإيمان والتقوى ويحب ما يأمر به ويرضاه وقد يقال أنه يوليه حينئذ على ذلك والدليل على ذلك اتفاق الأمة على أن من كان مؤمناً ثم ارتد فإنه لا يحكم بأن إيمانه الأول كان فاسداً بمنزلة من أفسد الصلاة والصيام والحج قبل الإكمال وإنما يقال كما قال الله تعالى‏:‏ ‏"‏ ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله ‏"‏ وقال‏:‏ ‏"‏ لئن أشركت ليحبطن عملك ‏"‏ وقال‏:‏ ‏"‏ ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون ‏"‏ ولو كان فاسداً في نفسه لوجب أن يحكم بفساد أنكحته المتقدمة وتحريم ذبائحه وبطلان عباداته جميعها حتى لو كان قد حج عن غيره كان حجه باطلاً ولو صلى مدة يقوم ثم ارتد كان لهم أن يعيدوا صلاتهم خلفه ولو شهد أو حكم ثم ارتد أن تفسد شهادته وحكمه ونحو ذلك وكذلك أيضاً الكافر إذا تاب من كفره ولو كان محبوباً لله ولياً له في حال كفره لوجب أن يقضي بعدم إحكام ذلك الكافر وهذه كلها خلاف ما ثبت بالكتاب والسنة والإجماع‏.‏

والكلام في هذه المسألة نظير الكلام في الآجال والأرزاق ونحو ذلك وهي أيضاً على قاعدة الصفات الفعلية وهي قاعدة كبيرة وعلى هذا يخرج جواب السائل‏.‏

فمن قال إن ولي الله لا يكون إلا من وافاه حين الموت بالإيمان والتقوى فالعلم بذلك أصعب عليه وعلى غيره ومن قال قد يكون ولي الله من كان مؤمناً تقياً وأن يعلم عاقبته فالعلم بذلك أسهل ومع هذا يمكن العلم بذلك للولي نفسه ولغيره ولكنه قليل ولا يجوز التهجم بالقطع على ذلك فمن ثبتت ولايته لله بالنص وأنه من أهل الجنة كالعشرة وغيرهم فعامة أهل السنة يشهدون له بما شهد له به النص وأما من شاع له لسان صدق من الأمة بحيث اتفقت الأمة على الثناء عليه فهل يشهد له بذلك هذا فيه نزاع بين أهل السنة والأشبه أن يشهد له بذلك هذا في الأمر العام‏.‏

وأما خواص الناس فقد يعلمون عواقب أقوام بما يكشفه الله لهم لكن ليس هذا مما يجب التصديق العام به فإن كثيراً مما يظن به أنه حصل له هذا الكشف يكون ظاناً في ذلك ظناً لا يغني من الحق شيئاً وأهل المكاشفات والمخاطبات يصيبون تارة ويخطئون أخرى كاهل النظر والاستدلال في موارد الاجتهاد ولهذا وجب عليهم أن يعتصموا بكتاب الله وسنة رسوله وأن يزنوا مواجيدهم ومشاهدتهم وآرائهم ومعقولاتهم بكتاب الله وسنة رسوله لا يكتفوا بمجرد ذلك فإن سيد المحدثين المخاطبين الملهمين من هذه الأمة هو عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقد كان تقع له وقائع يردها عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وصديقه التابع له الآخذ عنه الذي هو أكمل من المحدث الذي يحدث نفسه عن ربه ولهذا أوجب على جميع الخلق إتباع الرسول صلى الله عليه وسلم وطاعته في جميع أمورهم الباطنة والظاهرة ولو كان أحد يأتيه من الله ما لا يحتاج إلى عرضه على الكتاب والسنة لكان مستغنياً عن الرسول في بعض دينه وهذا من أقوال المارقين الذين يظنون أن من الناس من يكون مع الرسول كالخضر مع موسى ومن قال هذا فهو كافر وقد قال تعالى‏:‏ ‏"‏ وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم ‏"‏ فقد ضمن الله وللرسول وللنبي أن ينسخ ما يلقي الشيطان في أمنيته ولم يضمن ذلك للمحدث ولهذا كان في الحرف الآخر الذي كان يقرأ به ابن عباس وغيره‏:‏ وما أرسلنا من قبلك رسولاً ولا نبي ولا محدث إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته‏.‏

ويحتمل والله أعلم أن يكون هذا الحرف متلواً حيث لم يضمن نسخ ما ألقى الشيطان فأما نسخ ما ألقى الشيطان فليس إلا للأنبياء والمرسلين إذ هم معصومون فيما يبلغون عن الله تعالى أن يستقر فيه شيء من إلقاء الشيطان وغيرهم لا يجب عصمته من ذلك وإن كان من أولياء الله المتقين فليس من شرط أولياء الله المتقين أن لا يكونوا مخطئين في بعض الأشياء خطأً مغفوراً لهم بل ولا من شرطهم ترك الصغائر مطلقاً بل ولا من شرطهم ترك الكبائر أو الكفر الذي تعقبه التوبة وقد قال الله تعالى‏:‏ ‏"‏ والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون لهم ما يشاؤون عند ربهم ذلك جزاء المحسنين ليكفر الله عنهم أسوأ الذي عملوا ويجزيهم أجرهم بأحسن الذي كانوا يعملون ‏"‏ فقد وصفهم الله تعالى بأنهم هم المتقون والمتقون هم أولياء الله ومع هذا بأجزائه ويكفر عنهم أسوء الذي عملوا‏.‏

وهذا أمر متفق عليه بين أهل العلم والإيمان وإنما يخالف في ذلك الغالية من الرافضة وأشباه الرافضة من الغالية في بعض المشايخ ومن يعتقدون أنه من الأولياء فالرافضة تزعم أن الاثني عشر معصومون من الخطأ والذنب ويرون هذا من أصول دينهم والغالية في المشايخ قد يقولون إن الولي محفوظ والنبي معصوم وكثير منهم لم يقل ذلك بلسانه فحاله حال من يرى أن الشيخ أو الولي لا يخطئ ولا يذنب وقد يبلغ الغلو بالطائفتين إلى أن يجعلوا بعض من غلوا فيه بمنزلة النبي أو أفضل منه وإن زادوا الأمر جعلوا له نوعاً من الإلهية وكل هذا من الضلالات الجاهلية المضاهية للضلالات النصرانية فإن من النصارى من الغلو في المسيح والرهبان والأحبار ما ذمهم الله عليه في القرآن وجعل ذلك عبرة لنا لئلا نسلك سبيلهم ولهذا قال سيد ولد آدم‏:‏ ‏"‏ لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم فإنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله ‏"‏‏.‏


اللهم لك الحمد

نسالك
م الدعاء
اخ
وكم
ايهاب
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://ehabmtwale.forumegypt.net
ايهاب متولى
مؤسس الموقع
مؤسس الموقع
avatar

عدد المساهمات : 1578
نقاط : 3229
تاريخ التسجيل : 10/01/2011
العمر : 39

مُساهمةموضوع: فصل وأما الفقراء الذين ذكرهم الله تعالى في كتابه    2011-08-04, 23:08


فصل وأما الفقراء الذين ذكرهم الله تعالى في كتابه فهم صنفان

وأما الفقراء الذين ذكرهم الله تعالى في كتابه فهم صنفان مستحقو الصدقات ومستحقو الفيء أما المستحقون للصدقات فقد ذكرهم الله في قوله‏:‏ ‏"‏ إن تبدوا الصدقات فنعماً هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم ‏"‏ وفي قوله‏:‏ ‏"‏ إنما الصدقات للفقراء والمساكين ‏"‏ وإذ ذكر في القرآن اسم المسكين وحده أو الفقير وحده كقوله‏:‏ ‏"‏ إطعام عشرة مساكين ‏"‏ فهما شيء واحد وإذا ذكرا جمعاً فهما صنفان‏.‏

والمقصود بهما أهل الحاجة وهم الذين لا يجدون كفايتهم لا من مسألة ولا من كسب يقدرون عليه فمن كان كذلك من المسلمين استحق الأخذ من صدقات المسلمين المفروضة والموقوفة والمنذورة والموصى بها وبين الفقهاء نزاع في بعض فروع هذه المسائل معروفة عند أهل العلم‏.‏

وضد هؤلاء الأغنياء الذين تحرم عليهم الصدقة ثم هم نوعان‏:‏ نوع يجب عليه الزكاة‏:‏ وإن كانت الزكاة تجب على كل من قد تباح له عند جمهور العلماء‏.‏

ونوع لا تجب عليه‏:‏ وكل منهما قد يكون له فضل عن نفقاته الواجبة وهم الذين قال الله فيهم‏:‏ ‏"‏ ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو ‏"‏ وقد لا يكون له الفضل وهؤلاء الذين رزقهم قوت وكفاف فهم أغنياء باعتبار غناهم عن الناس وهم فقراء باعتبار أنه ليس لهم فضول يتصدقون بها وإنما يسبق الفقراء الأغنياء إلى الجنة بنصف يوم لعدم فضول الأموال التي يحاسبون على مخارجها ومصارفها فمن لم يكن له فضل كان هؤلاء وإن لم يكن من أهل الزكاة‏.‏

ثم أرباب الفضول إن كانوا محسنين في فضول أموالهم فقد يكونون بعد دخول الجنة أرفع درجة من كثير من الفقراء الذين سبقوهم كما يقدم أغنياء الأنبياء والصديقين عن السابقين وغيرهم على الفقراء الذين دونهم ومن هنا قال الفقراء‏:‏ ذهب أهل الدثور وبالأجور وقيل لما ساواهم الأغنياء في العبادات البدنية وامتازوا عنهم بالعبادات المالية ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء فهذا هو الفقير في عرف الكتاب والسنة‏.‏

وقد يكون الفقراء سابقين وقد يكونون مقتصدين ويكونون ظالمي أنفسهم كالأغنياء وفي كلا الطائفتين المؤمن الصديق والمنافق الزنديق‏.‏

وأما المستأخرون فالفقير في عرفهم عبارة عن السالك إلى الله تعالى كما هو الصوفي في عرفهم أيضاً ثم منهم من يرجح مسمى الصوفي لأنه عنده الذي قطع العلائق كلها ولم يتقيد في الظاهر بغير الأمور الواجبة وهذه منازعات لفظية اصطلاحية والتحقيق أن المراد المحمود بهذين الاسمين داخل في مسمى الصديق أو الولي والصالح ونحو ذلك من الأسماء التي جاء بها الكتاب والسنة فمن حيث دخل في الأسماء النبوية يترتب عليه من الحكم ما جاءت به الرسالة‏.‏

وأما ما تميز به مما يعده صاحبه فضلاً وليس بفضل أو مما يوالي عليه صاحبه غيره ونحو ذلك من الأمور التي يترتب عليها زيادة الدرجة في الدنيا فهي أمور مهدرة في الشريعة إلا إذا جعلت من المباحات من الأمور المستحبات وأما ما يقترن بذلك من الأمور المكروهة في دين الله من

فصل وأما الأسماء الدائرة على ألسنة كثير من النساك والعامة مثل الغوث

وأما الأسماء الدائرة على ألسنة كثير من النساك والعامة مثل الغوث الذي يكون بمكة والأوتاد الأربعة والأقطاب السبعة والأبدال الأربعين والنجباء الثلاثمائة فهذه الأسماء ليست موجودة في كتاب الله ولا هي أيضاً مأثورة عن النبي صلى الله عليه وسلم لا بإسناد صحيح ولا ضعيف محتمل إلا لفظ الأبدال فقد روي فيهم حديث شامي منقطع الإسناد عن علي بن أبي طالب مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏"‏ إن فيهم - يعني أهل الشام - الأبدال أربعين رجلاً كلما مات رجل أبدل الله مكانه رجل ‏"‏ ولا توجد هذه الأسماء في كلام السلف كما هي على هذا الترتيب ولا هي مأثورة على هذا الترتيب والمعاني عن المشايخ المقبولين عند الأمة قبولاً عاماً وإنما توجد على هذه الصورة عن بعض المتوسطين من المشايخ وقد قالها إما أثراً لها عن غيره أو ذكراً‏.‏

وهذا الجنس ونحوه من العلم الذي قد التبس على أكثر المتأخرين حقه بباطله فصار فيه من الحق ما يوجب قبوله ومن الباطل ما يوجب رده وصار كثير من الناس فيه على طرفي نقيض قوم كذبوا به كله لما وجدوا فيه من الباطل وقوم صدقوا به كله لما وجدوا فيه من الحق وإنما الصواب التصديق بالحق والتكذيب بالباطل وهذا تحقيق بما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم من ركوب هذه الأمة سنن من كان قبلها حذو القذة بالقذة فإن أهل الكتابين لبسوا الحق بالباطل وهذا هو التبديل والتحريف الذي وقع في دينهم ولهذا يعتبر الدين وهذا الدين لا ينسخ أبداً لكن يكون فيه من يدخل فيه من التحريف والتبديل والكذب والكتمان ما يلبس به الحق بالباطل ولا بد أن يقيم الله فيه من تقوم به الحجة خلفاً عن الرسل فينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين ليحق الله الحق ويبطل الباطل ولو كره المشركون فبالكتب المنزلة من السماء والآثار من العلوم المأثورة عن الأنبياء يميز الله الحق من الباطل ويحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وبذلك يتبين أن هذه الأسماء على هذا العدد والترتيب والطبقات ليست حقاً في كل زمان بل يجب القطع بأن هذا على عمومه وإطلاقه باطل فإن المؤمنين يقلون تارة ويكثرون أخرى ويقل فيهم السابقون المقربون تارة ويكثرون أخرى وينتقلون في الأمكنة ليس من شرط أولياء أهل الإيمان والتقوى ومن يدخل منهم في السابقين المقربين لزوم مكان واحد في جميع الأزمنة وقد بعث الله ورسوله بالحق وآمن معه بمكة نفر قليل كانوا أقل من سبعة ثم أقل من أربعين ثم أقل من سبعين ثم أقل من ثلاثمائة فيعلم أنه لم يكن فيهم هذه الأعداد ومن الممتنع أن يكون منهم من كان في الكفار ثم هاجر هو وأصحابه إلى المدينة وكانت هي دار الهجرة والسنة والنصرة ومستقر النبوة وموضع خلافة النبوة وبها انعقدت بيعة الخلفاء الراشدين أبي بكر وعثمان وعمر وعلي وإن كان علي قد خرج منها بعد أن بويع له فيها ومن الممتنع أنه قد كان بمكة في زمنهم من يكون أفضل منهم‏.‏

ثم إن الإسلام انتشر في مشارق الأرض ومغاربها وكان في المؤمنين في كل وقت من أولياء الله المتقين بل من الصديقين السابقين المقربين من لا يحصي عدده إلا رب العالمين لا يحصون بثلاثمائة ولا بثلاثة آلاف ولما انقرضت القرون الثلاثة الفاضلة كان أيضاً في القرون الخالية من أولياء الله المتقين بل من السابقين من جعل لهم عدداً محصوراً لازماً فهو من المتظلمين عمداً أو خطأ‏.‏

وأما لفظ الغوث والغياث فلا يستحقه إلا الله تعالى فهو غياث المستغيثين لا يجوز لأحد الاستغاثة بغيره لا بملك مقرب ولا نبي مرسل ومن زعم أن أهل الأرض يرفعون حوائجهم التي يطلبون بها كشف الضر عنهم ونزول الرحمة بهم إلى الثلاثمائة والثلاثمائة إلى السبعين والسبعين إلى الأربعين والأربعين إلى السبعة والسبعة إلى الأربعة والأربعة إلى الغوث فهو كاذب ضال مشرك فقد كان المشركون كما أخبر الله عنهم بقوله‏:‏ ‏"‏ وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه ‏"‏ وقال‏:‏ ‏"‏ أمن يجيب المضطر إذا دعاه ‏"‏ فكيف يكون المؤمنون يرفعون إليه حوائجهم بعدة وسائط من الحجاب وهو القائل تعالى‏:‏ ‏"‏ وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعاني فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون ‏"‏ وقال الخليل عليه السلام داعياً لأهل مكة‏:‏ ‏"‏ ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون ربنا إليك إنك تعلم ما نخفي وما نعلن وما يخفى على الله من شيء في الأرض ولا في السماء الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق إن ربي لسميع الدعاء ‏"‏‏.‏

وقال النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه لما رفعوا أصواتهم بالتلبية‏:‏ ‏"‏ أيها الناس أربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائباً وإنما تدعون سميعاً قريباً إن الذين تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحته ‏"‏‏.‏

وهذا باب واسع وقد علم المسلمون كلهم أنه لم يكن عامة المسلمين ولا مشايخهم المعروفون يرفعون إلى الله حوائجهم ولا ظاهراً ولا باطناً بهذه الوسائط والحجاب فتعالى الله عن تشبيهه بالمخلوقين من الملوك وسائر ما يقوله الظالمون علواً كبيراً‏.‏

وهذا من جنس دعوى الرافضة أنه لا بد في كل زمان من إمام معصوم يكون حجة الله على المكلفين لا يتم الإيمان إلا به ثم مع هذا يقولون أنه كان صبياً دخل السرداب من أكثر من أربعمائة وأربعين سنة ولا يعرف له عين ولا أثر ولا يدرك له حس ولا خبر‏.‏

وهؤلاء الذين يدعون هذه المراتب فيهم معناها للرافضة من بعض الوجوه بل هذا الترتيب والاعتداد يشبه من بعض الوجوه ترتيب الإسماعيلية والنصيرية ونحوهم في السابق والتالي والناطق والأساس والجسد وغير ذلك من الترتيب الذي ما أنزل الله به من سلطان وأما الأوتاد فقد يوجد في كلام بعضهم أنه يقول فلان من الأوتاد ومعنى ذلك أن الله يثبت به من الدين والإيمان في قلوب من يهديهم الله به كما يثبت الأرض بأوتادها وهذا المعنى ثابت لكل من كان بهذه الصفة فكل من حصل به تثبيت العلم والإيمان في جمهور الناس كان بمنزلة الأوتاد العظيمة والجبال الكبيرة ومن كان دونه كان بحسبه وليس ذلك محصوراً في أربعة ولا أقل ولا أكثر بل جعل هؤلاء أربعة مضاهاة لقول المنجمين في أوتاد الأرض‏.‏


تاب
عونااااااااا
ااااااااا
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://ehabmtwale.forumegypt.net
ايهاب متولى
مؤسس الموقع
مؤسس الموقع
avatar

عدد المساهمات : 1578
نقاط : 3229
تاريخ التسجيل : 10/01/2011
العمر : 39

مُساهمةموضوع: فصل وأما القطب فيوجد في كلامهم أيضاً   2011-08-04, 23:09



فصل وأما القطب فيوجد في كلامهم أيضاً

وأما القطب فيوجد في كلامهم أيضاً‏:‏ فلان من الأقطاب وفلان قطب فكل من دار عليه أمر من أمور الدين والدنيا باطناً أو ظاهراً فهو قطب ذلك الأمر ومداره سواء كان الدائر عليه أمر داره أو قرية أو مدينة أمر دينها أو دنياها باطناً أو ظاهراً ولا اختصاص لهذا معنى بسبعة ولا أقل ولا أكثر لكن الممدوح من ذلك من كان مداراً لصلاح الدين دون مجرد صلاح الدنيا وهذا هو القطب في عرفهم وقد يتفق في عصر آخر أن يتكافأ اثنان أو ثلاثة في الفضل عند الله ولا يجب أن يكون في كل زمان شخص واحد هو أفضل الخلق عند الله مطلقاً‏.‏

وكذلك لفظ البدل جاء في كلام كثير منهم فأما الحديث المرفوع فالأشبه أنه ليس من كلام النبي صلى الله عليه وسلم فإن الإيمان كان بالحجاز واليمن قبل فتوح الشام وكانت الشام والعراق دار كفر ثم في خلافة علي قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏"‏ تمرق مارقة على خير فرقة من المسلمين يقتلهم أولى الطائفتين بالحق ‏"‏ فكان علي وأصحابه أولى بالحق ممن قاتلهم من أهل الشام ومعلوم أن الذين كانوا مع علي من الصحابة مثل عمار وسهل بن حنيف ونحوهما كانوا أفضل من الذين مع معاوية وإن كان سعد بن أبي وقاص ونحوه من القاعدين أفضل ممن كان معهما فكيف يعتقد مع هذا أن الأبدال جميعهم الذين هم أفضل الخلق كانوا في أهل الشام هذا باطل قطعاً وإن كان قد ورد في الشام وأهله فضائل معروفة فقد جعل الله لكل شيء قدراً‏.‏

والكلام يجب أن يكون بالعلم وبالقسط فمن تكلم في الدين بغير علم دخل في قوله‏:‏ ‏"‏ ولا تقف ما ليس لك به علم ‏"‏ وفي قوله‏:‏ ‏"‏ وإن تقولوا على الله ما لا تعلمون ‏"‏ ومن لم يتكلم بقسط وعدل خرج من قوله‏:‏ ‏"‏ يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء الله ‏"‏ ومن قوله‏:‏ ‏"‏ وإذا قلتم فاعدلوا ‏"‏ ومن قوله‏:‏ ‏"‏ لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط ‏"‏‏.‏

والذين تكلموا باسم البدل أفردوه بمعان منها أنهم أبدال ومنها أنهم كلما مات منهم رجل أبدل الله مكانه رجلاً ومنها أنهم أبدلوا السيئات من أخلاقهم وأعمالهم وعقائدهم بالحسنات وهذه الصفات كلها لا تختص بأربعين ولا بأقل ولا أكثر ولا تحصر بأهل بقعة من الأرض وبهذا التحريز يظهر المعنى باسم النجباء فالغرض أن هذه الأسماء تارة تفسر بمعان باطلة بالكتاب والسنة وإجماع السلف مثل تفسير بعضهم بأن الغوث هو الذي يغيث الله به أهل الأرض من رزقهم ونصرهم فإن هذا نظير ما تقوله النصارى في الباب وهو معدوم العين والأثر وتشبيه بحال المنتظر الذي دخل السرداب من نحو أربعمائة وأربعين سنة وكذلك من فسر الأربعين الأبدال بأن الناس إنما ينصرون ويرزقون بهم فذلك باطل بل النصر والرزق يحصل بأسباب من أوكدها دعاء المسلمين المؤمنين وصلاتهم وأخلاصهم ولا يتقيد ذلك لا بأربعين ولا بأقل ولا أكثر كما في الحديث المعروف أن سعد بن أبي وقاص قال‏:‏ يا رسول الله الرجل يكون حامية القوم أيسهم له مثل ما يسهم لضعفتهم فقال‏:‏ ‏"‏ يا سعد وهل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم بدعائهم وصلاتهم وإخلاصهم ‏"‏ وقد يكون للنصر والرزق أسباب أخر فإن الكفار أيضاً والفجار ينصرون ويرزقون وقد يجدب الله الأرض على المؤمنين ويخيفهم من عدوهم لينيبوا إليه ويتوبوا من ذنوبهم فيجمع لهم بين غفران الذنوب وتفريج الكروب وقد يملي للكفار ويرسل السماء عليهم مدراراً ويمدهم بأموال وبنين ويستدرجهم من حيث لا يعلمون إما ليأخذهم في الدنيا أخذ عزيز مقتدر وإما ليضعف عليهم العذاب في الآخرة فليس كل إنعام كرامة ولا كل امتحان عقوبة قال الله تعالى‏:‏ ‏"‏ فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن وأما إذا ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن كلا ‏"‏‏.‏



تابعونا
ااااااااااا
ااااااااا
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://ehabmtwale.forumegypt.net
ايهاب متولى
مؤسس الموقع
مؤسس الموقع
avatar

عدد المساهمات : 1578
نقاط : 3229
تاريخ التسجيل : 10/01/2011
العمر : 39

مُساهمةموضوع: فصل وليس في أولياء الله المتقين   2011-08-04, 23:10

ولا أ
فصل وليس في أولياء الله المتقين بل نبياء الله من كان غائب الجسد

وليس في أولياء الله المتقين بل ولا أنبياء الله ولا المرسلين من كان غائب الجسد دائماً عن أبصار الناس بل هذا من جنس قول القائل بأن علياً في السحاب وأن محمداً بن الحنفية في جبال رضوى وأن محمد بن الحسن في سرداب سامراء وإن الحاكم في جبل مصر وأن الأبدال رجال الغيب في جبل لبنان فكل هذا ونحوه من قول أهل الإفك والبهتان نعم قد تخرق العادة في حق الشخص فيغيب تارة عن أبصار الناس إما لدفع عدو وإما لغير ذلك‏.‏

وأما أنه يكون هكذا طول عمره فباطل نعم يكون نور قلبه وهدى فؤاده وما فيه من أسرار الله وأمانته وأنواره ومعرفته غيباً عن الناس ويكون صلاحه وولايته غيباً عن أكثر الناس فهذا هو الواقع وأسرار الحق بينه وبين أوليائه وأكثر الناس لا يعلمون‏.‏



تابعوناا
ااااااااا
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://ehabmtwale.forumegypt.net
ايهاب متولى
مؤسس الموقع
مؤسس الموقع
avatar

عدد المساهمات : 1578
نقاط : 3229
تاريخ التسجيل : 10/01/2011
العمر : 39

مُساهمةموضوع: فصل في بيان عن بطلان اسم الغوث مطلقاً   2011-08-04, 23:12


فصل في بيان عن بطلان اسم الغوث مطلقاً

وقد بينا عن بطلان اسم الغوث مطلقاً واندرج في ذلك غوث العرب والعجم ومكة والغوث السابع وكذلك لفظ خاتم الأولياء لفظ باطل لا أصل له وأول من ذكره محمد بن علي الحكيم الترمذي وقد انتحله طائفة كل منهم يدعي أنه خاتم الأولياء كابن حمويه وابن العربي وغيرهما وكل منهم يدعي إنه أفضل من النبي صلى الله عليه وسلم من بعض الوجوه إلى غير ذلك من الكفر والبهتان وكل طمعاً في رياسة خاتم الأنبياء‏.‏

وقد غلطوا فإن خاتم الأنبياء إنما كان أفضلهم للإدلالة الدالة على ذلك وليس كذلك للأولياء فإن أفضل هذه الأمة السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار وخير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر وخير قرونها القرن الذي بعث فيهم النبي صلى الله عليه وسلم ثم الذي يلونهم ثم الذي يلونهم وخاتم الأولياء في الحقيقة هو آخر مؤمن تقي يكون من الناس وليس ذلك بخير الأولياء ولا أفضلهم بل خيرهم وأفضلهم أبو بكر ثم عمر اللذان ما طلعت الشمس وما غربت على أحد بعد النبيين والمرسلين أفضل منهما‏.‏



تاب
عونااااااااا
[/strike]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://ehabmtwale.forumegypt.net
ايهاب متولى
مؤسس الموقع
مؤسس الموقع
avatar

عدد المساهمات : 1578
نقاط : 3229
تاريخ التسجيل : 10/01/2011
العمر : 39

مُساهمةموضوع: فصل وأما هؤلاء القلندرية المحلقين اللحى فمن أهل الضلالة   2011-08-04, 23:13



فصل وأما هؤلاء القلندرية المحلقين اللحى فمن أهل الضلالة

وأما هؤلاء القلندرية المحلقين اللحى فمن أهل الضلالة والجهالة وأكثرهم كافرون بالله ورسوله لا يرون وجوب الصلاة والصيام ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق بل كثير منهم أكفر من اليهود والنصارى وهم ليسوا من أهل الملة ولا من أهل السنة وقد يكون فيهم من هو مسلم لكن مبتدع ضال أو فاسق فاجر ومن قال إن قلندر كان موجوداً في زمن النبي صلى الله عليه وسلم فقد كذب وافترى بل قد قيل أصل هذا الصنف أنهم كانوا قوماً من نساك الفرس يدورون على ما فيه راحة قلوبهم بعد أداء الفرائض واجتناب المحرمات هكذا فسرهم الشيخ أبو حفص السهروردي في عوارفه ثم إنهم بعد ذلك تركوا الواجبات وفعلوا المحرمات بمنزلة الملامية الذين كانوا يخفون بحسناتهم ويظهرون ما لا يظن بصاحبه الصلاح من زي الأغنياء ولبس العمامة فهذا قريب وصاحبه مأجور على نيته ثم حدث قوم فدخلوا في أمور مكروهة في الشريعة ثم زاد الأمر ففعل قوم المحرمات من الفواحش والمنكرات وترك الفرائض والواجبات وزعموا أن ذلك دخول منهم في الملاميات ولقد صدقوا في استحقاقهم اللوم والذم والعقاب من الله في الدنيا والآخرة وتجب عقوبتهم جميعاً ومنعهم من هذا الشعار الملعون كما يجب ذلك في كل معين ببدعة أو فجور وليس ذلك مختصاً بهم بل كل من كان من المنكسة والمتفقهة والمتعبدة والمتفقرة والمتزهدة والمتكلمة والمتفلسفة ومن وافقهم من الملوك والأغنياء والكتاب والحساب والأطباء وأهل الديوان والعامة خارجاً عن الهدى ودين الحق الذي بعث الله به رسوله باطناً وظاهراً مثل من يعتقد أن شيخه يرزقه وينصره أو يهديه أو يغيثه أو كان يعبد شيخه ويدعوه ويسجد له أو كان يفضله على النبي صلى الله عليه وسلم تفضيلاً مطلقاً أو مقيداً في شيء من الفضل الذي يقرب إلى الله تعالى أو كان يرى أنه هو وشيخه مستغن عن متابعة الرسول فكل هؤلاء الكفار إن أظهروا ومنافقون إن أبطنوا وهؤلاء الأجناس وإن كانوا قد كثروا في هذه الأزمان فلقلة دعاة العلم والإيمان وفتور آثار الرسالة في أكثر البلدان وأكثر هؤلاء ليس عندهم من آثار الرسالة وميراث النبوة ما يعرفون به الهدى وكثير منهم لم يبلغهم ذلك‏.‏

وفي أوقات الفترات وأمكنة الفترات يثاب الرجل على ما معه من الإيمان القليل ويغفر الله فيه لمن لم يقم الحجة عليه ما لا يغفر به لمن قامت الحجة عليه كما في الحديث المعروف ‏"‏ يأتي على الناس زمان لا يعرفون فيه صلاة ولا صياماً ولا حجاً ولا عمرة إلا الشيخ الكبير والعجوز الكبيرة ويقولون أدركنا آباءنا وهم يقولون‏:‏ لا إله إلا الله ‏"‏ فقيل لحذيفة بن اليمان‏:‏ ما تغني عنهم لا إله إلا الله فقال‏:‏ تنجيهم من النار تنجيهم من النار تنجيهم من النار‏.‏

وأصل ذلك أن المقالة التي هي كفر بالكتاب أو السنة أو الإجماع يقال هي كفر قولاً يطلق كما دل على ذلك لدليل الشرعي فإن الإيمان من الأحكام المتلقاة عن الله ورسوله ليس ذلك مما يحكم فيه الناس بظنونهم وأهوائهم ولا يجب أن يحكم كل شخص قال ذلك بأنه كافر حتى يثبت في حقه شروط التكفير وتنفى موانعه مثل من قال إن الخمر أو الربا حلال لقرب عهده بالإسلام أو لنشوئه في بادية بعيدة أو سمع كلاماً أنكره ولم يعتقد أنه من القرآن ولا أنه من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم كما كان بعض السلف ينكر أشياء حتى يثبت عنده أن النبي صلى الله عليه وسلم قالها وكما كان الصحابة يشكون في أشياء مثل رؤية الله وغير ذلك حتى يسألوا عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ومثل الذي قال‏:‏ إذا أنا مت فاسحقوني وذروني في اليم لعلي أضل عن الله ونحو ذلك فإن هؤلاء لا يكفرون حتى تقوم عليهم الحجة بالرسالة كما قال الله تعالى‏:‏ ‏"‏ لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل ‏"‏ وقد عفا الله لهذه الأمة عن الخطأ والنسيان وقد أشبعنا الكلام في القواعد التي في هذا الجواب في أماكنها والفتوى لا تحتمل


تا
بعونااااااا
ااااااااا
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://ehabmtwale.forumegypt.net
ايهاب متولى
مؤسس الموقع
مؤسس الموقع
avatar

عدد المساهمات : 1578
نقاط : 3229
تاريخ التسجيل : 10/01/2011
العمر : 39

مُساهمةموضوع: فصل وأما هؤلاء القلندرية المحلقين اللحى فمن أهل الضلالة   2011-08-04, 23:14



فصل وأما هؤلاء القلندرية المحلقين اللحى فمن أهل الضلالة

وأما هؤلاء القلندرية المحلقين اللحى فمن أهل الضلالة والجهالة وأكثرهم كافرون بالله ورسوله لا يرون وجوب الصلاة والصيام ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق بل كثير منهم أكفر من اليهود والنصارى وهم ليسوا من أهل الملة ولا من أهل السنة وقد يكون فيهم من هو مسلم لكن مبتدع ضال أو فاسق فاجر ومن قال إن قلندر كان موجوداً في زمن النبي صلى الله عليه وسلم فقد كذب وافترى بل قد قيل أصل هذا الصنف أنهم كانوا قوماً من نساك الفرس يدورون على ما فيه راحة قلوبهم بعد أداء الفرائض واجتناب المحرمات هكذا فسرهم الشيخ أبو حفص السهروردي في عوارفه ثم إنهم بعد ذلك تركوا الواجبات وفعلوا المحرمات بمنزلة الملامية الذين كانوا يخفون بحسناتهم ويظهرون ما لا يظن بصاحبه الصلاح من زي الأغنياء ولبس العمامة فهذا قريب وصاحبه مأجور على نيته ثم حدث قوم فدخلوا في أمور مكروهة في الشريعة ثم زاد الأمر ففعل قوم المحرمات من الفواحش والمنكرات وترك الفرائض والواجبات وزعموا أن ذلك دخول منهم في الملاميات ولقد صدقوا في استحقاقهم اللوم والذم والعقاب من الله في الدنيا والآخرة وتجب عقوبتهم جميعاً ومنعهم من هذا الشعار الملعون كما يجب ذلك في كل معين ببدعة أو فجور وليس ذلك مختصاً بهم بل كل من كان من المنكسة والمتفقهة والمتعبدة والمتفقرة والمتزهدة والمتكلمة والمتفلسفة ومن وافقهم من الملوك والأغنياء والكتاب والحساب والأطباء وأهل الديوان والعامة خارجاً عن الهدى ودين الحق الذي بعث الله به رسوله باطناً وظاهراً مثل من يعتقد أن شيخه يرزقه وينصره أو يهديه أو يغيثه أو كان يعبد شيخه ويدعوه ويسجد له أو كان يفضله على النبي صلى الله عليه وسلم تفضيلاً مطلقاً أو مقيداً في شيء من الفضل الذي يقرب إلى الله تعالى أو كان يرى أنه هو وشيخه مستغن عن متابعة الرسول فكل هؤلاء الكفار إن أظهروا ومنافقون إن أبطنوا وهؤلاء الأجناس وإن كانوا قد كثروا في هذه الأزمان فلقلة دعاة العلم والإيمان وفتور آثار الرسالة في أكثر البلدان وأكثر هؤلاء ليس عندهم من آثار الرسالة وميراث النبوة ما يعرفون به الهدى وكثير منهم لم يبلغهم ذلك‏.‏

وفي أوقات الفترات وأمكنة الفترات يثاب الرجل على ما معه من الإيمان القليل ويغفر الله فيه لمن لم يقم الحجة عليه ما لا يغفر به لمن قامت الحجة عليه كما في الحديث المعروف ‏"‏ يأتي على الناس زمان لا يعرفون فيه صلاة ولا صياماً ولا حجاً ولا عمرة إلا الشيخ الكبير والعجوز الكبيرة ويقولون أدركنا آباءنا وهم يقولون‏:‏ لا إله إلا الله ‏"‏ فقيل لحذيفة بن اليمان‏:‏ ما تغني عنهم لا إله إلا الله فقال‏:‏ تنجيهم من النار تنجيهم من النار تنجيهم من النار‏.‏

وأصل ذلك أن المقالة التي هي كفر بالكتاب أو السنة أو الإجماع يقال هي كفر قولاً يطلق كما دل على ذلك لدليل الشرعي فإن الإيمان من الأحكام المتلقاة عن الله ورسوله ليس ذلك مما يحكم فيه الناس بظنونهم وأهوائهم ولا يجب أن يحكم كل شخص قال ذلك بأنه كافر حتى يثبت في حقه شروط التكفير وتنفى موانعه مثل من قال إن الخمر أو الربا حلال لقرب عهده بالإسلام أو لنشوئه في بادية بعيدة أو سمع كلاماً أنكره ولم يعتقد أنه من القرآن ولا أنه من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم كما كان بعض السلف ينكر أشياء حتى يثبت عنده أن النبي صلى الله عليه وسلم قالها وكما كان الصحابة يشكون في أشياء مثل رؤية الله وغير ذلك حتى يسألوا عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ومثل الذي قال‏:‏ إذا أنا مت فاسحقوني وذروني في اليم لعلي أضل عن الله ونحو ذلك فإن هؤلاء لا يكفرون حتى تقوم عليهم الحجة بالرسالة كما قال الله تعالى‏:‏ ‏"‏ لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل ‏"‏ وقد عفا الله لهذه الأمة عن الخطأ والنسيان وقد أشبعنا الكلام في القواعد التي في هذا الجواب في أماكنها والفتوى لا تحتمل


تا
بعونااااااا
ااااااااا
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://ehabmtwale.forumegypt.net
ايهاب متولى
مؤسس الموقع
مؤسس الموقع
avatar

عدد المساهمات : 1578
نقاط : 3229
تاريخ التسجيل : 10/01/2011
العمر : 39

مُساهمةموضوع: فصل وأما النذر للقبور أو لسكان القبور أو العاكفين على القبور   2011-08-04, 23:15




فصل وأما النذر للقبور أو لسكان القبور أو العاكفين على القبور

وأما النذر للقبور أو لسكان القبور أو العاكفين على القبور سواء كانت قبور الأنبياء أو الصالحين فهو نذر حرام باطل يشبه النذر للأوثان سواء كان نذر زيت أو شمع أو غير ذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ لعن الله زوار القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج ‏"‏ وقال‏:‏ ‏"‏ لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ‏"‏ يحذر ما فعلوا وقال‏:‏ ‏"‏ إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك ‏"‏ وقال‏:‏ ‏"‏ اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد من بعدي ‏"‏‏.‏

وقد اتفق أئمة الدين على أنه لا يشرع بناء المساجد على القبور ولا أن تعلق عليها الستور ولا أن ينذر لها النذور ولا أن يوضع عندها الذهب والفضة بل حكم هذه الأموال أن تصرف في مصالح المسلمين إذا لم يكن لها مستحق معين ويجب هدم كل مسجد بني على قبر كائناً من كان الميت فإن ذلك من أكبر أسباب عبادة الأوثان كما قال تعالى‏:‏ ‏"‏ وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن وداً ولا سواعاً ولا يغوث ويعوق ونسراً وقد أضلوا كثيراً ‏"‏‏.‏

وقال طائفة من السلف‏:‏ هذه أسماء قوم صالحين لما ماتوا عكفوا على قبورهم ثم عبدوهم ومن نذر لها نذراً لم يجز له الوفاء لما ثبت في الصحاح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏"‏ من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه ‏"‏ وعليه كفارة يمين ولما روي ومن العلماء من لا يوجب عليه الاستغفار والتوبة ومن الحسن أن يصرف ما نذره في نظير من المشروع مثل أن يصرف الدهن إلى تنوير المساجد والنفقة إلى صالحة فقراء المؤمنين وإن كانوا من أقارب الشيخ ونحو ذلك وهذا الحكم عام في قبر نفيسة ومن هو أكبر من نفيسة من الصحابة مثل قبر طلحة والزبير وغيرهما بالبصرة وقبر سلمان الفارسي وغيره بالعراق والمشاهد المنسوبة إلى علي رضي الله عنه والحسين وموسى وجعفر وقبر مثل معروف الكرخي وأحمد بن حنبل وغيرهم رضي الله عنهم‏.‏

ومن اعتقد أن بالنذور لها نفعاً أو أجراً ما فهو ضال جاهل فقد ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن النذر وقال‏:‏ ‏"‏ أنه لا يأتي بخير وإنما يستخرج به من البخيل ‏"‏ وفي رواية‏:‏ ‏"‏ إنما يلقي ابن آدم إلى القدر ‏"‏ فإذا كان هذا في نذر الطاعة فكيف في نذر المعصية فيعتقدون أنها باب الحوائج إلى الله وأنها تكشف الضر وتفتح الرزق وتحفظ مصر فهذا كافر مشرك يجب قتله وكذلك من اعتقد ذلك في غيرها كائناً من كان‏:‏ ‏"‏ قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلاً أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذوراً قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما منهم من ظهير ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له‏.‏

‏.‏

‏.‏

الله الذي خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع أفلا تذكرون وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد فإياي فارهبون وله ما في السموات والأرض وله الدين واصباً أفغير الله تتقون وما بكم من نعمة فمن الله ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون ثم إذا كشف الضر عنكم إذا فريق منكم بربهم يشركون ليكفروا بما آتيناهم فتمتعوا فسوف تعلمون ‏"‏‏.‏

والقرآن من أوله إلى آخره وجميع الكتب والرسل إنما بعثوا بأن يعبد الله وحده لا شريك له وأن لا يجعلوا مع الله إلها آخر والإله من يألهه القلب عبادة واستعانة وإجلالاً وإكراماً وخوفاً ورجاءً كما هو حال المشركين في آلهتهم وإن اعتقد المشرك أن ما يألهه مخلوق مصنوع كما كان المشركون يقولون في تلبيتهم‏:‏ لبيك لا شريك لك إلا شريكاً هو لك تملكه وما ملك وقال النبي صلى الله عليه وسلم لحصين الخزاعي‏:‏ ‏"‏ يا حصين كم تعبد ‏"‏ قال‏:‏ أعبد سبعة آلهة ستة في الأرض وواحد في السماء قال‏:‏ ‏"‏ فمن ذا الذي تعبده لرغبتك ورهبتك ‏"‏ قال‏:‏ الذي في السماء قال‏:‏ ‏"‏ يا حصين فأسلم حتى أعلمك كلمات ينفعك الله بهن ‏"‏ فلما أسلم قال‏:‏ ‏"‏ قل اللهم ألهمني رشدي وقني شر نفسي ‏"‏‏.‏


تابعوناااا
ااااااااا
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://ehabmtwale.forumegypt.net
ايهاب متولى
مؤسس الموقع
مؤسس الموقع
avatar

عدد المساهمات : 1578
نقاط : 3229
تاريخ التسجيل : 10/01/2011
العمر : 39

مُساهمةموضوع: فصل وأما من زعم أن الملائكة والأنبياء   2011-08-04, 23:17

فصل وأما من زعم أن الملائكة والأنبياء

وأما من زعم أن الملائكة والأنبياء تحضر سماع المكاء والتصدية محبة له ورغبة فيه فهو كاذب مفتر بل إنما تحضره الشياطين وهي تنزل عليهم وتنفخ فيهم كما روى الطبراني وغيره عن ابن عباس مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ إن الشيطان قال‏:‏ يا رب اجعل لي بيتاً قال‏:‏ بيتك الحمام قال‏:‏ اجعل لي قرآناً قال‏:‏ قرآنك الشعر قال‏:‏ اجعل لي مؤذناً قال‏:‏ مؤذنك المزمار ‏"‏ وقد قال تعالى في كتابه مخاطباً للشيطان‏:‏ ‏"‏ واستفزز من استطعت منهم بصوتك ‏"‏ وقد فسر ذلك طائفة من السلف بصوت الغناء وهو شامل له ولغيره من الأصوات المستفزة لأصحابها عن سبيل الله‏.‏

وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏"‏ إنما نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين صوت لهو ولعب ومزامير الشيطان وصوت لطم خدود وشق جيوب ودعاء بدعوى الجاهلية ذات المكاء والتصدية ‏"‏‏.‏

وكيف يذر الشيطان عليهم حتى يتواجدوا الوجد الشيطاني حتى إن بعضهم صار يرقص فوق رؤوس الحاضرين‏.‏

ورأى بعض المشايخ المكاشفين أن شيطانه قد حمله حتى رقص به فلما صرخ قال‏:‏ هرب شيطانه وسقط ذلك الرجل‏.‏

وهذه الأمور لها أسرار وحقائق لا يشهدها إلا أهل البصائر الإيمانية والمشاهد الإيقانية ولكن من اتبع ما جاءت به الشريعة وأعرض عن السبل المبتدعة فقد حصل له الهدى وخير الدنيا والآخرة وإن لم يعرف حقائق الأمور بمنزلة من سلك السبيل إلى مكة خلف الدليل الهادي فإنه يصل إلى مقصوده ويجد الزاد والماء في مواطنه وإن لم يعرف كيف يحصل ذلك وسببه ومن سلك خلف غير الدليل الهادي كان ضالاً عن الطريق فإما أن يهلك وإما أن يشقى مدة ثم يعود إلى الطريق والدليل الهادي هو الرسول الذي بعثه الله إلى الناس بشيراً نذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وهادياً إلى صراط مستقيم صراط الله الذي له ملك السموات والأرض وآثار الشيطان تظهر على أهل السماع الجاهلي مثل الإزباد والإرعاد والصرخات المنكرة ونحو ذلك ما يجدون في نفوسهم من ثوران مراد الشيطان بحسب الصوت إما وجد في الهوى مذموم وإما غضب وعدوان على من هو مظلوم وإما لطم وشق ثياب وصياح كصياح المخزون المحروم إلى غير ذلك من الآثار الشيطانية التي تعتري أهل الاجتماع على شرب الخمر إذا سكروا بها فإن السكر بالأصوات المطربة قد تصير من جنس الإسكار بالأشربة المطربة فتصدهم عن ذكر الله وعن الصلاة وتمنع قلوبهم حلاوة القرآن وفهم معانيه وإتباعه فيصيرون مضارعين للذين يشترون لهو الحديث ليضلوا عن سبيل الله ويوقع بينهم العداوة والبغضاء حتى بقتل بعضهم بعضاً بأحواله الفاسدة الشيطانية كما يقتل العائن من أصابه بعينه ولهذا قال من قال من العلماء‏:‏ إن هؤلاء يجب عليهم القود أو الدية إذا عرف أنهم قتلوا بالأحوال الشيطانية الفاسدة لأنهم ظالمون وهم إنما يغتبطون بما ينفذونه من موادهم المحرمة كما يغتبط الظلمة المسلطون ومن هذا الجنس حال خفراء الكافرين والمبتدعين والظالمين فإنهم قد يكون لهم زهد وعبادة وهمة كما يكون للمشركين وأهل الكتاب وكما كان للخوارج المارقين الذين قال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم وقراءته مع قراءتهم يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية أينما لقيتموها فاقتلوهم فإن في قتلهم أجراً عند الله لمن قتلهم يوم القيامة ‏"‏ وقد يكون لهم مع ذلك أحوال باطنة كما يكون لهم ملكة ظاهرة فإن سلطان الباطن معناه السلطان الظاهر ولا يكون من أولياء الله إلا من كان من الذين آمنوا وكانوا يتقون وما فعلوه من الإعانة على الظلم فهم يستحقون العقاب عليه بقدر الذنب وباب القدرة والتمكن باطناً والتمكن وظاهراً ليس مستلزماً لولاية الله تعالى بل قد يكون ولي الله متمكناً ذا سلطان وقد يكون مستضعفاً إلى أن ينصره الله وقد يكون عدو الله مستضعفاً وقد يكون سلطاناً إلى أن ينتقم الله منه فخفراء التتار في الباطن من جنس التتار في الظاهر هؤلاء في العباد بمنزلة هؤلاء في الأجناد‏.‏

وأما الغلبة فإن الله قد يديل الكافرين على المؤمنين تارة كما يديل المؤمنين على الكافرين كما كان يكون لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم مع عدوهم لكن العاقبة للمتقين فإن الله يقول‏:‏ ‏"‏ إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد ‏"‏ وإذا كان في المسلمين ضعف وكان العدو مستظهراً عليهم كان ذلك بسبب ذنوبهم وخطاياهم إما لتفريطهم في أداء الواجبات باطناً وظاهراً وإما بعدوانهم بتعدي الحدود باطناً وظاهراً وقال الله تعالى‏:‏ ‏"‏ إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ‏"‏ وقال تعالى‏:‏ ‏"‏ أو لما أصابتكم قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم ‏"‏ وقد قال تعالى‏:‏ ‏"‏ ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور ‏"‏‏.‏





تابعون
ااااااااا
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://ehabmtwale.forumegypt.net
ايهاب متولى
مؤسس الموقع
مؤسس الموقع
avatar

عدد المساهمات : 1578
نقاط : 3229
تاريخ التسجيل : 10/01/2011
العمر : 39

مُساهمةموضوع: فصل وأما من زعم أن الملائكة والأنبياء   2011-08-04, 23:17

فصل وأما من زعم أن الملائكة والأنبياء

وأما من زعم أن الملائكة والأنبياء تحضر سماع المكاء والتصدية محبة له ورغبة فيه فهو كاذب مفتر بل إنما تحضره الشياطين وهي تنزل عليهم وتنفخ فيهم كما روى الطبراني وغيره عن ابن عباس مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ إن الشيطان قال‏:‏ يا رب اجعل لي بيتاً قال‏:‏ بيتك الحمام قال‏:‏ اجعل لي قرآناً قال‏:‏ قرآنك الشعر قال‏:‏ اجعل لي مؤذناً قال‏:‏ مؤذنك المزمار ‏"‏ وقد قال تعالى في كتابه مخاطباً للشيطان‏:‏ ‏"‏ واستفزز من استطعت منهم بصوتك ‏"‏ وقد فسر ذلك طائفة من السلف بصوت الغناء وهو شامل له ولغيره من الأصوات المستفزة لأصحابها عن سبيل الله‏.‏

وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏"‏ إنما نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين صوت لهو ولعب ومزامير الشيطان وصوت لطم خدود وشق جيوب ودعاء بدعوى الجاهلية ذات المكاء والتصدية ‏"‏‏.‏

وكيف يذر الشيطان عليهم حتى يتواجدوا الوجد الشيطاني حتى إن بعضهم صار يرقص فوق رؤوس الحاضرين‏.‏

ورأى بعض المشايخ المكاشفين أن شيطانه قد حمله حتى رقص به فلما صرخ قال‏:‏ هرب شيطانه وسقط ذلك الرجل‏.‏

وهذه الأمور لها أسرار وحقائق لا يشهدها إلا أهل البصائر الإيمانية والمشاهد الإيقانية ولكن من اتبع ما جاءت به الشريعة وأعرض عن السبل المبتدعة فقد حصل له الهدى وخير الدنيا والآخرة وإن لم يعرف حقائق الأمور بمنزلة من سلك السبيل إلى مكة خلف الدليل الهادي فإنه يصل إلى مقصوده ويجد الزاد والماء في مواطنه وإن لم يعرف كيف يحصل ذلك وسببه ومن سلك خلف غير الدليل الهادي كان ضالاً عن الطريق فإما أن يهلك وإما أن يشقى مدة ثم يعود إلى الطريق والدليل الهادي هو الرسول الذي بعثه الله إلى الناس بشيراً نذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وهادياً إلى صراط مستقيم صراط الله الذي له ملك السموات والأرض وآثار الشيطان تظهر على أهل السماع الجاهلي مثل الإزباد والإرعاد والصرخات المنكرة ونحو ذلك ما يجدون في نفوسهم من ثوران مراد الشيطان بحسب الصوت إما وجد في الهوى مذموم وإما غضب وعدوان على من هو مظلوم وإما لطم وشق ثياب وصياح كصياح المخزون المحروم إلى غير ذلك من الآثار الشيطانية التي تعتري أهل الاجتماع على شرب الخمر إذا سكروا بها فإن السكر بالأصوات المطربة قد تصير من جنس الإسكار بالأشربة المطربة فتصدهم عن ذكر الله وعن الصلاة وتمنع قلوبهم حلاوة القرآن وفهم معانيه وإتباعه فيصيرون مضارعين للذين يشترون لهو الحديث ليضلوا عن سبيل الله ويوقع بينهم العداوة والبغضاء حتى بقتل بعضهم بعضاً بأحواله الفاسدة الشيطانية كما يقتل العائن من أصابه بعينه ولهذا قال من قال من العلماء‏:‏ إن هؤلاء يجب عليهم القود أو الدية إذا عرف أنهم قتلوا بالأحوال الشيطانية الفاسدة لأنهم ظالمون وهم إنما يغتبطون بما ينفذونه من موادهم المحرمة كما يغتبط الظلمة المسلطون ومن هذا الجنس حال خفراء الكافرين والمبتدعين والظالمين فإنهم قد يكون لهم زهد وعبادة وهمة كما يكون للمشركين وأهل الكتاب وكما كان للخوارج المارقين الذين قال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم وقراءته مع قراءتهم يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية أينما لقيتموها فاقتلوهم فإن في قتلهم أجراً عند الله لمن قتلهم يوم القيامة ‏"‏ وقد يكون لهم مع ذلك أحوال باطنة كما يكون لهم ملكة ظاهرة فإن سلطان الباطن معناه السلطان الظاهر ولا يكون من أولياء الله إلا من كان من الذين آمنوا وكانوا يتقون وما فعلوه من الإعانة على الظلم فهم يستحقون العقاب عليه بقدر الذنب وباب القدرة والتمكن باطناً والتمكن وظاهراً ليس مستلزماً لولاية الله تعالى بل قد يكون ولي الله متمكناً ذا سلطان وقد يكون مستضعفاً إلى أن ينصره الله وقد يكون عدو الله مستضعفاً وقد يكون سلطاناً إلى أن ينتقم الله منه فخفراء التتار في الباطن من جنس التتار في الظاهر هؤلاء في العباد بمنزلة هؤلاء في الأجناد‏.‏

وأما الغلبة فإن الله قد يديل الكافرين على المؤمنين تارة كما يديل المؤمنين على الكافرين كما كان يكون لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم مع عدوهم لكن العاقبة للمتقين فإن الله يقول‏:‏ ‏"‏ إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد ‏"‏ وإذا كان في المسلمين ضعف وكان العدو مستظهراً عليهم كان ذلك بسبب ذنوبهم وخطاياهم إما لتفريطهم في أداء الواجبات باطناً وظاهراً وإما بعدوانهم بتعدي الحدود باطناً وظاهراً وقال الله تعالى‏:‏ ‏"‏ إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ‏"‏ وقال تعالى‏:‏ ‏"‏ أو لما أصابتكم قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم ‏"‏ وقد قال تعالى‏:‏ ‏"‏ ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور ‏"‏‏.‏





تابعون
ااااااااا
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://ehabmtwale.forumegypt.net
ايهاب متولى
مؤسس الموقع
مؤسس الموقع
avatar

عدد المساهمات : 1578
نقاط : 3229
تاريخ التسجيل : 10/01/2011
العمر : 39

مُساهمةموضوع: فصل وأما هذه المشاهد المشهورة   2011-08-04, 23:19



فصل وأما هذه المشاهد المشهورة

وأما هذه المشاهد المشهورة فمنها ما هو كذب قطعاً مثل المشهد الذي بظاهر دمشق المضاف إلى أبي بن كعب والمشهد الذي في ظاهرها المضاف إلى أويس القرني والمشهد الذي في سفح لبنان المضاف إلى نوح عليه السلام والمشهد الذي بمصر المضاف إلى الحسين - إلى غير ذلك من المشاهد التي يطول شرحها بالشام والعراق ومصر وسائر الأمصار حتى قال طائفة من العلماء منهم عبد العزيز الكناني‏:‏ كل هذه القبور المضافة إلى الأنبياء لا يصح فيها إلا قبر النبي صلى الله عليه وسلم وقد أثبت غيره قبر الخليل عليه السلام أيضاً وأما مشهد علي فعامة العلماء على أنه ليس قبره بل قد قيل إنه قبر المغيرة بن شعبة وذلك أنه إنما ظهر بعد نحو ثلثمائة سنة من موت علي في إمارة بني بويه وذكروا أن أصل ذلك حكاية بلغتهم عن الرشيد أنه أتى إلى ذلك المكان وجعل يعتذر إلى من فيه مما جرى بينه وبين ذرية علي وبمثل هذه الحكاية لا يقوم شيء فالرشيد أيضاً لا علم له بذلك ولعل هذه الحكاية إن صحت عنه فقد قيل له ذلك كما قيل لغيره وجمهور أهل المعرفة يقولون أن علياً إنما دفن في قصر الإمارة أو قريباً منه وهذا هو السنة فإن حمل ميت من الكوفة إلى مكان بعيد ليس فيه فضيلة أمر غير مشروع فلا يظن بآل علي رضي الله عنهم أنهم فعلوا به ذلك ولا يظن أيضاً أن ذلك خفي على أهل بيته والمسلمين ثلاثمائة سنة حتى أظهره قوم من الأعاجم الجهال ذوي الأهواء وكذلك قبر معاوية الذي بظاهر دمشق قد قيل إنه ليس قبر معاوية وإن قبره بحائط مسجد دمشق الذي يقال إنه قبر هود وأصل ذلك أن عامة هذه القبور مضطرب مختلف لا يكاد يوقف منه على علم إلا في قليل منها بعد بحث شديد وهذا لأن معرفتها وبناء المساجد عليها ليس من شريعة الإسلام ولا ذلك من حكم الذكر الذي تكفل الله بحفظه حيث قال‏:‏ ‏"‏ إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ‏"‏ بل قد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عما يفعله المبتدعون عندها مثل قوله الذي رواه مسلم في صحيحه عن جندب بن عبد الله قال‏:‏ سمعت النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يموت بخمس وهو يقول‏:‏ ‏"‏ إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك ‏"‏ وقال‏:‏ ‏"‏ لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ‏"‏ وقد اتفق أئمة الإسلام على أنه لا يشرع بناء هذه المشاهد التي على القبور ولا يشرع اتخاذها مساجد ولا تشرع الصلاة عندها ولا يشرع قصدها لأجل التعبد عندها بصلاة واعتكاف أو استغاثة وابتهال ونحو ذلك وكرهوا الصلاة عندها ثم كثير منهم قال‏:‏ الصلاة باطلة لأجل النهي عنها وإنما السنة إذا زار قبر مسلم ميت إما نبي أو رجل صالح أو غيرهما أن يسلم عليه ويدعو له بمنزلة الصلاة على جنازته كما جمع الله بين هذين حيث يقول في المنافقين‏:‏ ‏"‏ ولا تصل على أحد منهم مات أبداً ولا تقم على قبره ‏"‏ فكان دليل الخطاب أن المؤمنين يصلى عليهم ويقام على قبورهم وفي السنن أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دفن الميت من أصحابه يقوم على قبره ثم يقول‏:‏ ‏"‏ سلوا له التثبيت فإنه الآن يسأل ‏"‏‏.‏

وفي الصحيح أنه كان يعلم أصحابه أن يقولوا إذا زاروا القبور‏:‏ ‏"‏ السلام عليكم أهل دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون ويرحم الله المستقدمين منا ومنك والمستأخرين نسأل الله لنا ولكم العافية اللهم لا ترحمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم واغفر لنا ولهم ‏"‏‏.‏

وإنما دين الله تعالى تعظيم بيوت الله وحده لا شريك له وهي المساجد التي تشرع فيها الصلوات جماعة وغير جماعة والاعتكاف وسائر العبادات البدنية والقلبية من القراءة والذكر والدعاء والذكر والدعاء لله قال تعالى‏:‏ ‏"‏ وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحداً ‏"‏ وقال تعالى‏:‏ ‏"‏ قل أمر ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد وادعوه مخلصين له الدين ‏"‏ وقال تعالى‏:‏ ‏"‏ يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد ‏"‏ وقال تعالى‏:‏ ‏"‏ إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين ‏"‏ وقال تعالى‏:‏ ‏"‏ في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ويزيدهم من فضله والله يرزق من يشاء بغير حساب ‏"‏ فهذا دين المسلمين الذين يعبدون الله مخلصين له الدين‏.‏

وأما اتخاذ القبور أوثاناً فهو من دين المشركين الذي نهى عنه سيد المرسلين والله تعالى يصلح حال جميع المسلمين والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً طيباً مباركاً كما هو أهله‏.‏

تمت الرسالة‏.‏

إبطال وحدة الوجود والرد على القائلين بها لشيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن تيمية رضي الله عنه‏:‏



ت
ابعوناااااا
ااااااااا
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://ehabmtwale.forumegypt.net
ايهاب متولى
مؤسس الموقع
مؤسس الموقع
avatar

عدد المساهمات : 1578
نقاط : 3229
تاريخ التسجيل : 10/01/2011
العمر : 39

مُساهمةموضوع: فصل وأما هذه المشاهد المشهورة   2011-08-04, 23:19



فصل وأما هذه المشاهد المشهورة

وأما هذه المشاهد المشهورة فمنها ما هو كذب قطعاً مثل المشهد الذي بظاهر دمشق المضاف إلى أبي بن كعب والمشهد الذي في ظاهرها المضاف إلى أويس القرني والمشهد الذي في سفح لبنان المضاف إلى نوح عليه السلام والمشهد الذي بمصر المضاف إلى الحسين - إلى غير ذلك من المشاهد التي يطول شرحها بالشام والعراق ومصر وسائر الأمصار حتى قال طائفة من العلماء منهم عبد العزيز الكناني‏:‏ كل هذه القبور المضافة إلى الأنبياء لا يصح فيها إلا قبر النبي صلى الله عليه وسلم وقد أثبت غيره قبر الخليل عليه السلام أيضاً وأما مشهد علي فعامة العلماء على أنه ليس قبره بل قد قيل إنه قبر المغيرة بن شعبة وذلك أنه إنما ظهر بعد نحو ثلثمائة سنة من موت علي في إمارة بني بويه وذكروا أن أصل ذلك حكاية بلغتهم عن الرشيد أنه أتى إلى ذلك المكان وجعل يعتذر إلى من فيه مما جرى بينه وبين ذرية علي وبمثل هذه الحكاية لا يقوم شيء فالرشيد أيضاً لا علم له بذلك ولعل هذه الحكاية إن صحت عنه فقد قيل له ذلك كما قيل لغيره وجمهور أهل المعرفة يقولون أن علياً إنما دفن في قصر الإمارة أو قريباً منه وهذا هو السنة فإن حمل ميت من الكوفة إلى مكان بعيد ليس فيه فضيلة أمر غير مشروع فلا يظن بآل علي رضي الله عنهم أنهم فعلوا به ذلك ولا يظن أيضاً أن ذلك خفي على أهل بيته والمسلمين ثلاثمائة سنة حتى أظهره قوم من الأعاجم الجهال ذوي الأهواء وكذلك قبر معاوية الذي بظاهر دمشق قد قيل إنه ليس قبر معاوية وإن قبره بحائط مسجد دمشق الذي يقال إنه قبر هود وأصل ذلك أن عامة هذه القبور مضطرب مختلف لا يكاد يوقف منه على علم إلا في قليل منها بعد بحث شديد وهذا لأن معرفتها وبناء المساجد عليها ليس من شريعة الإسلام ولا ذلك من حكم الذكر الذي تكفل الله بحفظه حيث قال‏:‏ ‏"‏ إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ‏"‏ بل قد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عما يفعله المبتدعون عندها مثل قوله الذي رواه مسلم في صحيحه عن جندب بن عبد الله قال‏:‏ سمعت النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يموت بخمس وهو يقول‏:‏ ‏"‏ إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك ‏"‏ وقال‏:‏ ‏"‏ لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ‏"‏ وقد اتفق أئمة الإسلام على أنه لا يشرع بناء هذه المشاهد التي على القبور ولا يشرع اتخاذها مساجد ولا تشرع الصلاة عندها ولا يشرع قصدها لأجل التعبد عندها بصلاة واعتكاف أو استغاثة وابتهال ونحو ذلك وكرهوا الصلاة عندها ثم كثير منهم قال‏:‏ الصلاة باطلة لأجل النهي عنها وإنما السنة إذا زار قبر مسلم ميت إما نبي أو رجل صالح أو غيرهما أن يسلم عليه ويدعو له بمنزلة الصلاة على جنازته كما جمع الله بين هذين حيث يقول في المنافقين‏:‏ ‏"‏ ولا تصل على أحد منهم مات أبداً ولا تقم على قبره ‏"‏ فكان دليل الخطاب أن المؤمنين يصلى عليهم ويقام على قبورهم وفي السنن أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دفن الميت من أصحابه يقوم على قبره ثم يقول‏:‏ ‏"‏ سلوا له التثبيت فإنه الآن يسأل ‏"‏‏.‏

وفي الصحيح أنه كان يعلم أصحابه أن يقولوا إذا زاروا القبور‏:‏ ‏"‏ السلام عليكم أهل دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون ويرحم الله المستقدمين منا ومنك والمستأخرين نسأل الله لنا ولكم العافية اللهم لا ترحمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم واغفر لنا ولهم ‏"‏‏.‏

وإنما دين الله تعالى تعظيم بيوت الله وحده لا شريك له وهي المساجد التي تشرع فيها الصلوات جماعة وغير جماعة والاعتكاف وسائر العبادات البدنية والقلبية من القراءة والذكر والدعاء والذكر والدعاء لله قال تعالى‏:‏ ‏"‏ وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحداً ‏"‏ وقال تعالى‏:‏ ‏"‏ قل أمر ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد وادعوه مخلصين له الدين ‏"‏ وقال تعالى‏:‏ ‏"‏ يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد ‏"‏ وقال تعالى‏:‏ ‏"‏ إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين ‏"‏ وقال تعالى‏:‏ ‏"‏ في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ويزيدهم من فضله والله يرزق من يشاء بغير حساب ‏"‏ فهذا دين المسلمين الذين يعبدون الله مخلصين له الدين‏.‏

وأما اتخاذ القبور أوثاناً فهو من دين المشركين الذي نهى عنه سيد المرسلين والله تعالى يصلح حال جميع المسلمين والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً طيباً مباركاً كما هو أهله‏.‏

تمت الرسالة‏.‏

إبطال وحدة الوجود والرد على القائلين بها لشيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن تيمية رضي الله عنه‏:‏



ت
ابعوناااااا
ااااااااا
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://ehabmtwale.forumegypt.net
ايهاب متولى
مؤسس الموقع
مؤسس الموقع
avatar

عدد المساهمات : 1578
نقاط : 3229
تاريخ التسجيل : 10/01/2011
العمر : 39

مُساهمةموضوع: سئل شيخ الإسلام عن كراس وجد بخط بعض الثقات قد ذكر فيها كلام جماعة من الناس فمما فيه‏.‏   2011-08-04, 23:22




سئل شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس أحمد بن تيمية رضي الله تعالى عنه

عن كراس وجد بخط بعض الثقات قد ذكر فيها كلام جماعة من الناس فمما فيه‏.‏

قال بعض السلف‏:‏ إن الله تعالى لطف ذاته فسماها حقاً وكثفها فسماها خلقاً قال الشيخ نجم الدين بن إسرائيل‏:‏ إن الله ظهر في الأشياء حقيقة واحتجب بها مجازاً فمن كان من أهل الحق والجمع شهدها مظاهر ومجالي ومن كان من أهل المجاز والفرق شهدها ستوراً وحجباً‏.‏

قال‏:‏ وقال في قصيدة له‏:‏ لقد حق لي رفض الوجود وأهله وقد علقت كفاي جمعاً بموجدي ثم بعد مدة غير البيت بقوله لقد حق لي عشق الوجود وأهله فسألته عن ذلك فقال‏:‏ مقام البداية أن يرى الأكوان حجباً فيرفضها ثم يراها مظاهر ومجالي فيحق له العشق لها كما قال بعضهم‏:‏ أقبل أرضاً سار فيها جمالها فكيف بدار دار فيها جمالها قال‏:‏ وقال ابن عربي عقيب إنشاد بيتي أبى نواس‏:‏ رق الزجاج وراقت الخمر فتشاكلا فتشابه الأمر فكأنما خمر ولا قدح وكأنما قدح ولا خمر وقال بعض السلف‏:‏ عين ما ترى ذات لا ترى وذات لا ترى عين لا ترى الله فقط والكثرة وهم‏.‏

قال الشيخ قطب الدين ابن سبعين‏:‏ رب مالك وعبد هالك وأنتم ذلك الله فقط والكثرة وهم‏:‏ للشيخ محي الدين ابن عربي‏:‏ يا صورة انس سرها معنائي ما خلقت للأمر ترى لولائي شئناك فأنشأناك خلقاً بشراً تشهدنا في أكمل الأشياء وطلب بعض أولاد المشايخ للحر ما يرى من والده الحج فقال له الشيخ‏:‏ طف يا بني ببيت ما فارقه الله طرفة عين‏.‏

وقال‏:‏ قيل عن رابعة إنها حجت فقالت هذا الصنم المعبود في الأرض وإنه ما ولجه الله ولا خلا منه‏.‏

وفيه للحلاج‏:‏ سبحان من أظهر ناسوته سر سناء لاهوته الثاقب ثم بدا مستتراً ظاهراً في صورة الأكل والشارب قال‏:‏ وله وله أيضاً‏:‏ بيني وبينك إني تزاحمني فارفع بحقك إنيي من البين قال‏:‏ وقال الشيخ شهاب الدين السهروردي الحلبي المقتول‏:‏ بهذه البقية التي طلب الحلاج رفعها تصرف الأغيار في دمه وكذلك قال السلف‏:‏ الحلاج نصف رجل وذلك أنه لم ترفع له الإنية بالمعنى فرفعت له صورة قالوا لمحيي الدين بن العربي‏:‏ والله ما هي إلا حيرة ظهرت وبي حلفت وإن المقسم الله وقال فيه‏:‏ المنقول عن عيسى عليه السلام أنه قال‏:‏ إن الله تبارك وتعالى اشتاق أن يرى ذاته المقدسة فخلق من نوره آدم عليه السلام وجعله كالمرآة ينظر إلى ذاته المقدسة فيها وإني أنا ذلك النور وآدم المرآة‏.‏

قال ابن الفارض في قصيدته نظم السلوك‏:‏ وشاهد إذا استجليت نفسك من ترى بغير مراء في المرآة الصقيلة أغيرك فيها لاح أم أنت ناظر إليك بها عند انعكاس الأشعة قال‏:‏ وقال ابن إسرائيل‏:‏ الأمر أمران‏:‏ أمر بواسطة وأمر بغير واسطة فالأمر الذي بالوسائط قبله من شاء الله ورده من شاء الله تعالى والأمر بغير واسطة لا يمكن خلافه وهو قوله تعالى‏:‏ ‏"‏ إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون ‏"‏ فقال له فقير‏:‏ إن الله تعالى قال لآدم بلا واسطة لا تقرب الشجرة فقرب وأكل فقال‏:‏ صدقت وذلك أن آدم إنسان كامل‏.‏

وكذلك قال شيخنا علي الحريري‏:‏ آدم صفي الله تعالى كان توحيده ظاهراً وباطناً فقال فكان قوله تعالى‏:‏ ‏"‏ لا تأكل ‏"‏ ظاهراً وكان أمره ‏"‏ كل ‏"‏ باطناً فأكل فكذلك قوله تعالى‏:‏ ‏"‏ وإبليس كان توحيده ظاهراً فأمر بالسجود لآدم فرآه غيراً فلم يسجد فغير الله عليه وقال‏:‏ اخرج منها ‏"‏ الآية‏.‏

قال‏:‏ وقال شخص لسيدي حسن يا سيدي إذا كان الله يقول لنبيه‏:‏ ‏"‏ ليس لك من الأمر شيء ‏"‏ أيش نكون نحن فقال‏:‏ سيدي ليس الأمر كما تظن قوله‏:‏ ‏"‏ ليس لك من الأمر شيء ‏"‏ أيش غير الإثبات للنبي صلى الله عليه وسلم كقوله تعالى‏:‏ ‏"‏ وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم ‏"‏‏.‏

وفيه لأوحد الدين الكرماني‏:‏ ما غبت عن القلب ولا عن عيني ما بينكم وبيننا من بين غيره‏:‏ لا تحسب بالصلاة والصوم تنال قرباً ودنواً من جمال وجلال فارق ظلم الطبع تكن متحداً بالله وإلا كل دعواك محال إذا بلغ الصب الكمال من الهوى وغاب عن المذكور في سطوة الذكر يشاهد حقاً حين يشهده الهوى بأن صلاة العارفين من الكفر للشيخ نجم الدين بن إسرئيل‏:‏ الكون يناديك أما تسمعني من ألف أشتاتي ومن فرقني أنظر أتراني منظراً معتبراً ما فيّ سوى وجود من أوجدني وله‏:‏ ذرات وجود هي للحق شهود أن ليس لموجود سوى الخلق وجود والكون وإن تكثرت عدته منه إلى علاه يبده ويعود وله‏:‏ برئت إليك من قولي وفعلي ومن ذاتي براءة مستقيل وما أنا في طراز الكون شيء لأني مثل ظل مستحيل للعفيف التلمساني‏:‏ أحن إليه وهو قلبي وهل يرى سواي أخو وجد يحن لقلبه وفيه لا يعرف التوحيد إلا الواحد ولا تصح العبارة عن التوحيد وذلك أنه لا يعبر عنه إلا بغير ومن أثبت غيراً فلا توحيد له‏.‏

وفيه‏:‏ سمعت من الشيخ محمد بن بشر النواوي أنه ورد سيدنا الشيخ علي الحريري إلى جامع نوى قال الشيخ محمد‏:‏ فوجئت فقبلت الأرض بين يديه وجلست فقال‏:‏ يا بني وقفت مدة مع المحبة فوجدتها غير المقصود لأن المحبة لا تكون إلا من غير لغير وغير ما ثم ثم وقفت مدة مع التوحيد فوجدته كذلك لأن التوحيد لا يكون إلا من عبد لرب لو أنصف الناس ما رأوا عبداً ولا معبوداً‏.‏

وفيه‏:‏ سمعت من الشيخ نجم الدين بن إسرائيل مما أسر إلي أنه سمع من شيخنا الشيخ علي الحريري في العام الذي توفي فيه قال‏:‏ يا نجم رأيت لهاتي الفوقانية فوق السموات وحنكي تحت الأرض ونطق لساني بلفظة لو سمعت مني ما وصل إلى الأرض من دمي قطرة فلما كان بعد ذلك بمدة قال شخص في حضرة سيدي الشيخ حسن بن الحريري‏:‏ يا سيدي حسن‏!‏ ما خلق الله أقل عقلاً ممن ادعى أنه إله مثل فرعون ونمرود وأمثالهما فقلت أنا هذه المقالة ما يقولها إلا أجهل خلق الله أو أعرف خلق الله‏.‏

فقال‏:‏ صدقت‏.‏

وذلك أنه سمعت من جدك يقول رأيت كذا وكذا‏.‏

فذكر ما روى نجم الدين عن الشيخ‏.‏

والمطلوب من السادة العلماء‏:‏ أن يبينوا لنا هذه الأقوال وهل هي حق أو باطل وما يعرف به معناها وما يبين أنه حق أو باطل وهل الواجب إنكارها أو إقرارها أو التسليم لمن قالها وهل لها وجه سائغ وما حكم من اعتقد معناها‏.‏

إما مع المعرفة بحقيقتها وإما مع التأويل المجمل لمن قالها والمتكلمون أرادوا لها معنى صحيحاً يوافق العقل والنقل ويمكن تأويل ما يشكل منها وحملها على ذلك المعني وهل الواجب بيان معناها وكشف مغزاها إذا كان هناك ناس يؤمنون بها ولا يعرفون حقيقتها أم ينبغي السكوت عن ذلك وترك الناس يعظمونها ويؤمنون بها مع عدم العلم بمعناها‏.‏

فأجاب شيخ الإسلام أبو العباس تقي الدين أحمد بن تيمية قدس الله روحه ونور ضريحه‏:‏ الحمد لله رب العالمين هذه الأقوال المذكورة تشتمل على أصلين باطلين مخالفين لدين المسلمين واليهود والنصارى مخالفتهما للمعقول والمنقول‏:‏ أحدهما الحلول والاتحاد وما يقارب ذلك كالقول بوحدة الوجود كالذين يقولون إن الوجود واحد فالوجود الواجب للخالق هو الوجود الممكن للمخلوق كما يقول ذلك أهل الوحدة كابن عربي وصاحبه القونوي وابن سبعين وابن الفارض صاحب القصيدة التائية نظم السلوك وعامر البوصيري السيواسي الذي له قصيدة تناظر قصيدة ابن الفارض والتلمساني الذي شرح مواقف النغري وله شرح الأسماء الحسنى على طريقة هؤلاء وسعيد الفرغاني الذي شرح قصيدة ابن الفارض والششتري صاحب الأرحال الذي هو تلميذ ابن سبعين وعبد الله البلباني وابن أبي منصور المصري صاحب‏:‏ فك الأزرار عن أعناق الأسرار وأمثالهم ثم من هؤلاء من يفرق بين الوجود والثبوت كما يقوله ابن عربي ويزعم أن الأعيان ثابتة في العدم غنية عن الله في أنفسها ووجود الحق هو وجودها والخالق مفتقر إلى الأعيان في ظهور وجودها وهي مفتقرة إليه في حصول وجودها الذي هو نفس وجوده وقوله مركب من قول من قال‏:‏ المعدوم شيء وقول من يقول وجود المخلوق هو وجود الخالق ويقول فالوجود المخلوق هو الوجود الخالق والوجود الخالق هو الوجود المخلوق كما هو مبسوط في غير هذا الموضع‏.‏

وفيهم من يفرق بين الإطلاق والتعيين كما يقوله القونوي ونحوه فيقولون أن الواجب هو الموجود المطلق لا بشرط وهذا لا يوجد مطلقاً إلا في الأذهان فما هو كلي في الأذهان لا يكون في الأعيان إلا معيناً وإن قيل إن المطلق جزء من المعنى لزم أن يكون وجود الخالق جزءاً من وجود المخلوقات والجزء لا يبدع الجميع ويخلقه فلا يكون الخالق موجوداً‏.‏

ومن قال إن الباري هو الوجود المطلق بشرط الإطلاق كما يقوله ابن سينا وأتباعه فقوله أشد فساداً فإن المطلق بشرط الإطلاق لا يكون إلا في الأذهان لا الأعيان فقول هؤلاء بموافقة من وآخرون يجعلون الوجود الواجب والوجود الممكن بمنزلة المادة والصورة يقولها المتفلسفة أو قريب من ذلك كما يقوله ابن سبعين وأمثاله وهؤلاء أقوالهم فيها تناقض وفساد ولا تخرج عن وحدة الوجود أو الحلول أو الاتحاد وهم يقولون بالحلول المطلق والوحدة المطلقة والاتحاد المطلق بخلاف من يقول بالمعنى كالنصارى والغالية من الشيعة الذين يقولون بالإلهية علي أو الحاكم أو الحلاج أو يونس القيني أو غير هؤلاء ممن ادعيت فيه الإلهية فإن هؤلاء قد يقولون بالحلول المقيد الخاص وأولئك يقولون بالإطلاق والتعميم ولهذا يقولون النصارى إنما كان خطأهم للتخصيص وكذلك يقولون عن المشركين عباد الأصنام إنما كان خطأهم لأنهم اقتصروا على عبادة بعض المظاهر دون بعض وهم يجوزون الشرك وعبادة الأصنام مطلقاً على وجه الإطلاق والعموم ولا ريب أن في قول هؤلاء من الكفر والضلال ما هو أعظم من اليهود والنصارى وهذا المذهب كثير في كثير من المتأخرين وكان طوائف من الجهمية يقولونه‏.‏

وكلام ابن عربي في فصوص الحكم وغيره وكلام ابن سبعين وصاحبه الششتري وقصيدة ابن الفارض نظم السلوك وقصيدة عامر البصري وكلام العفيف التلمساني وعبد الله البلبالي والصدر القونوي وكثير من شعر ابن إسرائيل وما ينقل عن شيخه الحريري وكذلك يوجد نحو منه في كلام كثير من الناس غير هؤلاء هو مبني على هذا المذهب مذهب الحلول والاتحاد ووحدة الوجود وكثير من أهل السلوك الذين لا يعتقدون هذا المذهب يسمعون شعر ابن الفارض وغيره فلا يعرفون أن مقصوده هذا المذهب فإن هذا الباب وقع فيه من الاشتباه والضلال ما حير كثيراً من الرجال‏.‏

وأصل ضلال هؤلاء أنهم لم يعرفوا مباينة الله سبحانه للمخلوقات وعلوه عليها وعلموا أنه موجود فظنوا أن وجوده لا يخرج عن وجودها بمنزلة من رأى شعاع الشمس فظن أنه الشمس نفسها ولما ظهرت الجهمية المنكرة لمباينة الله وعلوه على خلقه افترق الناس في هذا الباب على أربعة أقوال فالسلف والأئمة يقولون‏:‏ إن الله فوق سماواته على عرشه بائن من خلقه كما دل على ذلك الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة وكما علم العلو والمباينة بالمعقول الصريح الموافق للمنقول الصحيح وكما فطر الله على ذلك خلقه في إقرارهم به وقصدهم إياه سبحانه وتعالى‏.‏

والقول الثاني‏:‏ قول معطلة الجهمية ونفاتهم وهم الذين يقولون لا داخل العالم ولا خارجه ولا مباين له ولا محايث له فينفون الوصفين المتقابلين اللذين لا يخلو موجود عن أحدهما كما يقول ذلك أكثر المعتزلة ومن وافقهم من غيرهم‏.‏

والقول الثالث‏:‏ قول حلولية الجهمية الذين يقولون أنه بذاته في كل مكان كما تقول ذلك النجارية أتباع حسين النجار وغيرهم من الجهمية وهؤلاء القائلون بالحلول والاتحاد من جنس هؤلاء فإن الحلول أغلب على عباد الجهمية وصوفيتهم وعامتهم والنفي والتعطيل أغلب على نظارهم ومتكلميهم كما قيل‏:‏ متكلمة الجهمية لا يعبدون شيئاً ومتصوفة الجهمية يعبدون كل شيء وذلك لأن العبادة تتضمن القصد والطلب والإرادة والمحبة وهذا لا يتعلق بمعدوم فإن القلب يتطلب موجوداً فإذا لم يطلب ما فوق العالم طلب ما هو فيه‏.‏

وأما الكلام والعلم والنظر فيتعلق بموجود ومعدوم فإذا كان أهل الكلام والنظر يصفون الرب بصفات السلب والنفي التي لا يوصف بها إلا المعدوم لم يكن مجرد العلم والكلام ينافي عدم المعلوم المذكور بخلاف القصد والإرادة والعبادة فإنه ينافي عدم المعبود ولهذا تجد الواحد من هؤلاء عند نظره وبحثه يميل إلى النفي وعند عبادته وتصوفه يميل إلى الحلول وإذا قيل هذا ينافي ذلك قال ذاك مقتضى عقلي ونظري وهذا مقتضى ذوقي ومعرفتي ومعلوم أن الذوق والوجدان لم يكن موافقاً للعقل والنظر وإلا لزم فسادهما أو فساد أحدهما‏.‏

والقول الرابع‏:‏ قول من يقول إن الله بذاته فوق العالم وهو بذاته في كل مكان وهذا قول طوائف من أهل الكلام والتصوف كأبي معاذ وأمثاله وقد ذكر الأشعري في المقالات هذا عن طوائف ويوجد في كلام السالمية كأبي طالب المكي وأتباعه مثل أبي الحكم بن برجان وأمثاله ما يشير إلى نحو من هذا كما يوجد في كلامهم ما يناقض هذا‏.‏

وفي الجملة فالقول بالحلول أو ما يناسبه وقع فيه كثير من مستأخري الصوفية‏.‏

ولهذا كان أئمة القوم يحذرون منه كما في قول الجنيد لما سئل عن التوحيد فقال‏:‏ التوحيد إفراد المحدث عن القدم فبين أن التوحيد أن تميز بين القديم والمحدث وقد أنكر ذلك ابن عربي صاحب الفصوص وادعى أن الجنيد وأمثاله ماتوا وما عرفوا التوحيد لما أثبتوا الفرق بين العبد والرب بناء على دعواه أن التوحيد ليس فيه فرق بين الرب والعبد وزعم أنه لا يميز بين القديم والمحدث إلا من يكون ليس بقديم ولا محدث وهذا جهل فإن المعرفة بأن هذا ليس ذاك والتمييز بين هذا وذاك لا يقتضي أن يكون العارف المميز بين الشيئين ليس هو أحد الشيئين بل الإنسان يعلم أنه ليس هو ذاك الإنسان الآخر مع أنه أحدهما فكيف لا يعلم أنه غير ربه وإن كان هو أحدهما‏.



تابعوناا
ااااااااا
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://ehabmtwale.forumegypt.net
ايهاب متولى
مؤسس الموقع
مؤسس الموقع
avatar

عدد المساهمات : 1578
نقاط : 3229
تاريخ التسجيل : 10/01/2011
العمر : 39

مُساهمةموضوع: فصل وأما ما ذكره من قول ابن إسرائيل‏:‏ الأمر أمران أمر بواسطة   2011-08-04, 23:27



فصل وأما ما ذكره من قول ابن إسرائيل‏:‏ الأمر أمران أمر بواسطة

وأما ما ذكره من قول ابن إسرائيل‏:‏ الأمر أمران أمر بواسطة وأمر بغير واسطة إلى آخره - فمضمونه أن الأمر الذي بواسطة هو الأمر الشرعي الديني والذي بلا واسطة هو الأمر القدري الكوني وجعله أحد الأمرين بواسطة والآخر بغير واسطة كلام باطل فإن الأمر الديني يكون بواسطة وبغير واسطة فإن الله كلم موسى وأمره بلا واسطة وكذلك كلم محمداً صلى الله عليه وسلم وأمره ليلة المعراج وكذلك كلم آدم وأمره بلا واسطة وهي أوامر دينية شرعية وأما الأمر الكوني فقول القائل‏:‏ أنه لا بواسطة خطأ بل الله تعالى خلق الأشياء بعضها ببعض وأمر التكوين ليس هو خطاباً يسمعه المكون المخلوق فإن هذا ممتنع ولهذا قيل إن كان هذا خطاباً له بعد وجوده لم يكن قد كون به بل كان قد كون قبل الخطاب وإن كان خطاباً له قبل وجوده فخطاب المعدوم ممتنع وقد قيل في جواب هذا أنه خطاب لمعلوم لحضوره في العلم وإن كان معدوماً في العين وأما ما ذكره الفقير فهو سؤال وارد بلا ريب وأما ما ذكره عن شيخه من أن آدم كان توحيده ظاهراً وباطناً فكان قوله ‏"‏ لا تقرب ‏"‏ ظاهراً وكان أمره ‏"‏ بكل ‏"‏ باطناً فيقال‏:‏ إن أريد بكونه قال كل باطناً أنه أمره بذلك في الباطن أمر تشريع أو دين فهذا كذب وكفر وإن كان أراد أبه خلق ذلك وقدره وكونه فهذا قدر مشترك بين آدم وبين سائر المخلوقات فإنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون فكل ما كان من المكونات فهو داخل في هذا الأمر وأكل آدم من الشجرة وغير ذلك من الحوادث داخلة تحت هذا كدخول آدم فنفس أكل آدم هو الداخل تحت هذا الأمر كما دخل آدم وقول القائل‏:‏ إنه قال لآدم في الباطن كل مثل قوله أنه قال للكافر‏:‏ اكفر وللفاسق افسق والله لا يأمر بالفحشاء ولا يحب الفساد ولا يرضى لعباده الكفر ولا يوجد منه خطاب باطن ولا ظاهر للكفار والفساق والعصاة بفعل الكفر والفسوق والعصيان وإن كان ذلك واقعاً بمشيئته وقدرته وخلقه وأمره الكوني - فالأمر الكوني ليس هو أمراً للعبد أن يفعل ذلك الأمر بل هو أمر تكوين لذلك الفعل في العبد أو أمر تكوين لكون العبد على ذلك الحال فهو سبحانه هو الذي خلق الإنسان هلوعاً إذا مسه الشر جزوعاً وإذا مسه الخير منوعاً وهو الذي جعل المسلمين مسلمين كما قال الخليل‏:‏ ‏"‏ ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك ‏"‏ فهو سبحانه جعل العباد على الأحوال التي خلقهم عليها وأمره لهم بذلك أمر تكوين بمعنى أنه قال لهم‏:‏ كونوا كذلك فيكونون كذلك كما لو قال للجماد كن فيكون فأمر التكوين لا فرق فيه بين الجماد والحيوان وهو لا يفتقر إلى علم المأمور ولا إرادته ولا قدرته لكن العبد قد يعلم ما جرى به القدر في أحواله كما يعلم ما جرى به القدر في أحوال غيره وليس في ذلك علم منه بأن الله أمره في الباطن بخلاف ما أمره به في الظاهر بل أمره بالطاعة باطناً وظاهراً ونهاه عن المعصية باطناً وظاهراً وقدر ما يكون فيه من طاعة ومعصية باطناً وظاهراً وخلق العبد وجميع أعماله باطناً وظاهراً وكون ذلك بقوله‏:‏ ‏"‏ كن باطناً وظاهراً ‏"‏ وليس في القدر حجة لابن آدم ولا عذر بل القدر يؤمن به ولا يحتج به والمحتج بالقدر فاسد العقل والدين متناقض فإن القدر إن كان حجة وعذراً لزم أن لا يلام أحد ولا يعاقب ولا يقتص منه وحينئذ فهذا المحتج بالقدر يلزمه إذا ظلم في نفسه وماله وعرضه وحرمته أن لا ينتصر من الظالم ولا يغضب ولا يذمه وهذا أمر ممتنع في الطبيعة لا يمكن أحداً أن يفعله فهو ممتنع طبعاً محرم شرعاً‏.‏

ولو كان القدر حجة وعذراً لم يكن إبليس ملوماً معاقباً ولا فرعون وقوم نوح وعاد وثمود وغيرهم من الكفار ولا كان جهاد الكفار جائزاً ولا إقامة الحدود جائزاً لا قطع السارق ولا جلد الزاني ولا رجمه ولا قتل القاتل ولا عقوبة معتد بوجه من الوجوه ولما كان الاحتجاج بالقدر باطلاً في فطر الخلق وعقولهم لم تذهب إليه أمة من الأمم ولا هو مذهب أحد من العقلاء الذين يطردون قولهم فإنه لا يستقيم عليه مصلحة أحد لا في دنياه ولا آخرته ولا يمكن اثنان أن يتعاشرا ساعة واحدة إن لم يكن أحدهما ملتزماً مع الآخر نوعاً من الشرع فالشرع نور الله في أرضه وعدله بين عباده لكن الشرائع تتنوع فتارة تكون منزلة من عند الله كما جاءت به الرسل وتارة لا تكون كذلك ثم المنزلة تارة تبدل وتغير كما غير أهل الكتاب شرائعهم‏.‏

وتارة لا تغير ولا تبدل وتارة يدخل النسخ في بعضها وتارة لا يدخل‏.‏

أما القدر فإنه لا يحتج به أحد إلا عند إتباع هواه فإذا فعل فعلاً بمجرد هواه وذوقه ووجده من غير أن يكون له علم بحسن الفعل ومصلحته استند إلى القدر كما قال المشركون ‏"‏ لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء ‏"‏ قال الله تعالى‏:‏ ‏"‏ كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون قل لله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين ‏"‏ فبين أنهم ليس عندهم علم بما كانوا عليه من الدين وإنما يتبعون الظن والقوم لم يكونوا ممن يسوغ لكل أحد الاحتجاج بالقدر فإنه لو خرب أحد الكعبة أو شتم إبراهيم الخليل أو طعن في دينهم لعادوه وآذوه كيف وقد عادوا النبي صلى الله عليه وسلم على ما جاء به من الدين وما فعله هو أيضاً من المقدور فلو كان الاحتجاج بالقدر حجة لكان للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم وأصحابه فإن كان كل ما يحدث في الوجود فهو مقدر فالمحق والمبطل يشتركان في الاحتجاج بالقدر إن كان الاحتجاج به صحيحاً ولكن كانوا يعتمدون على ما يعتقدونه من جنس دينهم وهم في ذلك يتبعون الظن ليس لهم به علم بل هم يخرصون‏.‏

وموسى لما قال لآدم‏:‏ لماذا أخرجتنا ونفسك من الجنة فقال آدم عليه السلام فيما قال لموسى‏:‏ لم تلومني على أمر قدره الله علي قبل أن أخلق بأربعين عاماً فحج آدم موسى - لم يكن آدم عليه السلام محتجاً على فعل ما نهي عنه بالقدر ولا كان موسى ممن يحتج عليه بذلك فيقبله بل آحاد المؤمنين لا يفعل مثل هذا فكيف آدم وموسى وآدم قد تاب مما فعل واجتباه ربه وهدى وموسى أعلم بالله من أن يلوم من هو دون نبي على فعل تاب منه فكيف بنبي من الأنبياء وآدم يعلم أنه لو كان القدر حجة لم يحتج إلى التوبة ولم يجر ما جرى من خروجه من الجنة وغير ذلك ولو كان القدر حجة لكان لإبليس وغيره وكذلك موسى يعلم أنه لو كان القدر حجة لم يعاقب فرعون بالغرق ولا بنو إسرائيل بالصعقة وغيرها كيف وقد قال موسى‏:‏ ‏"‏ رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي ‏"‏ وقال‏:‏ ‏"‏ فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين ‏"‏ وهذا باب واسع وإنما كان لوم موسى لآدم من أجل المصيبة التي لحقتهم بآدم من أكل الشجرة ولهذا قال‏:‏ لماذا أخرجتنا ونفسك من الجنة واللوم لأجل المصيبة التي لحقت الإنسان نوع واللوم لأجل الذنب الذي هو حق الله نوع آخر فإن الأب لو فعل فعلاً افتقر به حتى تضرر بنوه فأخذوا يلومونه لأجل ما لحقهم من الفقر لم يكن هذا كلومه لأجل كونه أذنب والعبد مأمور أن يصبر على المقدور ويطبع المأمور وإذا أذنب استغفر كما قال تعالى‏:‏ ‏"‏ فاصبر إن وعد الله حق واستغفر لذنبك ‏"‏ وقال تعالى‏:‏ ‏"‏ ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله ومن يؤمن بالله يهد قلبه ‏"‏ قال طائفة من السلف هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلم فمن احتج بالقدر على ترك المأمور وجزع من حصول ما يكرهه من المقدور فقد عكس الإيمان والدين وصار من حزب الملحدين المنافقين وهذا حال المحتجين بالقدر فإن أحدهم إذا أصابته مصيبة عظم جزعه وقل صبره فلا ينظر إلى القدر ولا يسلم له وإذا أذنب ذنباً أخذ يحتج بالقدر فلا يفعل المأمور ولا يترك المحظور ولا يصبر على المقدور ويدعي مع هذا أنه من كبار أولياء الله المتقين وأئمة المحققين الموجودين وإنما هو من أعداء الله الملحدين وحزب الشيطان اللعين وهذا الطريق إنما يسلكه أبعد الناس عن الخير والدين والإيمان تجد أحدهم أخير الناس إذا قدر وأعظمهم ظلماً وعدواناً وأذل الناس إذا قهر وأعظم جزعاً ووهناً كما جربه الناس من الأحزاب البعيدين عن الإيمان بالكتاب والمقابلة من أصناف الناس والمؤمن إن قدر عدل وأحسن وإن قهر وغلب صبر واحتسب كما قال كعب بن زهير في قصيدته التي أنشدها للنبي صلى الله عليه وسلم التي أولها‏:‏ بانت سعاد الخ‏.‏

‏.‏

في صفة المؤمنين‏:‏ ليسوا مفاريح إن نالت رماحهم يوماً وليسوا مجازيعاً إذا نيلوا وسئل بعض العرب عن شيء من أمور النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فقال‏:‏ رأيته يغلب فلا يبطر ويغلب فلا يضجر وقد قال تعالى‏:‏ ‏"‏ قالوا أإنك لأنت يوسف قال أنا يوسف وهذا أخي قد منّ الله علينا إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين ‏"‏ وقال تعالى‏:‏ ‏"‏ وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئاً ‏"‏ وقال تعالى‏:‏ ‏"‏ إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين ‏"‏ وقال تعالى‏:‏ ‏"‏ وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور ‏"‏ فذكر الصبر والتقوى في هذه المواضع الأربعة فالصبر يدخل فيه الصبر على المقدور والتقوى يدخل فيها فعل المأمور فمن رزق هذا وهذا فقد جمع له الخير بخلاف من عكس فلا يتقي الله بل يترك طاعته منبعاً لهواه ويحتج بالقدر ولا يصبر إذا ابتلى ولا ينظر حينئذ إلى القدر فإن هذا حال الأشقياء كما قال بعض العلماء‏:‏ أنت عند الطاعة قدري وعند المعصية جبري أي مذهب وافق هواك تمذهبت به يقول أنت إذا أطعت جعلت نفسك خالقاً لطاعتك فتنسى نعمة الله عليك كي أنه جعلك مطيعاً له وإذا عصيت لم تعترف بأنك فعلت الذنب بل تجعل نفسك بمنزلة المجبور عليه بخلاف مراده أو المحرك الذي لا إرادة له ولا قدرة ولا علم وكلاهما خطأ وقد ذكر أبو طالب المكي عن سهل بن عبد الله التستري أنه قال‏:‏ إذا عمل العبد حسنة فقال‏:‏ أي وربي أنا فعلت هذه الحسنة قال له ربه‏:‏ أنا يسرتك لها وأنا أعنتك عليها فإن قال أي ربي أنت أعنتني عليها ويسرتني لها قال له ربه‏:‏ أنت عملها وأجرها لك وإذا فعل سيئة فقال‏:‏ أي ربي أنت قدرت علي هذه السيئة قال له ربه‏:‏ أنت اكتسبتها وعليك وزرها فإن قال‏:‏ أي إني أذنبت هذا الذنب وأنا أتوب منه قال له ربه‏:‏ أنا قدرته عليك وأنا أغفره لك وهذا باب مبسوط في غير هذا الموضع‏.‏

وقد كثر في كثير من المنتسبين إلى المشيخة والتصوف شهود القدر فقط من غير شهود الأمر والنهي والاستناد إليه في ترك المأمور وفعل المحظور وهذا أعظم الضلال ومن طرد هذا القول والتزم لوازمه كان أكفر من اليهود والنصارى والمشركين لكن أكثر من يدخل في ذلك يتناقض ولا يطرد قوله وقول هذا القائل هو من هذا الباب فقوله‏:‏ آدم كان أمره بكل باطناً فأكل وإبليس كان توحيده ظاهراً فأمر بالسجود لآدم فرآه غيراً فلم يسجد فغير الله عليه وقال‏:‏ ‏"‏ اخرج منها ‏"‏ الآية‏.‏

فإن هذا مع ما فيه من الإلحاد كذب على آدم وإبليس فآدم اعترف بأنه هو الفاعل للخطيئة وإنه هو الظالم لنفسه وتاب من ذلك ولم يقل أن الله ظلمني ولا أن الله أمرني في الباطن بالأكل قال تعالى‏:‏ ‏"‏ فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه أنه هو التواب الرحيم ‏"‏ وقال تعالى‏:‏ ‏"‏ قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين ‏"‏ وإبليس أصر واحتج بالقدر فقال‏:‏ ‏"‏ ربي بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين ‏"‏ وأما قوله‏:‏ رآه غيراً فلم يسجد - فهذا شر من الاحتجاج بالقدر فإن هذا قول أهل الوحدة الملحدين وهو كذب على إبليس فإن إبليس لم يمتنع من السجود لكونه غيراً بل قال‏:‏ ‏"‏ أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين ‏"‏ ولم تؤمر الملائكة بالسجود ولكون آدم ليس غيراً بل المغايرة بين الملائكة وآدم ثابتة معروفة والله تعالى‏:‏ ‏"‏ علم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ‏"‏ وكانت لملائكة وآدم معترفين بأن الله مباين لهم وهم مغايرون له ولهذا قالوا‏:‏ دعوه دعا العبد ربه فآدم يقول‏:‏ ‏"‏ ربنا ظلمنا أنفسنا ‏"‏ والملائكة تقول‏:‏ ‏"‏ لا علم لنا إلا ما علمتنا ‏"‏ وتقول‏:‏ ‏"‏ ربنا وسعت كل شيء رحمةً وعلماً فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم ‏"‏ الآية وقد قال تعالى‏:‏ ‏"‏ أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون ‏"‏ وقال تعالى‏:‏ ‏"‏ أغير الله أتخذ ولياً فاطر السموات والأرض وهو يطعِم ولا يطعَم ‏"‏ وقال‏:‏ ‏"‏ أفغير الله أبتغي حكماً وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلاً ‏"‏ فلو لم يكن هناك غيره لم يكن المشركون أمروه بعبادة غير الله ولا اتخاذ غير الله ولياً ولا حكماً فلم يكونوا يستحقون الإنكار فلما أنكر عليهم ذلك دل على ثبوت غير يمكن عبادته واتخاذه ولياً وحكماً وإنه من فعل ذلك فهو مشرك بالله كما قال تعالى‏:‏ ‏"‏ فلا تدع مع الله إلهاً آخر فتكون من المعذبين ‏"‏ وقال‏:‏ ‏"‏ لا تجعل مع الله إلهاً آخر فتقعد مذموماً مخذولاً ‏"‏ وأمثال ذلك‏.‏

وأما قول القائل أن قوله‏:‏ ‏"‏ ليس لك من الأمر شيء ‏"‏ عين الإثبات للنبي صلى الله عليه وسلم كقوله‏:‏ ‏"‏ وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم ‏"‏ فهذا بناه على قول أهل الوحدة والاتحاد وجعل معنى قوله‏:‏ ‏"‏ ليس لك من الأمر شيء ‏"‏ أي فعلك هو فعل الله لعدم المغايرة وهذا ضلال عظيم من وجوه‏:‏ أحدها‏:‏ إن قوله‏:‏ ‏"‏ ليس لك من الأمر شيء ‏"‏ نزل في سياق قوله‏:‏ ‏"‏ ليقطع طرفاً من الذين كفروا أو يكبتهم فينقلبوا خائبين ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون ‏"‏ وقد ثبت في الصحيح إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو على قوم من الكفار أو يلعنهم في القنوت فلما أنزل الله هذه الآية ترك فعلم أن معناها أفراد الرب تعالى بالأمر وأنه ليس لغيره أمر بل إن شاء الله تعالى قطع طرفاً من الكفار وإن شاء كبتهم فانقلبوا بالخسارة وإن شاء تاب عليهم وإن شاء عذبهم وهذا كما قال في الآية الأخرى‏:‏ ‏"‏ قل لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضراً إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء ‏"‏ ونحو ذلك قوله تعالى‏:‏ ‏"‏ يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ههنا قل إن الأمر كله لله ‏"‏‏.‏

الوجه الثاني‏:‏ إن قوله‏:‏ ‏"‏ وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى ‏"‏ لم يرد به إن فعل العبد هو فعل الله تعالى كما تظنه طائفة من الغالطين فإن ذلك لو كان صحيحاً لكان ينبغي أن يقال لكل أحد حتى يقال للماشي ما مشيت إذ مشيت ولكن الله مشى ويقال للراكب وما ركبت إذ ركبت ولكن الله ركب ويقال للمتكلم ما تكلمت إذ تكلمت ولكن الله تكلم‏.‏

ويقال مثل ذلك للآكل والشارب والصائم والمصلي ونحو ذلك وطرد ذلك يستلزم أن يقال للكافر ما كفرت إذ كفرت ولكن الله كفر‏.‏

ويقال للكاذب ما كذبت إذ كذبت ولكن الله كذب‏.‏

ومن قال مثل هذا فهو ملحد خارج عن العقل والدين ولكن معنى الآية أن النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر رماهم ولم يكن في قدرته أن يوصل الرمي إلى جميعهم فإنه إذا رماهم بالتراب وقال شاهت الوجوه ولم يكن في قدرته أن يوصل ذلك إليهم كلهم فالله تعالى أوصل ذلك الرمي إليهم بقدرته يقول وما أوصلت إذ حذفت ولكن الله أوصل فالرمي الذي أثبته له ليس هو الرمي الذي نفاه عنه وهو الإيصال والتبليغ وأثبت له الحذف والإلقاء وكذلك إذا رمى سهماً فأوصلها بقدرته‏.‏

الوجه الثالث‏:‏ إنه لو فرض أن المراد بهذه الآية أن الله خالق أفعال العباد فهذا المعنى حق وقد قال الخليل‏:‏ ‏"‏ ربنا واجعلنا مسلمين لك ‏"‏ فالله هو الذي جعل المسلم مسلماً‏.‏

وقال تعالى‏:‏ ‏"‏ إن الإنسان خلق هلوعاً إذا مسه الشر جزوعاً وإذا مسه الخير منوعاً ‏"‏ فالله هو الذي خلقه هلوعاً لكن ليس في هذا أن الله هو العبد ولا أن وجود الخالق هو وجود المخلوق ولا أن الله حال في العبد فالقول بأن الله خالق أفعال العباد حق والقول بأن الخالق حال في المخلوق أو وجوده وجود المخلوق باطل وهؤلاء ينتقلون من القول بتوحيد الربوبية إلى القول بالحلول والاتحاد وهذا عين الضلال والإلحاد‏.‏

الوجه الرابع‏:‏ إن قوله تعالى‏:‏ ‏"‏ إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله ‏"‏ لم يرد به إنك أنت الله وإنما إنك أنت رسول الله ومبلغ أمره ونهيه فمن بايعك فقد بايع الله كما أن من أطاعك فقد أطاع الله ولم يرد بذلك أن الرسول هو الله ولكن الرسول أمر بما أمر الله به فمن أطاعه فقد أطاع الله كما قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ من أطاعني فقد أطاع الله ومن أطاع أميري فقد أطاعني ومن عصاني فقد عصى الله ومن عصى أميري فقد عصاني ‏"‏ ومعلوم أن أميره ليس هو إياه ومن ظن في قوله‏:‏ ‏"‏ إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله ‏"‏ أن المراد به أن فعلك هو فعل الله أو المراد أن الله حال فيك ونحو ذلك فهو ومع جهله وضلاله بل كفره وإلحاده قد سلب الرسول خاصيته وجعله مثل غيره وذلك أنه لو كان المراد أن خالق لفعلك لكان هنا قدر مشترك بينه وبين سائر الخلق وكان من بايع أبا جهل فقد بايع الله ومن بايع مسيلمة فقد بايع الله ومن بايع قادة الأحزاب فقد بايع الله وعلى هذا التقدير فالمبايع هو الله أيضاً فيكون الله قد بايع الله إذ الله خالق لهذا ولهذا وكذلك إذا قيل بمذهب أهل الحلول والوحدة والاتحاد فإنه عام عندهم في هذا وهذا فيكون الله قد بايع الله وهذا يقوله كثير من شيوخ هؤلاء الحلولية حتى إن أحدهم إذا أمر بقتال العدو ويقول أقاتل الله ما أقدر أن أقاتل الله ونحو هذا الكلام الذي سمعناه من شيوخهم وبينا فساده لهم ضلالهم غير مرة وأما الحلول الخاص فليس هو قول هؤلاء بل هو قول النصارى ومن وافقهم من الغالية وهو باطل أيضاً فإن الله سبحانه وتعالى قال له‏:‏ ‏"‏ ليس لك من الأمر شيء ‏"‏ وقال‏:‏ ‏"‏ وإنه لما قام عبد الله يدعوه ‏"‏ وقال‏:‏ ‏"‏ سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً ‏"‏ وقال‏:‏ ‏"‏ وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا ‏"‏ وقال‏:‏ ‏"‏ لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحاً قريباً ومغانم كثيرة يأخذونها وكان الله عزيزاً حكيماً ‏"‏‏.‏

فقوله‏:‏ ‏"‏ لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة ‏"‏ يبين قوله‏:‏ ‏"‏ إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله ‏"‏ ولهذا قال‏:‏ ‏"‏ يد الله فوق أيديهم ‏"‏ ومعلوم أن يد النبي صلى الله تعالى عليه وسلم كانت مع أيديهم كانوا يصافحونه ويصفقون على يده في البيعة فعلم أن يد الله التي فوق أيديهم ليست هي يد النبي صلى الله عليه وسلم ولكن الرسول عبد الله ورسوله فبايعهم عن الله وعاهدهم وعاقدهم عن الله فالذين بايعوه بايعوا الله الذي أرسله وأمره ببيعتهم ألا ترى أن كل من وكل شخصاً بعقد مع الوكيل كان ذلك عقداً مع الموكل ومن وكل نائباً له في معاهدة قوم فعاهدهم عن مستنيبه كانوا معاهدين لمستنيبه ومن وكل رجلاً في نكاح أو تزوج كان الموكل هو الزوج الذي وقع له العقد وقد قال تعالى‏:‏ ‏"‏ إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة ‏"‏ الآية ولهذا قال في تمام الآية‏:‏ ‏"‏ ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجراً عظيماً ‏"‏‏.‏

فتبين أن قول ذلك الفقير هو القول الصحيح وإن الله إذا كان قد قال لنبيه‏:‏ ‏"‏ ليس لك من الأمر شيء ‏"‏ فأيش نكون نحن وقد ثبت عنه صلى الله تعالى عليه وسلم في الصحيح أنه قال‏:‏ ‏"‏ لا تطروني وأما قول القائل‏:‏ ما غبت عن القلب ولا عن عيني ما بينكم وبيننا من بين فهذا القول مبني على قول هؤلاء وهو باطل متناقض فإن مقتضاه أنه يرى الله بعينه وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏"‏ واعلموا أن أحداً منكم لن يرى ربه حتى يموت ‏"‏ وقد اتفق أئمة المسلمين على أن أحداً من المؤمنين لا يرى الله بعينه في الدنيا ولم يتنازعوا إلا في النبي صلى الله تعالى عليه وسلم مع أن جماهير الأئمة على أنه لم يره بعينه في الدنيا وعلى هذا دلت الآثار الصحيحة الثابتة عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم والصحابة وأئمة المسلمين‏.‏

ولم يثبت عن ابن عباس ولا عن الإمام أحمد وأمثالهما أنهم قالوا‏:‏ رأى ربه بعينه بل الثابت عنهم إما إطلاق الرؤية وإما تقييدها بالفؤاد وليس في شيء من أحاديث المعراج الثابتة أنه رآه بعينه وقوله‏:‏ ‏"‏ أتاني البارحة ربي في أحسن صورة ‏"‏ الحديث الذي رواه الترمذي وغيره إنما كان بالمدينة في المنام هكذا جاء مفسراً وكذلك أم الطفيل وحديث ابن عباس وغيرهما مما فيه رؤية ربه إنما كان بالمدينة كما جاء مفسراً في الأحاديث والمعراج كان بمكة كما قال‏:‏ ‏"‏ سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ‏"‏ وقد بسط الكلام على هذا في غير هذا الموضع وقد ثبت بنص قرآني أن موسى قيل له‏:‏ ‏"‏ لن تراني ‏"‏ وأن رؤية الله أعظم من إنزال كتاب من السماء فمن قال أن أحداً من الناس يراه فقد زعم أنه أعظم من موسى بن عمران ودعواه أعظم من دعوى من ادعى أن الله أنزل عليه كتاباً من السماء‏.‏

المسلمون في رؤية الله على ثلاثة أقوال فالصحابة والتابعون وأئمة المسلمين على أن الله يرى في الآخرة بالأبصار عياناً وأن أحداً لا يراه في الدنيا بعينه لكن يرى في المنام ويحصل للقلوب في المكاشفات والمشاهدات ما يناسب حالها ومن الناس من تقوى مشاهدة قلبه حتى يظن أنه رأى ذلك بعينه وهو غالط ومشاهدات القلوب تحصل بحسب إيمان العبد ومعرفته في صورة مثالية كما قد بسط في غير هذا الموضع‏.‏

والقول الثاني‏:‏ قول نفاة الجهمية أنه لا يرى في الدنيا ولا في الآخرة‏.‏

والثالث‏:‏ قول من يزعم أنه يرى في الدنيا والآخرة‏.‏

وحلولية الجهمية يجمعون بين النفي والإثبات فيقولون أنه لا يرى في الدنيا ولا في الآخرة وأنه يرى في الدنيا والآخرة وهذا قول ابن عربي صاحب الفصوص وأمثاله لأن الوجود المطلق الساري في الكائنات لا يرى وهو وجود الحق عندهم‏.‏

ثم من أثبت الذات قال‏:‏ يرى متجلياً فيها ومن فرق بين المطلق والمعين قال‏:‏ لا يرى إلا مقيداً بصورة وهؤلاء قولهم دائر بين أمرين‏:‏ إنكار رؤية الله وإثبات المخلوقات ويجعلون المخلوق هو الخالق أو يجعلون الخالق حالاً في المخلوق وإلا فتفريقهم بين الأعيان الثابتة في الخارج وبين وجودها هو قول من يقول بأن المعدوم شيء في الخارج وهو قول باطل وقد ضموا إليه أنهم جعلوا نفس وجود المخلوق هو وجود الخالق وأما التفريق بين المطلق والمعين مع أن المطلق لا يكون هو في الخارج مطلقاً يقتضي أن يكون الرب معدوماً وهذا هو جحود الرب وتعطيله وإن جعلوه ثابتاً في الخارج جعلوه جزءاً من الموجودات فيكون الخالق جزءاً من المخلوق أو عرضاً قائماً بالمخلوق وكل هذا مما يعلم فساده بالضرورة وقد بسط هذا في غير هذا الموضع‏.‏

وأما تناقضه فقوله‏:‏ ما غبت عن القلب ولا عن عيني ما بينكم وبيننا من بين يقتضي المغايرة وأن المخاطَب غير المخاطِب وأن المخاطب له عين قلب لا يغيب عنها المخاطب بل يشهده القلب والعين والشاهد غير المشهود‏.‏

وقوله‏:‏ ما بينكم وبيننا من بين فيه إثبات ضمير المتكلم وضمير المخاطب وهذا إثبات لاثنين وإن قالوا مظاهر ومجالي قيل فإن كانت المظاهر والمجالي غير الظاهر المتجلي فقد ثبتت التثنية وبطل التعدد وإن كان هو إياها فقد بطلت الوحدة فالجمع بينهما تناقض وقول القائل‏:‏ إن أراد الاتحاد المطلق فالمفارق هو المفارق وهو الطبع وظلم الطبع وهو المخاطب بقوله‏:‏ ‏"‏ وكن متحداً بالله وهو المخاطب بقوله‏:‏ ‏"‏ كل دعواك محال ‏"‏ وهو القائل هذا القول وفي ذلك من التناقض ما لا يخفى‏.‏

وإن أراد الاتحاد المقيد فهو ممتنع لأن الخالق والمخلوق إذا اتحدا فإن كانا بعد الاتحاد اثنين كما كانا قبل الاتحاد فذلك تعدد وليس باتحاد وإن كانا استحالا إلى شيء ثالث كما يتحد الماء واللبن والنار والحديد ونحو ذلك مما يشبه النصارى بقولهم في الاتحاد لزم من ذلك أن يكون الخالق قد استحال وتبدلت حقيقته كسائر ما يتحد مع غيره فإنه لا بد أن يستحيل وهذا ممتنع على الله ينزه الله عن ذلك لأن الاستحالة تقتضي عدم ما كان موجود أو الرب تعالى واجب الوجود بذاته وصفاته اللازمة له يمتنع العدم على شيء من ذلك ولأن صفات الرب اللازمة له صفات كمال فعدم شيء منها نقص تعالى الله عنه ولأن اتحاد المخلوق بالخالق يقتضي أن العبد متصف بالصفات القديمة اللازمة لذات الرب وذلك ممتنع على العبد المحدث المخلوق فإن العبد يلزمه الحدوث والافتقار والذل وصفات الرب تعالى اللازمة القدم والغنى والعزة وهو سبحانه قديم غني عزيز بنفسه يستحيل عليه نقيض ذلك فاتحاد أحدهما بالآخر يقتضي أن يكون الرب متصفاً بنقيض صفاته من الحدوث والفقر والذل والعبد متصفاً بنقيض صفاته من القدم والغنى الذاتي والعز الذاتي وكل ذلك ممتنع وبسط هذا يطول ولهذا سئل الجنيد عن التوحيد فقال‏:‏ التوحيد إفراد الحدوث عن القدم‏.‏

فبين أنه لا بد من تمييز المحدث عن القديم ولهذا اتفق أئمة المسلمين على أن الخالق بائن عن مخلوقاته ليس في مخلوقاته شيء من ذاته ولا في ذاته شيء من مخلوقاته بل الرب رب والعبد عبد ‏"‏ إن كل من في السموات والأرض إلا آتي الرحمن عبداً لقد أحصاهم وعدهم عداً وكلهم آتية يوم القيامة فرداً ‏"‏ وإن كان المتكلم بهذا البيت أراد الاتحاد الوصفي وهو أن يحب العبد ما يحبه الله ويبغض ما يبغضه الله ويرضى بما يرضي الله ويغضب لما يغضب الله ويأمر بما يأمر الله وينهى عما ينهى الله ويوالي من يواليه الله ويعادي من يعاديه الله ويحب لله ويبغض لله ويعطي لله ويمنع لله بحيث يكون موافقاً لربه تعالى فهذا المعنى حق وهو حقيقة الإيمان وكماله وفي الحديث الذي رواه البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏"‏ يقول الله تعالى من عادى لي ولياً فقد بارزني بالمحاربة وما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها فبي يسمع وبي يبصر وبي يبطش وبي يمشي ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذ بي لأعيذنه وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفسي عبدي المؤمن يكره الموت وأكره مساءته ولا بد له منه ‏"‏‏.‏

وهذا الحديث يحتج به أهل الوحدة وهو حجة عليهم من وجوه كثيرة منها أنه قال‏:‏ ‏"‏ من عادى لي ولياً فقد بارزني بالمحاربة ‏"‏ فأثبت نفسه ووليه ومعادي وليه وهؤلاء ثلاثة ثم قال‏:‏ ‏"‏ وما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه ولا يزال عبدي يتقرب لي بالنوافل حتى أحبه ‏"‏ فأثبت عبداً يتقرب إليه بالفرائض ثم بالنوافل وأنه لا يزال يتقرب بالنوافل حتى يحبه فإذا أحبه كان العبد يسمع به ويبصر به ويبطش به ويمشي به وهؤلاء هو عندهم قبل أن يتقرب بالنوافل وبعده هو عين العبد وعين غيره من المخلوقات فهو بطنه وفخذه لا يخصون ذلك بالأعضاء الأربعة المذكورة في الحديث فالحديث مخصوص بحال مقيد وهم يقولون بالإطلاق والتعميم فأين هذا من هذا وكذلك قد يحتجون بما في الحديث الصحيح إن الله يتجلى لهم يوم القيامة ثم يأتيهم في صورة غير الصورة التي رأوه فيها أول مرة فيقول‏:‏ أنا ربكم فيقولون‏:‏ نعوذ بالله منك هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا فإذا جاء ربنا عرفناه ثم يأتيهم في الصورة التي رأوه فيها أول مرة فيقول‏:‏ أنا ربكم فيقولون‏:‏ أنت ربنا‏.‏

فيجعلون هذا حجة لقولهم أنه يرى في الدنيا في كل صورة بل هو كل صورة وهذا الحديث حجة عليهم - في هذا - أيضاً فإنه لا فرق عندهم بين الدنيا والآخرة وهو عندهم في الآخرة فالمنكرون الذين قالوا نعوذ بالله منك حتى يأتينا ربنا هؤلاء الملاحدة يقولون أن العارف يعرفه في كل صورة فإن الذين أنكروه يوم القيامة في بعض الصور كان لقصور معرفتهم وهذا جهل منهم فإن الذين أنكروه يوم القيامة ثم عرفوه لما تجلى لهم في الصورة التي رأوه فيها أول مرة هم الأنبياء والمؤمنون وكان إنكارهم مما حمدهم سبحانه وتعالى عليه فإنه امتحنهم بذلك حتى لا يتبعوا غير الرب الذي عبدوه فلهذا قال في الحديث وهو يسألهم ويثبتهم‏:‏ ‏"‏ وقد نادى المنادي ليتبع كل قوم ما كانوا يعبدون ‏"‏ ثم يقال لهؤلاء الملاحدة إذا كان عندهم هو الظاهر في كل صورة فهو المنكِر وهو المنكَر كما قال بعض هؤلاء لآخر من قال لك‏:‏ إن في الكون سوى الله فقد كذب وقال له الآخر‏:‏ فمن هو الذي كذب وذكر ابن عربي أنه دخل على مريد له في الخلوة وقد جاءه الغائط فقال ما أبصر غيره أبول عليه فقال له شيخه‏:‏ فالذي يخرج من بطنك من أين هو قال‏:‏ فرجت عني‏.‏

ومر شيخان منهم التلمساني هذا والشيرازي على كلب أجرب ميت فقال الشيرازي للتلمساني‏:‏ هذا أيضاً من ذاته فقال التلمساني‏:‏ هل ثم شيء خارج عنها وكان التلمساني قد أضل شيخاً زاهداً عابداً ببيت المقدس يقال له أبو يعقوب المغربي المبتلى حتى كان يقول‏:‏ الوجود واحد وهو الله ولا أرى الواحد ولا أرى الله‏.‏

ويقول نطق الكتاب والسنة بثنوية الوجود والوجود واحد لا ثنوية فيه ويجعل هذا الكلام له تسبيحاً يتلوه كما يتلو التسبيح‏.‏

وأما قول الشاعر‏:‏ فشاهد حقاً حين يشهده الهوى بأن صلاة العارفين من الكفر فهذا الكلام مع أنه كفر هو كلام جاهل لا يتصور ما يقول فإن الفناء والغيب هو أن يغيب بالمذكور عن الذكر وبالمعروف عن المعرفة وبالمعبود عن العبادة حتى يفنى من لم يكن ويبقى من لم يزل وهذا مقام الفناء الذي يعرض لكثير من السالكين لعجزهم عن كمال الشهود المطابق للحقيقة بخلاف الفناء الشرعي فمضمونه الفناء بعبادته عن عبادة ما سواه وبحبه عن حب ما سواه وبخشيته عن خشية ما سواه وبطاعته عن طاعة ما سواه فإن هذا تحقيق التوحيد والإيمان‏.‏

وأما النوع الثالث‏:‏ من الفناء وهو الفناء عن وجود السوى بحيث يرى أن وجود الخالق هو وجود المخلوق - فهذا هو قول هؤلاء الملاحدة أهل الوحدة والمقصود هنا أن قوله يغيب عن المذكور كلام جاهل قال‏:‏ هذا لا يحمد أصلاً بل المحمود أن يغيب بالمذكور عن الذكر لا يغيب عن المذكور في سطوات الذكر اللهم إلا أن يريد أنه غاب عن المذكور فشهد المخلوق وشهد أنه الخالق ولم يشهد الوجود إلا واحداً ونحو ذلك من المشاهد الفاسدة فهذا شهود أهل الإلحاد لا شهود الموحدين ولعمري إن من شهد هذا الشهود الإلحادي فإنه يرى صلاة العارفين من الكفر وأما قول القائل‏:‏ أنظر لتراني منظراً معتبراً ما فيّ سوى وجود من أوجدني فهو من قول هؤلاء الملاحدة وأقوالهم كفر متناقض باطل في العقل والدين فإنه إذا لم يكن فيه إلا وجود من أوجده كان ذلك الوجود هو الكون المنادي وهو المخاطب المنادى وهو الأشتات المؤلفة المفرقة وهو المخاطب الذي قيل له‏:‏ انظر وحينئذ يكون الوجود الواجب القديم الأزلي قد أوجد نفسه وفرقها وألفها فهذا جمع بين النقيضين فالواجب هو الذي لا تقبل ذاته العدم فممتنع أن يكون الشيء الواحد قابلاً للعدم غير قابل للعدم والقديم هو الذي لا أول لوجوده والمحدث هو الذي له أول فيمتنع كون الشيء الواحد قديماً محدثاً ولولا أن قد علم مرادهم بهذا القول لأمكن أن يراد بذلك‏:‏ ما في سوى الوجود الذي خلقه من أوجدني وتكون إضافة الوجود إلى الله إضافة الملك لكن قد علم أنه لم يرد هذا ولأن هذه العبارة لا تستعمل في هذا المعنى وإنما يراد بوجود الله وجود ذاته لا وجود مخلوقاته وهكذا قول القائل‏:‏ وله ذات وجود ال كون الحق شهود أنه ليس لموجو د سوى الحق وجود مراده أن وجود الكون هو نفس وجود الحق وهذا هو قول أهل الوحدة وإلا فلو أراد أن وجود كل موجود من المخلوقات هو من الحق تعالى فليس لشيء موجود من نفسه وإنما وجوده من ربه والأشياء باعتبار أنفسها لا تستحق سوى العدم وإنما حصل لها الوجود من خالقها وبارئها فهي دائمة الافتقار إليه لا تستغني عنه لحظة لا في الدنيا ولا في الآخرة - لكان قد أراد معنى صحيحاً وهو الذي عليه أهل العقل والدين من الأولين والآخرين وهؤلاء القائلون بالوحدة قولهم متناقض ولهذا يقولون الشيء ونقيضه وإلا فقوله‏:‏ منه وإلى علاه يبدي ويعيد يناقض الوحدة فمن هو البادئ والعائد منه وإليه إذا لم يكن إلا واحد وقوله‏:‏ وما أنا في طراز الكون شيء لأني مثل ظل مستحيل يناقض الوحدة لأن الظل مغاير لصاحب الظل فإذا شبه المخلوق بالظل لزم إثبات اثنين كما إذا شبهه بالشعاع فإن شعاع الشمس ليس هو نفسه قرص الشمس وكذلك إذا شبهه بضوء السراج وغيره والنصارى تشبه الحلول والاتحاد بهذا‏.‏

وقلت لمن حضرني منهم بشيء من هذا‏:‏ فإذا كنتم تشبهون المخلوق بالشعاع الذي للشمس والنار والخالق بالنار والشمس فلا فرق في هذا بين المسيح وغيره فإن كل ما سوى الله على هذا هو بمنزلة الشعاع والضوء فما الفرق بين المسيح وبين إبراهيم وموسى بل ما الفرق بينه وبين سائر المخلوقات على هذا وجعلت أردد عليه هذا الكلام وكان في المسجد جماعة حتى فهمه جيداً وتبين له وللحاضرين أن قولهم باطل لا حقيقة له وإن ما أثبتوه للمسيح إما ممتنع في حق كل أحد وإما مشترك بين المسيح وغيره وعلى التقديرين فتخصيص المسيح بذلك باطل وذكرت له أنه ما من آية جاء بها المسيح إلا وقد جاء موسى بأعظم منها فإن المسيح صلى الله عليه وسلم وإن كان جاء بإحياء الموتى فالموتى الذين أحياهم الله على يد موسى أكثر كالذين قالوا‏:‏ ‏"‏ لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتهم الصاعقة ‏"‏ ثم أحياهم الله بعد موتهم وقد جاء بإحياء الموتى غير واحد من الأنبياء والنصارى يصدقون بذلك وأما جعل العصا حية فهذا أعظم من إحياء الميت فإن الميت كانت فيه حياة فردت الحياة إلى محل كانت فيه الحياة وأما جعل خشبة يابسة حيواناً تبتلع العصي والحبال فهذا أبلغ في القُدر وأقدر فإن الله يحيي الموتى ولا يجعل الخشب حياة‏.‏

وأما إنزال المائدة من السماء فقد كان ينزل على عسكر موسى كل يوم من المن والسلوى وينبع لهم من الحجر من الماء ما هو أعظم من ذلك فإن الحلو أو اللحم دائماً هو أجل في نوعه وأعظم في قدره مما كان على المائدة من الزيتون والسمك وغيرهما وذكرت له نحواً من ذلك مما تبين أن تخصيص المسيح بالاتحاد ودعوى الإلهية ليس له وجه وإن سائر ما يذكر فيه أما أن يكون مشتركاً بينه وبين غيره من المخلوقات وإما أن يكون مشتركاً بينه وبين غيره من الأنبياء والرسل مع أن بعض الرسل كإبراهيم وموسى قد يكون أكمل في ذلك منه وأما خلقه من امرأة بلا رجل فخلق حواء من رجل بلا امرأة أعجب من ذلك فإنه خلق من بطن امرأة وهذا معتاد بخلاف الخلق من ضلع رجل فإن هذا ليس بمعتاد فما من أمر يذكر في المسيح صلى الله عليه وسلم إلا وقد شركه فيه أو فيما هو أعظم منه غيره من بني آدم‏.‏

فعلم قطعاً أن تخصيص المسيح باطل وأن ما يدعى له أن كان ممكناً فلا اختصاص له به وإن كان ممتنعاً فلا وجود له فيه ولا في غيره ولهذا قال هؤلاء الاتحادية أن النصارى إنما كفروا بالتخصيص وهذا أيضاً باطل فإن الاتحاد عموم وخصوص والمقصود هنا أن تشبيه الاتحادية أحدهم بالظل المستحيل يناقض قولهم بالوحدة وكذلك قول الآخر‏:‏ أحن إليه وهو قلبي وهل يرى سواي أخو وجد يحن لقلبه ويحجب طرفي عنه إذ هو ناظري وما بعده إلا لإفراط قربه هو مع ما قصده به من الكفر والاتحاد كلام متناقض فإن حنين الشيء إلى ذاته متناقض ولهذا قال وهل يرى أخو وجد يحن لقلبه وقوله‏:‏ وما بعده إلا لإفراط قربه متناقض فإنه لا قرب ولا بعد عند أهل الوحدة فإنها تقتضي أن يقرب أحدهما من الآخر والواحد لا يقرب من ذاته ويبعد من ذاته‏.‏

وأما قول القائل‏:‏ التوحيد لا لسان له والألسنة كلها لسانه - فهذا أيضاً من قول أهل الوحدة وهو مع كفره قول متناقض فإنه يعلم بالاضطرار من دين الإسلام أن لسان الشرك لا يكون له لسان التوحيد وأن أقوال المشركين الذين قالوا‏:‏ ‏"‏ لا تذرن آلهتكم ولا تذرن وداً ولا سواعاً ولا يغوث ويعوق ونسراً ‏"‏ والذين قالوا‏:‏ ‏"‏ ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ‏"‏ والذين قالوا ‏"‏ وما نحن بتاركي آلهتنا وما نحن لك بمؤمنين إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء ‏"‏ والذين قالوا‏:‏ ‏"‏ حرقوه وانصروا آلهتكم ‏"‏ ونحو هؤلاء لسان هذا هو لسان التوحيد‏.‏

وأما تناقض هذا القول على أصلهم فإن الوجودان كان أحداً كان إثبات التعدد تناقضاً فإذا قال القائل‏:‏ الوجود واحد وقال الآخر‏:‏ ليس بواحد بل يتعدد كان هذان قولين متناقضين فيمتنع أن يكون أحدهما هو الآخر وإذا قال الألسنة كلها لسانه فقد صرح بالتعدد في قوله‏:‏ الألسنة كلها وذلك يقتضي أن لا يكون هذا اللسان هو هذا اللسان فثبت التعدد وبطلت الوحدة وكل كلام لهؤلاء ولغيرهم فإنه ينقض قولهم فإنهم مضطرون إلى إثبات التعدد‏.‏

فإن قالوا‏:‏ الوجود واحد بمعنى أن الموجودات اشتركت في مسمى الوجود فهذا صحيح لكن الموجودات المشتركات في مسمى الواحد لا يكون وجود هذا منها عين وجود هذا اشتراك في الاسم العام الكلي كالاشتراك في الأسماء التي يسميها النحاة اسم الجنس ويقسمها المنطقيون إلى جنس ونوع وفصل وخاصة وعرض عام فالاشتراك في هذه الأسماء هو مستلزم لتباين الأعيان وكون أحد المشتركين ليس هو الآخر وهذا مما به يعلم أن وجود الحق مباين للمخلوقات أعظم من مباينة هذا الموجود لهذا الموجود فإذا كان وجود الفلك مبايناً مخالفاً لوجود الذرة والبعوضة فوجود الحق تعالى أعظم مباينة لوجود كل مخلوق من مباينة وجود ذلك المخلوق لوجود مخلوق آخر‏.‏

وهذا وغيره مما يبين بطلان قول ذلك الشيخ حيث قال لا يعرف التوحيد إلا الواحد ولا تصح العبارة عن التوحيد وذلك لا يعبر عنه إلا بغير ومن أثبت غيراً فلا توحيد له - فإن هذا الكلام مع كفره متناقض فإن قوله‏:‏ لا يعرف التوحيد إلا واحد يقتضي أن هناك واحداً يعرفه وأن غيره لا يعرفه هذا تفريق بين من يعرفه ومن لا يعرفه وإثبات اثنين أحدهما يعرفه والآخر لا يعرفه إثبات للمغايرة بين من يعرفه ومن لا يعرفه فقوله بعد هذا من أثبت غيراً فلا توحيد له يناقض هذا وقوله‏:‏ إنه لا تصح العبارة عن التوحيد كفر بإجماع المسلمين فإن الله قد عبر عن توحيده ورسوله عبر عن توحيده والقرآن مملوء من ذكر التوحيد بل إنما أرسل الله الرسل وأنزل الكتب بالتوحيد وقد قال تعالى‏:‏ ‏"‏ واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون ‏"‏ وقال تعالى‏:‏ ‏"‏ وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون ‏"‏ ولو لم يكن عنه عبارة لما نطق به أحد وأفضل ما نطق به الناطقون هو التوحيد كما قال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ أفضل الذكر لا إله إلا الله وأفضل الدعاء الحمد لله ‏"‏ وقال‏:‏ ‏"‏ من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة ‏"‏ لكن التوحيد الذي يشير إليه هؤلاء الملاحدة وهو وحدة الوجود أمر ممتنع في نفسه لا يتصور تحققه في الخارج فإن الوحدة العينية الشخصية تمتنع في الشيئين المتعددين ولكن الوجود واحد في نوع الوجود بمعنى أن الاسم الموجود اسم عام يتناول كل أحد كما أن اسم الجسم والإنسان ونحوهما يتناول كل جسم وكل إنسان وهذا الجسم ليس هو ذاك وهذا الإنسان ليس هو ذاك وكذلك هذا الوجود ليس هو ذاك‏.‏

وقوله‏:‏ لا يصح التعبير عنه إلا بغير يقال له - أولاً - التعبير عن التوحيد يكون بالكلام والله يعبر عن التوحيد بكلام الله فكلام الله وعلمه وقدرته وغير ذلك من صفاته لا يطلق عليه عند السلف والأئمة القول بأنه الله ولا يطلق عليه بأنه غير الله لأن لفظ الغير قد يراد به ما يباين غيره وصفة الله لا تباينه ويراد به ما لم يكن إياه وصفة الله ليست إياه ففي أحد الاصطلاحين يقال إنه غير وفي الاصطلاح الآخر لا يقال إنه غير فلهذا لا يطلق أحدهما إلا مقروناً ببيان المراد لئلا يقول المبتدع إذا كانت صفة الله غيره فكل ما كان غير الله فهو مخلوق فيتوسل بذلك إلى أن يجعل علم الله وقدرته وكلامه ليس هو صفة قائمة به بل مخلوقة في غيره فإن هذا فيه من تعطيل صفات الخالق وجحد كماله ما هو من أعظم الإلحاد وهو قول الجهمية الذي كفرهم السلف والأئمة تكفيراً مطلقاً وإن كان الواحد المعين لا يكفر إلا بعد قيام الحجة التي يكفر تاركها‏.‏

وأيضاً فيقال لهؤلاء الملاحدة إن لم يكن في الوجود غير بوجه من الوجوه لزم أن يكون كلام الخلق وأكلهم وشربهم ونكاحهم وزناهم وكفرهم وشركهم وكل ما يفعلونه من القبائح هو نفس وجود الله ومعلوم أن من جعل هذا صفة لله كان من أعظم الناس كفراً وضلالاً فمن قال إنه عين وجود الله كان أكفر وأضل فإن الصفات والأعراض لا تكون عين الموجود القائم بنفسه وأئمة هؤلاء الملاحدة كابن عربي يقول‏:‏ وكل كلام في الوجود كلامه سواء علينا نثره ونظامه فيجعلون كلام المخلوقين من الكفر والكذب وغير ذلك كلاماً لله وأما هذا اللحيد فزاد على هؤلاء فجعل كلامهم وعبادتهم نفس وجوده لم يجعل ذلك كلاماً له بل يقال أن يكون هنا كلام لئلا يثبت غير آله وقد علم بالكتاب والسنة والإجماع وبالعلوم العقلية الضرورية إثبات غير الله تعالى وإن كل ما سواه من المخلوقات فإنه غير الله تعالى ليس هو الله ولا صفة من صفات الله ولهذا أنكر الله على من عبد غيره ولو لم يكن هناك غير لما صح الإنكار قال تعالى‏:‏ ‏"‏ قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون ‏"‏ وقال تعالى‏:‏ ‏"‏ قل أغير الله أتخذ ولياً ‏"‏ وقال تعالى‏:‏ ‏"‏ هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض ‏"‏ وقال تعالى‏:‏ ‏"‏ أفغير الله أبتغي حكماً وهو الذي أنزل وكذلك قول القائل‏:‏ وجدت المحبة غير المقصود لأنها لا تكون إلا من غير لغير وغير ما ثم ووجدت التوحيد غير المقصود لأن التوحيد ما يكون إلا من عبد لرب لو أنصف الناس ما رأوا عبداً ولا معبوداً - هو كلام فيه من الكفر والإلحاد والتناقض ما لا يخفى فإن الكتاب والسنة وإجماع المسلمين أثبتت محبة الله لعباده المؤمنين ومحبتهم له كقوله تعالى‏:‏ ‏"‏ والذين آمنوا أشد حباً لله ‏"‏ وقوله‏:‏ ‏"‏ يحبهم ويحبونه ‏"‏ وقوله‏:‏ ‏"‏ أحب إليكم من الله ورسوله ‏"‏ وقوله‏:‏ ‏"‏ إن الله يحب المتقين يحب المحسنين يحب التوابين ويحب المتطهرين ‏"‏‏.‏

وقال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح‏:‏ ‏"‏ ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان‏:‏ من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله ومن كان يكره أن يرجع في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار ‏"‏ وقد أجمع سلف الأمة وأئمتها على إثبات محبة الله تعالى لعباده المؤمنين ومحبتهم له وهذا أصل دين الخليل إمام الحنفاء عليه السلام وأول من أظهر ذلك في الإسلام الجعد بن درهم فضحى به خالد بن عبد الله القسري يوم الأضحى بواسط قال‏:‏ أيها الناس ضحوا يقبل الله ضحاياكم فإني مضح بالجعد بن درهم أنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلاً ولم يكلم موسى تكليماً تعالى الله عما يقول الجعد علواً كبيراً‏.‏

ثم نزل فذبحه‏.‏

وقوله‏:‏ المحبة ما تكون إلا من غير لغير وغير ما ثم - كلام باطل من كل وجه فإن قوله‏:‏ لا يكون إلا من غير ليس بصحيح فإن الإنسان يحب نفسه وليس غيراً لنفسه والله يحب نفسه وقوله ما ثم غير - باطل فإن المخلوق غير الخالق والمؤمنون غير الله وهم يحبونه فالدعوى باطلة فكل واحدة من مقدمتي الحجة باطلة - قوله‏:‏ لا تكون إلا من غير لغير وقوله‏:‏ غير ما ثم - فإن الغير موجود والمحبة تكون من المحبوب لنفسه يحب نفسه ولهذا كثير من الاتحادية يناقضه في هذا ويقول كما قال ابن الفارض‏.‏

وكذلك قوله‏:‏ التوحيد لا يكون إلا من عبد لرب ولو أنصف الناس ما رأوا عابداً ولا معبوداً - كلا المقدمتين باطل فإن التوحيد يكون من الله لنفسه فإنه يوحد نفسه بنفسه كما قال تعالى‏:‏ ‏"‏ شهد الله أنه لا إله إلا هو ‏"‏ والقرآن مملوء من توحيد الله لنفسه فقد وحد نفسه بنفسه كقوله‏:‏ ‏"‏ وإلهكم إله واحد ‏"‏ وقوله‏:‏ ‏"‏ وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد فاعلم أنه لا إله
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://ehabmtwale.forumegypt.net
ايهاب متولى
مؤسس الموقع
مؤسس الموقع
avatar

عدد المساهمات : 1578
نقاط : 3229
تاريخ التسجيل : 10/01/2011
العمر : 39

مُساهمةموضوع: فصل فلما نهيتهم عن ذلك أظهروا الموافقة والطاعة ومضت على ذلك مدة   2011-08-04, 23:31



مناظرة ابن تيمية العلنية لدجاجلة البطائحية الرفاعية وهي من أعظم ما تصدى له وقام به شيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن تيمية قدس الله روحه من إقامة فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإحياء السنة ومحاربة البدعة بعد أن أهمل ذلك الحكام فالعلماء ففشت البدع وصار كثير منها يعد من شعائر الدين أو خصائص الصالحين فكان رحمه الله من أعظم المجددين قال‏:‏ بسم الله الرحمن الرحيم‏:‏ الحمد لله رب العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله رب السموات والأرضين وأشهد أن محمداً عبده ورسوله خاتم النبيين صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم تسليماً دائماً إلى يوم الدين‏.‏

أما بعد فقد كتبت ما حضرني ذكره في المشهد الكبير بقصر الإمارة والميدان بحضرة الخلق من الأمراء والكتاب والعلماء والفقراء العامة وغيرهم في أمر البطائحية يوم السبت تاسع جمادى الأولى سنة خمس لتشوف الهمم إلى معرفة ذلك وحرص الناس على الإطلاع عليه فإن من كان غائباً عن ذلك قد يسمع بعض أطراف الواقعة ومن شهدها فقد رأى وسمع ما رأى وسمع ومن الحاضرين من سمع ورأى ما لم يسمع غيره ويره لانتشار هذه الواقعة العظيمة ولما حصل بها من عز الدين وظهور كلمته العليا وقهر الناس على متابعة الكتاب والسنة وظهور زيف من خرج عن ذلك من أهل البدع المضلة والأحوال الفاسدة والتلبيس على المسلمين‏.‏

وقد كتبت في غير هذا الموضع صفة حال هؤلاء البطائحية وطريقهم وطريق الشيخ أحمد بن الرفاعي وحاله وما وافقوا منه المسلمين وما خالفوهم ليتبين ما دخلوا فيه من دين الإسلام وما خرجوا فيه عن دين الإسلام فإن ذلك يطول وصفه في هذا الموضع وإنما كتبت هنا ما حضرني ذكره من حكاية هذه الواقعة المشهورة في مناظرتهم ومقابلتهم وذلك أني كنت أعلم من حالهم بما قد ذكرته في غير هذا الموضع وهو أنهم وإن كانوا منتسبين إلى الإسلام وطريقة الفقر والسلوك ويوجد في بعضهم التعبد والتأله والوجد والمحبة والزهد والفقر والتواضع ولين الجانب والملاطفة في المخاطبة والمعاشرة والكشف والتصرف ونحو ذلك ما يوجد فيوجد أيضاً في بعضهم من الشرك وغيره من أنواع الكفر ومن الغلو والبدع في الإسلام والأعراض عن كثير مما جاء به الرسول والاستخفاف بشريعة الإسلام والكذب والتلبيس وإظهار المخارق الباطلة وأكل أموال الناس بالباطل والصد عن سبيل الله ما يوجد وقد تقدمت لي معهم وقائع متعددة بينت فيها لمن خاطبته منهم ومن غيرهم بعض ما فيهم من حق وباطل وأحوالهم التي يسمونها الإشارات وتاب منهم جماعة وأدب منهم جماعة من شيوخهم وبينت صورة ما يظهرونه من المخاريق مثل ملابسة النار والحيات وإظهار الدم واللاذن والزعفران وماء الورد والعسل والسكر وغير ذلك وإن عامة ذلك عن حيل معروفة وأسباب مصنوعة وأراد غير مرة منهم قوم إظهار ذلك فلما رأوا معارضتي لهم رجعوا ودخلوا على أن أسترهم فأجبتهم إلى ذلك بشرط التوبة حتى قال لي شيخ منهم في مجلس عام فيه جماعة كثيرة ببعض البساتين لما عارضتهم بأني أدخل معكم النار بعد أن نغتسل بما يذهب الحيلة ومن احترق كان مغلوباً فلما رأوا الصدق أمسكوا عن ذلك‏.‏

وحكى ذلك الشيخ أنه كان مرة عند بعض أمراء التتر بالمشرق وكان له صنم يعبده قال‏:‏ فقال لي‏:‏ هذا الصنم يأكل من هذا الطعام كل يوم ويبقى أثر الأكل في الطعام بينا يرى فيه فأنكرت ذلك فقال لي‏:‏ إن كان يأكل أنت تموت فقلت‏:‏ نعم فأقمت عنده إلى نصف النهار ولم يظهر في الطعام أثر فاستعظم التتري ذلك وأقسم بأيمان مغلظة أنه كل يوم يرى فيه أثر الأكل لكن اليوم بحضورك لم يظهر ذلك فقلت لهذا الشيخ‏:‏ أنا أبين لك سبب ذلك ذلك التتري كافر مشرك ولصنمه شيطان يغويه بما يظهره من الأثر في الطعام وأنت كان معك من نور الإسلام وتأييد الله تعالى ما أوجب انصراف الشيطان عن أن يفعل ذلك بحضورك وأنت وأمثالك بالنسبة إلى أهل الإسلام الخالص كالتتري بالنسبة إلى أمثالك فالتتري وأمثاله سود وأهل الإسلام المحض بيض وأنتم بلق فيكم سواد وبياض فأعجب هذا المثل من كان حاضراً‏.‏

وقلت لهم في مجلس آخر لما قالوا‏:‏ تريد أن نظهر هذه الإشارات قلت‏:‏ إن عملتوها بحضور من ليس من أهل الشأن من الأعراب والفلاحين أو الأتراك أو العامة أو جمهور المتفقهة والمتفقرة والمتصوفة لم يحسب لكم ذلك فمن معه ذهب فليأت به إلى سوق الصرف إلى عند الجهابذة الذين يعرفون الذهب الخالص من المغشوش من الصفر لا يذهب إلى عند أهل الجهل بذلك فقالوا لي‏:‏ لا نعمل هذا إلا أن تكون همتك معنا فقلت‏:‏ همتي ليست معكم بل أنا معارض لكم مانع لكم لأنكم تقصدون بذلك إبطال شريعة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فإن كان فلما كان قبل هذه الواقعة بمدة كان يدخل منهم جماعة مع شيخ لهم من شيوخ البر مطوقين بأغلال الحديد في أعناقهم وهو وأتباعه معروفون بأمور وكان يحضر عندي مرات فأخاطبه بالتي هي أحسن فلما ذكر الناس ما يظهرونه من الشعار المبتدع الذي يتميزون به عن المسلمين ويتخذونه عبادة وديناً يوهمون به الناس إن هذا لله سر من أسرارهم وإنه سيماء أهل الموهبة الإلهية السالكين طريقهم أعني طريق ذلك الشيخ وأتباعه - خاطبته في ذلك بالمسجد الجامع وقلت‏:‏ هذا بدعة لم يشرعها الله تعالى ولا رسوله ولا فعل ذلك أحد من سلف هذه الأمة ولا من المشايخ الذين يقتدي بهم ولا يجوز التعبد بذلك ولا التقرب به إلى الله تعالى لأن عبادة الله بما لم يشرعه ضلالة ولباس الحديد على غير وجه التعبد قد كرهه من كرهه من العلماء للحديث المروي في ذلك وهو أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم رأى على رجل خاتماً من حديد فقال‏:‏ ‏"‏ ما لي أرى عليك حلية أهل النار ‏"‏ وقد وصف الله تعالى أهل النار بأن في أعناقهم الأغلال فالتشبه بأهل النار من المنكرات وقال بعض الناس‏:‏ قد ثبت في الصحيح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم في حديث الرؤيا قال في آخره ‏"‏ أحب القيد وأكره الغل القيد ثبات في الدين ‏"‏ فإذا كان مكروهاً في المنام فكيف في اليقظة‏.‏

فقلت له في ذلك المجلس ما تقدم من كلام أو نحواً منه مع زيادة وخوفته من عاقبة الإصرار على البدعة وأن ذلك يوجب عقوبة فاعله ونحو ذلك من الكلام الذي نسيت أكثره لبعد عهدي به وذلك أن الأمور التي ليست مستحبة في الشرع لا يجوز التعبد بها باتفاق المسلمين ولا التقرب بها إلى الله ولا اتخاذها طريقاً إلى الله وسبباً لأن يكون الرجل من أولياء الله وأحبائه ولا اعتقاد أن الله يحبها أو يحب أصحابها كذلك أو أن اتخاذها يزداد به الرجل خيراً عند الله وقربة إليه ولا أن يجعل شعاراً للتائبين المريدين وجه الله الذين هم أفضل ممن ليس مثلهم فهذا أصل عظيم تجب معرفته والاعتناء به وهو أن المباحثات إنما تكون مباحة إذا جعلت مباحات فأما إذا اتخذت واجبات أو مستحبات كان ذلك ديناً لم يشرعه الله وجعل ما ليس من الواجبات والمستحبات منها بمنزلة جعل ما ليس من المحرمات منها فلا حرام إلا ما حرمه الله ولا دين إلا ما شرعه الله ولهذا عظم ذم الله في القرآن لمن شرع ديناً لم يأذن الله به ولمن حرم ما لم يأذن الله بتحريمه فإذا كان هذا في المباحات فكيف بالمكروهات أو المحرمات ولهذا كانت هذه الأمور لا تلزم بالنذر فلو نذر الرجل فعل مباح أو مكروه أو محرم لم يجب عليه فعله كما يجب عليه إذا نذر طاعة الله أن يطيعه بل عليه كفارة يمين إذا لم يفعل عند أحمد وغيره وعند آخرين لا شيء عليه فلا يصير بالنذر ما ليس بطاعة ولا عبادة ونحو ذلك العهود التي تتخذ على الناس لالتزام طريقة شيخ معين وعهود أهل الفتوة ورماة البندق ونحو ذلك ليس على الرجل أن يلتزم من ذلك على وجه الدين والطاعة لله إلا ما كان ديناً وطاعة لله ورسوله في شرع الله لكن قد يكون عليه كفارة عند الحنث في ذلك ولهذا أمرت غير واحد أن يعدل عما أخذ عليه من العهد بالتزام طريقة مرجوحة أو مشتعلة على أنواع من البدع إلى ما هو خير منها من طاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وإتباع الكتاب والسنة إذ كان المسلمون متفقين على أنه لا يجوز لأحد أن يعتقد أو يقول عن عمل أنه قربة وطاعة وبر وطريق إلى الله واجب أو مستحب إلا أن يكون مما أمر الله به ورسوله صلى الله عليه وسلم وذلك يعلم بالأدلة المنصوبة على ذلك وما علم باتفاق الأمة أنه ليس بواجب ولا مستحب ولا قربة لم يجز أن يعتقد أو يقال أنه قربة وطاعة فكذلك هم متفقون على أنه لا يجوز قصد التقرب به إلى الله ولا التعبد به ولا اتخاذه ديناً ولا عمله من الحسنات فلا يجوز جعله من الدين لا باعتقاد وقول ولا بإرادة وعمل وبإهمال هذا الأصل غلط خلق كثير من العلماء والعباد يرون الشيء إذا لم يكن محرماً لا ينهى عنه بل يقال إنه جائز لا يفرقون بين اتخاذه ديناً وطاعة وبراً وبين استعماله كما تستعمل المباحات المحضة ومعلوم أن اتخاذه ديناً بالاعتقاد أو الاقتصاد أو بهما وبالقول أو بالعمل أو بهما من أعظم المحرمات وأكبر السيئات وهذا من البدع المنكرات التي هي أعظم من المعاصي التي يعلم أنها معاصي سيئات‏.‏

فصل فلما نهيتهم عن ذلك أظهروا الموافقة والطاعة ومضت على ذلك مدة

فلما نهيتهم عن ذلك أظهروا الموافقة والطاعة ومضت على ذلك مدة والناس يذكرون عنهم الإصرار على الابتداع في الدين وإظهار ما يخالف شرعة المسلمين ويطلبون الإيقاع بهم وأنا أسلك مسلك الرفق والأناة وأنتظر الرجوع والفيئة وأؤخر الخطاب إلى أن يحضر ذلك الشيخ المسجد الجامع وكان قد كتب إلي كتاباً بعد كتاب فيه احتجاج واعتذار وعتب وآثار وهو كلام باطل لا تقوم به حجة بل إما أحاديث موضوعة أو إسرائيليات غير مشروعة وحقيقة الأمر الصد عن سبيل الله وأكل أموال الناس بالباطل فقلت لهم‏:‏ الجواب يكون بالخطاب فإن جواب مثل هذا الكتاب لا يتم إلا بذلك وحضر عندنا منهم شخص فنزعنا الغل من عنقه وهؤلاء هم من أهل الأهواء الذين يتعبدون في كثير من الأمور بأهوائهم لا بما أمر الله تعالى ورسوله صلى الله تعالى عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله ‏"‏ ولهذا غالب وجدهم هوى مطلق لا يدرون من يعبدون وفيهم شبه قوي من النصارى الذي قال الله تعالى فيهم ‏"‏ يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيراً وضلوا عن سواء السبيل ‏"‏ ولهذا كان السلف يسمون أهل البدع أهل الأهواء فحملهم هواهم على أن تجمعوا تجمع الأحزاب ودخلوا إلى المسجد الجامع مستعدين للحراب بالأحوال التي يعدونها للغلاب فلما قضيت صلاة الجمعة أرسلت إلى شيخهم لنخاطبه بأمر الله ورسوله صلى الله تعالى عليه وسلم ونتفق على إتباع سبيله فخرجوا من المسجد الجامع في جموعهم إلى قصر الإمارة وكأنهم اتفقوا مع بعض الأكابر على مطلوبهم ثم رجعوا إلى مسجد الشاغو على ما ذكر لي وهم من الصياح والاضطراب على أمر من أعجب العجاب فأرسلت إليهم مرة ثانية لإقامة الحجة والمعذرة وطلباً للبيان والتبصرة ورجاء المنفعة والتذكرة‏.‏

فعمدوا إلى القصر مرة ثانية وذكر لي أنهم قدموا من الناحية الغربية مظهرين الضجيج والعجيج والإزباد والإرعاد واضطراب الرؤوس والأعضاء والتقلب في نهر بردى وإظهار التوله الذي يخيلوا به على الردى وإبراز ما يدعونه من الحال والمحال الذي يسلمه إليهم من أضلوا من الجهال‏.‏

فلما رأى الأمير ذلك هاله ذلك المنظر وسأل عنهم فقيل لهم هم مشتكون فقال ليدخل بعضهم فدخل شيخهم وأظهر من الشكوى علي ودعوى الاعتداء مني عليهم كلاماً كثيراً لم يبلغني جميعه لكن حدثني من كان حاضراً أن الأمير قال لهم‏:‏ فهذا الذي يقوله من عنده أو يقوله عن الله ورسوله صلى الله عليه وسلم فقالوا‏:‏ بل يقوله عن الله ورسوله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ فأي شيء يقال له قالوا‏:‏ نحن لنا أحوال وطريق يسلم إلينا قال‏:‏ فنسمع كلامه فمن كان الحق معه نصرناه قالوا‏:‏ نريد أن تشد منا قال‏:‏ لا ولكن أشد من الحق سواء كان معكم أو معه قالوا‏:‏ ولا بد من حضوره قال‏:‏ نعم فكرروا ذلك فأمر بإخراجهم فأرسل إلي بعض خواصه من أهل الصدق والدين ممن يعرف ضلالهم وعرفني بصورة الحال وأنه يريد كشف أمر هؤلاء فلما علمت ذلك ألقي في قلبي أن ذلك لأمر يريده الله من إظهار الدين وكشف حال أهل النفاق المبتدعين لانتشارهم في أقطار الأرضين وما أحببت البغي عليهم والعدوان ولا أن أسألك معهم ألا أبلغ ما يمكن من الإحسان فأرسلت إليهم من عرفهم بصورة الحال وأني إذا حضرت كان ذلك عليكم من الوبال وكثر فيكم القيل والقال وإن من قعد أو قام قدام رماح أهل الإيمان فهو الذي أوقع نفسه في الهوان فجاء الرسول وأخبر أنهم اجتمعوا بشيوخهم الكبار الذين يعرفون حقيقة الأسرار وأشاروا عليهم بموافقة ما أمروا به من إتباع الشريعة والخروج عما ينكر عليهم من البدع الشنيعة وقال شيخهم الذي يسيح بأقطار الأرض كبلاد الترك ومصر وغيرها‏:‏ أحوالنا تظهر عند التتار لا تظهر عند شرع محمد بن عبد الله وأنهم نزعوا الأغلال من الأعناق وأجابوا إلى الوفاق‏.‏

ثم ذكر لي أنه جاءهم بعض أكابر غلمان المطاع وذكر أنه لا بد من حضورهم لموعد الاجتماع فاستخرت الله تعالى تلك الليلة واستعنته واستنصرته واستهديته وسلكت سبيل عباد الله في مثل هذه المسالك حتى ألقي في قلبي أن أدخل النار عند الحاجة إلى ذلك وأنها تكون برداً وسلاماً على من اتبع ملة الخليل وأنه تحرق أشباه الصابئة أهل الخروج عن هذه السبيل وقد كان بقايا الصابئة أعداء إبراهيم إمام الحنفاء بنواحي البطائح منضمين إلى من يضاهيهم من نصارى الدهماء‏.‏

وبين الصابئة ومن ضل من العباد المنتسبين إلى هذا الدين نسب يعرفه من عرف الحق المبين فالغالية من القرامطة والباطنية كالنصيرية والإسماعيلية يخرجون إلى مشابهة الصابئة الفلاسفة ثم إلى الإشراك ثم إلى جحود الحق تعالى ومن شركهم الغلو في البشر والابتداع في العبادات والخروج عن الشريعة له نصيب من ذلك بحسب ما هو لائق كالملحدين من أهل الاتحاد والغالية من أصناف العباد‏.‏

فلما أصبحنا ذهبت للميعاد وما أحببت أن أستصحب أحداً للإسعاد لكن ذهب أيضاً بعض من كان حاضراً من الأصحاب والله هو المسبب لجميع الأسباب وبلغني بعد ذلك أنهم طافوا على عدد من أكابر الأمراء وقالوا أنواعاً مما جرت به عادتهم من التلبيس والإفتراء الذي استحوذوا به على أكثر أهل الأرض من الأكابر والرؤساء مثل زعمهم أن لهم أحوالاً لا يقاومهم فيها أحد من الأولياء وأن لهم طريقاً لا يعرفها أحد من العلماء وأن شيخهم هو في المشايخ كالخليفة وأنهم يتقدمون على الخلق بهذه الأخبار المنيفة وأن المنكر عليهم ما هو آخذ بالشرع الظاهر غير واصل إلى الحقائق والسرائر‏.‏

وأن لهم طريقاً وله طريق وهم الواصلون إلى كنه التحقيق وأشباه هذه الدعاوي ذات الزخرف والتزويق وكانوا لفرط انتشارهم في البلاد واستحواذهم على الملوك والأمراء والأجناد لخفاء نور الإسلام واستبدال أكثر الناس بالنور الظلام وطموس آثار الرسول في أكثر الأمصار ودروس حقيقة الإسلام في دولة التتار لهم في القلوب موقع هائل ولهم فيهم من الاعتقاد ما لا يزول بقول قائل‏.‏

قال المخبر فغدا أولئك الأمراء الأكابر وخاطبوا فيهم نائب السلطان بتعظيم أمرهم الباهر وذكر لي أنواعاً من الخطاب والله تعالى أعلم بحقيقة الصواب والأمير مستشعر ظهور الحق عند التحقيق فأعاد الرسول لي مرة ثانية فبلغه أنا في الطريق وكان كثير من أهل البدع الأضداد كطوائف من المتفقهة والمتفقرة وإتباع أهل الاتحاد مجدين في نصرهم بحسب مقدورهم مجهزين لمن يعينهم في حضورهم فلما حضرت وجدت النفوس في غاية الشوق إلى هذا الاجتماع متطلعين إلى ما سيكون طالبين للإطلاع فذكر لي نائب السلطان وغيره من الأمراء بعض ما ذكروه من الأقوال المشتملة على الافتراء وقال إنهم قالوا‏:‏ إنك طلبت منهم الامتحان وأن يحموا الأطواق ناراً ويلبسوها فقلت هذا من البهتان‏.‏

وها أنا ذا أصف ما كان قلت للأمير‏:‏ نحن لا نستحل أن نأمر أحداً بأن يدخل ناراً ولا يجوز طاعة من يأمر بدخول النار وفي ذلك الحديث الصحيح وهؤلاء يكذبون في ذلك وهم كذابون مبتدعون قد أفسدوا من أمر دين المسلمين ودنياهم ما الله به عليم وذكرت تلبيسهم على طوائف من الأمراء وأنهم لبسوا على الأمير المعروف بالأيدمري وعلى قفجق نائب السلطنة وعلى غيرهما وقد لبسوا أيضاً على الملك العادل كتفاً في ملكه وفي حالة ولاية حماه وعلى أمير السلاح أجل أمير بديار مصر وضاق المجلس عن حكاية جمع تلبيسهم على الأيدمري وأنهم كانوا يرسلون من النساء من يستخبر عن أحوال بيته الباطنة ثم يخبرونه بها على طريق المكاشفة ووعدوه بالملك وأنهم وعدوه أن يروه رجال الغيب فصنعوا خشباً طوالاً وجعلوا عليها من يمشي كهيئة الذي يلعب باكر الزجاج فجعلوا يمشون على جبل المزة وذاك يرى من بعيد قوماً يطوفون على الجبل وهم يرتفعون عن الأرض وأخذوا منه مالاً كثيراً ثم انكشف له أمرهم‏.‏

قلت للأمير وولده‏:‏ هو الذي في حلقة الجيش يعلم ذلك وهو ممن حدثني بهذه القصة وأما قفجق فإنهم أدخلوا رجلاً في القبر يتكلم وأوهموه أن الموتى تتكلم وأتوا به في مقابر باب الصغير إلى رجل زعموا أنه الرجل الشعراني الذي بجبل لبنان ولم يقربوه منه بل من بعيد لتعود عليه بركته وقالوا أنه طلب منه جملة من المال فقال قفجق الشيخ يكاشف وهو يعلم أن خزائني ليس فيها هذا كله وتقرب قفجق منه وجذب الشعر فانقلع الجلد الذي ألصقوه على جلده من جلد الماعز فذكرت للأمير هذا ولهذا قيل لي إنه لما انقضى المجلس وانكشف حالهم للناس كتب أصحاب قفجق إليه كتاباً وهو نائب السلطنة بحماه يخبره بصورة ما جرى‏.‏

وذكرت للأمير انهم مبتدعون بأنواع من البدع مثل الغلال ونحوها وأنا نهيناهم عن البدع الخارجة عن الشريعة فذكر الأمير حديث البدعة وسألني عنه فذكرت حديث العرباض بن سارية وحديث جابر بن عبد الله وقد ذكرتهما بعد ذلك في المجلس العام كما سأذكره‏.‏

قلت للأمير‏:‏ أنا ما امتحنت هؤلاء لكن هم يزعمون أن لهم أحوالاً يدخلون بها النار وأن أهل الشريعة لا يقدرون على ذلك ويقولون لنا هذه الأحوال التي يعجز عنها أهل الشرع فليس لهم أن يعترضوا علينا بل يسلم إلينا ما نحن عليه سواء وافق الشرع أو خالفه وأنا قد استخرت الله سبحانه أنهم إن دخلوا النار أدخل أنا وهم ومن احترق منا ومنهم فعليه لعنة الله وكان مغلوباً وذلك بعد أن نغسل جسومنا بالخل والماء الحار فقال الأمير‏:‏ ولم ذاك قلت‏:‏ لأنهم يطلون أجسامهم بأدوية يصنعونها من دهن الضفادع وباطن قشر النارنج وحجر الطلق وغير ذلك من الحيل المعروفة لهم وأنا لا أطلي جلدي بشيء فإذا اغتسلت أنا وهم بالخل والماء الحار بطلت الحيلة وظهر الحق فاستعظم الأمير هجومي على النار وقال‏:‏ أتقبل ذلك فقلت له‏:‏ نعم قد استخرت الله في ذلك وألقى في قلبي أن أفعله ونحن لا نرى هذا وأمثاله ابتداءً فإن خوارق العادات إنما تكون لأمة محمد صلى الله عليه وسلم المتبعين له باطناً وظاهراً لحجة أو حاجة فالحجة لإقامة دين الله والحاجة لما لا بد منه من النصر والرزق الذي به يقوم دين الله وهؤلاء إذا أظهروا ما يسمونه إشاراتهم وبراهينهم التي يزعمون أنها تبطل دين الله وشرعه وجب علينا أن ننصر الله ورسوله صلى الله تعالى عليه وسلم ونقوم في نصر دين الله وشريعته بما نقدر عليه من أرواحنا وجسومنا وأموالنا فلنا حينئذ أن نعارض ما يظهرونه من هذه المخاريق بما يؤيد الله به من الآيات‏.‏

وليعلم أن هذا مثل معارضة موسى السحرة لما أظهروا سحرهم أيد الله موسى بالعصا التي ابتلعت سحرهم فجعل الأمير يخاطب من حضره من الأمراء على السماط بذلك وفرح بذلك وكأنهم كانوا قد أوهموه أن هؤلاء لهم حال على رده وسمعته يخاطب الأمير الكبير الذي قدم من مصر الحاج بهادر وأنا جالس بينهما على رأس السماط بالتركي ما فهمته منه أنه قال اليوم ترى حرباً عظيماً ولعل ذلك كان جواباً لمن كان خاطبه فيهم على ما قيل‏.‏

وحضر شيوخهم الأكابر فجعلوا يطلبون من الأمير الإصلاح وإطفاء هذه القضية ويترفقون فقال الأمير‏:‏ إنما يكون الصلح بعد ظهور الحق وقمنا إلى مقعد الأمير بزاوية القصر أنا وهو وبهادر فسمعته يذكر له أيوب الحمال بمصر والمولهين ونحو ذلك فدل ذلك على أنه كان عند هذا الأمير لهم صورة معظمة وأن له فيهم ظناً حسناً والله أعلم بحقيقة الحال فإنه ذكر لي ذلك وكان الأمير أحب أن يشهد بهادر هذه الواقعة ليتبين له الحق فإنه من أكابر الأمراء وأقدمهم وأعظمهم حرمة عنده وقد قدم الآن وهو يحب تأليفه وإكرامه فأمر ببساط يبسط في الميدان وقد قدم البطائحية وهم جماعة كثيرون وقد أظهروا أحوالهم الشيطانية من الإزباد والإرغاء وحركة الرؤوس والأعضاء والطفر والحبو والتقلب ونحو ذلك من الأصوات المنكرات والحركات الخارجة عن العادات المخالفة لما أمر به لقمان لابنه في قوله‏:‏ ‏"‏ واقصد في مشيك واغضض من صوتك ‏"‏ فلما جلسنا وقد حضر خلق عظيم من الأمراء والكتاب والعلماء والفقراء والعامة وغيرهم وحضر شيخهم الأول المشتكي وشيخ آخر يسمى نفسه خليفة سيده أحمد ويركب بعلمين وهم يسمونه عبد الله الكذاب ولم أكن أعرف ذلك وكان من مدة قد قدم علي منهم شيخ بصورة لطيفة وأظهر ما جرت به عادتهم من المسائلة فأعطيته طلبته ولم أتفطن لكذبه حتى فارقني فبقي في نفسي أن هذا خفي على تلبيسه إلى أن غاب وما يكاد يخفى علي تلبيس أحد بل أدركه في أول الأمر فبقي ذلك في نفسي ولم أره قط إلى حين ناظرته ذكر لي أنه ذاك كان اجتمع بي قديماً فتعجبت من حسن صنع الله أنه هتكه في أعظم مشهد يكون حيث كتم تلبيسه بيني وبينه فلما حضروا تكلم منهم شيخ يقال له حاتم بكلام مضمون طلب الصلح والعفو عن الماضي والتوبة وإنا مجيبون إلى ما طلب من ترك هذه الأغلال وغيرها من البدع ومتبعون للشريعة فقلت‏:‏ أما التوبة فمقبولة قال الله تعالى‏:‏ ‏"‏ غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ‏"‏ هذه إلى جنب هذه وقال تعالى‏:‏ ‏"‏ نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم وأن عذابي هو العذاب الأليم ‏"‏ فأخذ شيخهم المشتكي ينتصر للبسهم الأطواق وذكر أن وهب بن منبه أنه كان في بني إسرائيل عابد وأنه جعله في عنقه طوقاً في حكاية من حكايات بين إسرائيل لا تثبت فقلت‏:‏ لهم ليس لنا أن نتعبد في ديننا بشيء من الإسرائيليات المخالفة لشرعنا قد روى الإمام أحمد في مسنده عن جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم رأى بيد عمر بن الخطاب ورقة من التوراة فقال‏:‏ ‏"‏ أمتهوكون يا ابن الخطاب لقد جئتكم بها بيضاء نقية لو كان موسى حياً ثم اتبعتموه وتركتموني لضللتم ‏"‏‏.‏

وفي مراسيل أبي داود أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم رأى مع بعض أصحابه شيئاً من كتب أهل الكتاب فقال‏:‏ ‏"‏ كفى بقوم ضلالة أن يتبعوا كتاباً غير كتابهم أنزل إلى نبي غير نبيهم ‏"‏ وأنزل الله تعالى‏:‏ ‏"‏ أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم ‏"‏ فنحن لا يجوز لنا إتباع موسى ولا عيسى فيما علمنا أنه أنزل عليهما من عند الله إذا خالف شرعنا وإنما علينا أن نتبع ما أنزل علينا من ربنا ونتبع الشرعة والمنهاج الذي بعث الله به إلينا رسولنا كما قال تعالى‏:‏ ‏"‏ وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً ‏"‏ فكيف يجوز لنا أن نتبع عباد بني إسرائيل في حكاية لا تعلم صحتها وما علينا من عباد بني إسرائيل ‏"‏ تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسئلون عما كانوا يعملون ‏"‏ هات ما في القرآن وما في الأحاديث الصحاح كالبخاري ومسلم وذكرت هذا وشبهه بكيفية قوية‏.‏

فقال هذا الشيخ منهم يخاطب الأمير نحن نريد أن تجمع لنا القضاة الأربعة والفقهاء ونحن قوم شافعية فقلت‏:‏ له هذا غير مستحب ولا مشروع عند أحد من علماء المسلمين بل كلهم ينهى عن التعبد به ويعده بدعة وهذا الشيخ كمال الدين بن الزملكاني مفتي الشافعية ودعوته وقلت‏:‏ يا كمال الدين ما تقول في هذا فقال‏:‏ هذا بدعة غير مستحبة بل مكروهة أو كما قال وكان مع بعض الجماعة فتوى فيها خطوط طائفة من العلماء بذلك‏.‏

وقلت‏:‏ ليس لأحد الخروج عن شريعة محمد صلى الله تعالى عليه وسلم ولا الخروج عن كتاب الله وسنة رسوله صلى الله تعالى عليه وسلم وأشك هل تكلمت هنا في قصة موسى والخضر فإني تكلمت بكلام بعد عهدي به فانتدب ذلك الشيخ عبد الله ورفع صوته وقال‏:‏ نحن لنا أحوال وأمور باطنة لا يوقف عليها وذكر كلاماً لم أضبط لفظه مثل المجالس والمدارس والباطن والظاهر ومضمونه أن لنا الباطن ولغيرنا الظاهر وأن لنا أمراً لا يقف عليه أهل الظاهر فلا ينكرونه علينا فقلت له ورفعت صوتي وغضبت‏:‏ الباطن والظاهر والمجالس والمدارس والشريعة والحقائق كل هذا مردود إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ليس لأحد الخروج عن كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم لا من المشايخ والفقراء ولا من الملوك والأمراء ولا من العلماء والقضاة وغيرهم بل جميع الخلق عليهم طاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وذكرت هذا ونحوه‏.‏

فقال ورفع صوته‏:‏ نحن لنا الأقوال وكذا وكذا وادعى الأحوال الخارقة كالنار وغيرها واختصاصهم بها وأنهم يستحقون تسليم الحال إليهم لأجلها فقلت ورفعت صوتي وغضبت‏:‏ أنا أخاطب كل أحمدي من مشرق الأرض إلى مغربها أي شيء فعلوه في النار فأنا أصنع مثل ما تصنعون ومن احترق فهو مغلوب وربما قلت فعليه لعنة الله ولكن بعد أن نغسل جسومنا بالخل والماء الحار فسألني الأمراء والناس عن ذلك فقلت‏:‏ لأن لهم حيلاً في الاتصال بالنار يصنعونها من أشياء من دهن الضفادع وقشر النارنج وحجر الطلق فضج الناس بذلك فأخذ يظهر القدرة على ذلك فقال‏:‏ أنا وأنت نلف في بارية بعد أن تطلى جسومنا بالكبريت فقلت‏:‏ فقم وأخذت أحرز عليه في القيام إلى ذلك فمد يده يظهر خلع القميص فقلت‏:‏ لا حتى تغتسل في الماء الحار والخل فظهر الوهم على عادتهم فقال‏:‏ من كان يحب الأمير فليحضر خشباً أو يقال حزمة حطب فقلت‏:‏ هذا تطويل وتفريق للجمع ولا يحصل به مقصود بل قنديل يوقد وأدخل إصبعي وإصبعك فيه بعد الغسل ومن احترقت إصبعه فعليه لعنة الله أو قلت فهو مغلوب فلما قلت ذلك تغير وذل وذكر لي أن وجهه اصفر‏.‏

ثم قلت لهم‏:‏ ومع هذا فلو دخلتم النار وخرجتم منها سالمين حقيقة ولو طرتم في الهواء ومشيتم على الماء ولو فعلتم ما فعلتم لم يكن في ذلك ما يدل على صحة ما تدعونه من مخالفة الشرع ولا على إبطال الشرع فإن الدجال الأكبر يقول للسماء أمطري فتمطر وللأرض انبتي فتنبت وللخربة أخرجي كنوزك فتخرج كنوزها تتبعه ويقتل رجلاً ثم يمشي بين شقيه ثم يقول له قم فيقوم ومع هذا فهو دجال كذاب ملعون لعنه الله ورفعت صوتي بذلك فكان لذلك وقع عظيم في القلوب‏.‏

وذكرت قول أبي يزيد البسطامي‏:‏ لو رأيتم الرجل يطير في الهواء ويمشي على الماء فلا تغتروا به حتى تنظروا كيف وقوفه عند الأوامر والنواهي‏.‏

وذكرت عن يونس بن عبد الأعلى أنه قال للشافعي‏:‏ أتدري ما قال صاحبنا - يعني الليث بن سعد - قال‏:‏ لو رأيت صاحب هوى يمشي على الماء فلا تغتر به فقال الشافعي‏:‏ لقد قصر الليث لو رأيت صاحب هوى يطير في الهواء فلا تغتر به وتكلمت في هذا ونحوه بكلام بعد عهدي به ومشايخهم الكبار يتضرعون عند الأمير في طلب الصلح وجعلت ألح عليه في إظهار ما ادعوه من النار مرة بعد مرة وهم لا يجيبون وقد اجتمع عامة مشايخهم الذين في البلد والفقراء المولهون منهم وهم عدد كثير والناس يضجون في الميدان ويتكلمون بأشياء لا أضبطها‏.‏

فذكر بعض الحاضرين أن الناس قالوا ما مضمونه ‏"‏ فوقع الحق وبطل ما كانوا يعملون فغلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين ‏"‏ وذكروا أيضاً أن هذا الشيخ يسمى عبد الله الكذاب وأنه الذي قصدك مرة فأعطيته ثلاثين درهماً‏.‏

فقلت‏:‏ ظهر لي حين أخذ الدراهم وذهب إنه ملبس وكان قد حكى حكاية عن نفسه مضمونها أنه أدخل النار في لحيته قدام صاحب حماة ولما فارقني وقع في قلبي أن لحيته مدهونة وأنه دخل الروم واستحوذ عليهم فلما ظهر للحاضرين عجزهم وكذبهم وتلبيسهم وتبين للأمراء الذين كانوا يشدون منهم أنهم مبطلون فرجعوا وتخاطب الحاج بهادر ونائب السلطان وغيرهما بصورة الحال وعرفوا حقيقة المحال وقمنا إلى داخل ودخلنا وقد طلبوا التوبة عما مضى وسألني الأمير عما يطلب منهم فقلت‏:‏ متابعة الكتاب والسنة مثل أن يعتقد أنه لا يجب عليه إتباعهما أو أنه يسوغ لأحد الخروج من حكمهما ونحو ذلك أو أنه يجوز إتباع طريقة تخالف بعض حكمها ونحو ذلك من وجوه الخروج عن الكتاب والسنة التي توجب الكفر وقد توجب القتل دون الكفر وقد توجب قتال الطائفة الممتنعة دون قتل الواحد المقدور عليه‏.‏

فقالوا‏:‏ نحن ملتزمون الكتاب والسنة أتنكر علينا غير الأطواق نحن نخلعها‏.‏

فقلت‏:‏ الأطواق وغير الأطواق ليس المقصود شيئاً معيناً وإنما المقصود أن يكون جميع المسلمين تحت طاعة الله ورسوله صلى تعالى الله عليه وسلم فقال الأمير‏:‏ فأي شيء الذي يلزمهم من الكتاب والسنة فقلت‏:‏ حكم الكتاب والسنة كثير لا يمكن ذكره في هذا المجلس لكن المقصود أن يلتزموا هذا التزاماً عاماً ومن خرج عنه ضربت عنقه - وكرر ذلك وأشار بيده إلى ناحية الميدان - وكان المقصود أن يكون هذا حكماً عاماً في حق جميع الناس فإن هذا مشهد عام مشهور وقد توفرت الهمم عليه فيتقرر عند المقاتلة وأهل الديوان والعلماء والعباد وهؤلاء وولاة الأمور أنه من خرج عن الكتاب والسنة ضربت عنقه‏.‏

قلت‏:‏ ومن ذلك الصلوات الخمس في مواقيتها كما أمر الله ورسوله فإن من هؤلاء من لا يصلي ومنهم من يتكلم في صلاته حتى إنهم بالأمس بعد أن اشتكوا علي في عصر الجمعة جعل أحدهم يقول في صلب الصلاة‏:‏ يا سيدي أحمد شيء لله وهذا مع أنه مبطل للصلاة فهو شالة الأولياء أو طرقهم على أهل العلم أو غيرهم ولماذا سمي الولي ولياً وما الفقراء الذين يسبقون الأغنياء إلى الجنة والفقراء الذين أوصى الله عليهم في كلامه وذكرهم خاتم أنبيائه ورسله وسيد خلقه محمد صلى الله عليه وسلم في سنته هل هم الذين لا يملكون كفايتهم أهل الفاقة والحاجة أم لا والحديث المروي في الأبدال هل هو صحيح أم مقطوع وهل الأبدال مخصوص بالشام أم حيث تكون شعائر الإسلام قائمة بالكتاب والسنة يكون بها الأبدال بالشام وغيره من الأقاليم وما قول السادة العلماء في هذه الأسماء التي تسمى بها أقوام من المنسوبين إلى الدين والفضيلة ويقولون هذا غوث الأغواث وهذا قطب الأقطاب وهذا قطب العالم وهذا القطب الكبير وهذا خاتم الأولياء‏.‏

وأيضاً فما قول العلماء في هؤلاء القلندرية الذين يحلقون ذقونهم ما هم ومن أي الطوائف يحسبون وما قولكم في اعتقادهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أطعم شيخهم قلندر عنباً وكلمه بلسان العجم وهل يحل لمسلم يؤمن بالله تعالى أن يدور في الأسواق والقرى ويقول من عنده نذر للشيخ فلان أو لقبره وهل يأثم من يساعده أم لا وما تقولون فيمن يقول أن الست نفيسة هي باب الحوائج إلى الله تعالى وأنها خفيرة مصر وما تقولون فيمن يقول أن بعض المشايخ إذا قام لسماع المكاء والتصدية يحضره رجال الغيب وينشق السقف والحيطان وتنزل الملائكة ترقص معهم أو عليهم وفيهم من يعتقد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يحضر معهم وماذا يجب على من يعتقد هذا الاعتقاد وما صفة رجال الغيب وما قول من يقول أنه من خفراء التتار وهل يكون للتتار خفراء أم لا وإذا كانوا فهل يغلب حال هؤلاء خفراء الكفار كحال خفراء أمة النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏

وهل هذه المشاهد المسماة باسم أمير المؤمنين علي وولده الحسين رضي الله عنهما صحيحة أم مكذوبة وأين ثبت قبر علي ابن عم رسول الله والمسؤول من إحسان علماء الأصول كشف هذه الاعتقادات والدعاوي والأحوال كشفاً شافياً بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم‏.‏

والحالة هذه أفتونا مأجورين أثابكم الله‏.‏

أجاب‏:‏ رضي الله عنه وأرضاه آمين‏.‏

الحمد لله رب العالمين‏:‏ أما الصفة التي ينسب إليها أهل الصفة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فكانت في مؤخر مسجد النبي صلى الله عليه وسلم في شمال المسجد بالمدينة النبوية كان يأوي إليها من فقراء المسلمين من ليس له أهل ولا مكان يأوي إليه وذلك أن الله سبحانه وتعالى لما أمر نبيه والمؤمنين أن يهاجروا إلى المدينة النبوية حين آمن به من آمن من أكابر أهل المدينة من الأوس والخزرج وبايعهم بيعة العقبة عند منى وصار للمؤمنين دار عز ومنعة جعل المؤمنون من أهل مكة وغيرهم يهاجرون إلى المدينة وكان المؤمنون السابقون بها صنفين المهاجرين الذين هاجروا إليها من بلادهم والأنصار الذين هم أهل المدينة وكان من لم يهاجر من الأعراب وغيرهم من المسلمين لهم حكم آخر وآخرون كانوا ممنوعين من الهجرة لمنع أكابرهم لهم بالقيد والحبس وآخرون كانوا مقيمين بين ظهراني الكفار المستظهرين عليهم وكل لله كانت هذه موعظة مودع فماذا تعهد إلينا فقال‏:‏ ‏"‏ أوصيكم بالسمع والطاعة فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة ‏"‏ وفي رواية‏:‏ ‏"‏ وكل ضلالة في النار ‏"‏ فقال لي‏:‏ البدعة مثل الزنا وروى حديثاً في ذم الزنا فقلت‏:‏ هذا حديث موضوع عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم والزنا معصية والبدعة شر من المعصية كما قال سفيان الثوري‏:‏ البدعة أحب إلى إبليس من المعصية فإن المعصية يتاب منها والبدعة لا يتاب منها‏.‏

وكان قد قال بعضهم‏:‏ نحن نتوب الناس فقلت‏:‏ مماذا تتوبونهم قال‏:‏ من قطع الطريق والسرقة ونحو ذلك فقلت‏:‏ حالهم قبل تتويبكم خير من حالهم بعد تتويبكم فإنهم كانوا فساقاً يعتقدون تحريم ما هم عليه ويرجون رحمة الله ويتوبون إليه أو ينوون التوبة فجعلتموهم بتتويبكم ضالين مشركين خارجين عن شريعة الإسلام يحبون ما يبغضه الله ويبغضون ما يحبه الله ونثبت أن هذه البدع التي هم وغيرهم عليها شر من المعاصي‏.‏

قلت مخاطباً للأمير والحاضرين‏:‏ أما المعاصي فمثل ما روى البخاري في صحيحه عن عمر ابن الخطاب أن رجلاً كان يدعى حماراً وكان يشرب الخمر وكان يضحك النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وكان كلما أتي به النبي صلى الله تعالى عليه وسلم جلده الحد فلعنه رجل مرة وقال‏:‏ لعنه الله ما أكثر ما يؤتى به إلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فقال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله ‏"‏ قلت‏:‏ فهذا رجل كثير الشرب للخمر ومع هذا فلما كان صحيح الاعتقاد يحب الله ورسوله شهد له النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بذلك ونهى عن لعنته‏.‏

وأما المبتدع فمثل ما أخرجا في الصحيحين عن علي بن أبي طالب وعن أبي سعيد الخدري وغيرهما - دخل حديث بعضهم في بعض - أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم كان يقسم فجاءه رجل ناتئ الجبين كث اللحية محلوق الرأس بين عينيه أثر السجود وقال ما قال فقال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ يخرج من ضئضئ هذا قوم يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم وقراءته مع قراءتهم يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد ‏"‏ وفي رواية‏:‏ ‏"‏ لو يعلم الذين يقاتلونهم ماذا لهم على لسان محمد لنكلوا عن العمل ‏"‏ وفي رواية ‏"‏ شر قتلى تحت أديم السماء خير قتلى من قتلوه ‏"‏ قلت‏:‏ فهؤلاء مع كثرة صلاتهم وصيامهم وقراءتهم وما هم عليه من العبادة والزهادة أمر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بقتلهم وقتلهم علي بن أبي طالب ومن معه من أصحاب النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وذلك لخروجهم عن سنة النبي وشريعته وأظن أني ذكرت قول الشافعي‏:‏ لأن يبتلى العبد بكل ذنب ما خلا الشرك بالله خير من أن يبتلى من هذه الأهواء فلما ظهر قبح البدع في الإسلام وإنها أظلم من الزنا والسرقة وشرب الخمر وأنهم مبتدعون بدعاً منكرة فيكون حالهم أسوأ من حال الزاني والسارق وشارب الخمر‏.‏

أخذ شيخهم عبد الله يقول‏:‏ يا مولانا لا تتعرض لهذا الجناب العزيز - يعني أتباع أحمد بن الرفاعي - فقلت منكراً بكلام غليظ‏:‏ ويحك أي شيء هو الجناب العزيز وجناب من خالفه أولى بالعزبار والرزجنة تريدون أن تبطلوا دين الله ورسوله فقال‏:‏ يا مولانا يحرقك الفقراء بقلوبهم فقلت‏:‏ مثل ما أحرقني الرافضة لما قصدت الصعود إليهم وصار جميع الناس يخوفوني منهم ومن شرهم ويقول أصحابهم‏:‏ إن لهم سراً مع الله فنصر الله وأعان عليهم وكان الأمراء الحاضرون قد عرفوا بركة ما يسره الله في أمر غزو الرافضة بالجبل‏.‏

وقلت لهم‏:‏ يا شبه الرافضة يا بيت الكذب - فإن فيهم من الغلو والشرك والمروق عن الشريعة ما شاركوا به الرافضة في بعض صفاتهم وفيهم من الكذب ما قد يقاربون به الرافضة في ذلك أو يساوونهم أو يزيدون عليهم فإنهم من أكذب الطوائف حتى قيل فيهم‏:‏ لا تقولوا أكذب من اليهود على الله ولكن قولوا أكذب من الأحمدية على شيخهم وقلت لهم‏:‏ أنا كافر بكم وبأحوالكم ‏"‏ فكيدوني جميعاً ثم لا تنظرون ‏"‏‏.‏

ولما رددت عليهم الأحاديث المكذوبة أخذوا يطلبون مني كتباً صحيحة ليهتدوا بها فبذلت لهم ذلك وأعيد الكلام أنه من خرج عن الكتاب والسنة ضربت عنقه وأعاد الأمير هذا الكلام واستقر الكلام على ذلك والحمد لله الذي صدق وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده‏.‏

هذا آخر ما جرى مع البطائحية لشيخ الإسلام وإمام الأئمة الأعلام الشيخ تقي الدين أحمد الشهير بابن تيمية قدس الله روحه ونور ضريحه ورضي عنه‏.‏

لباس الفتوة والخرقة عند المتصوفة ومسائل أخرى فشت فيهم بسم الله الرحمن الرحيم


تابعونا
ااااااااااا
ااااااااا
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://ehabmtwale.forumegypt.net
ايهاب متولى
مؤسس الموقع
مؤسس الموقع
avatar

عدد المساهمات : 1578
نقاط : 3229
تاريخ التسجيل : 10/01/2011
العمر : 39

مُساهمةموضوع: فصل فلما نهيتهم عن ذلك أظهروا الموافقة والطاعة ومضت على ذلك مدة   2011-08-04, 23:32



مناظرة ابن تيمية العلنية لدجاجلة البطائحية الرفاعية وهي من أعظم ما تصدى له وقام به شيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن تيمية قدس الله روحه من إقامة فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإحياء السنة ومحاربة البدعة بعد أن أهمل ذلك الحكام فالعلماء ففشت البدع وصار كثير منها يعد من شعائر الدين أو خصائص الصالحين فكان رحمه الله من أعظم المجددين قال‏:‏ بسم الله الرحمن الرحيم‏:‏ الحمد لله رب العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله رب السموات والأرضين وأشهد أن محمداً عبده ورسوله خاتم النبيين صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم تسليماً دائماً إلى يوم الدين‏.‏

أما بعد فقد كتبت ما حضرني ذكره في المشهد الكبير بقصر الإمارة والميدان بحضرة الخلق من الأمراء والكتاب والعلماء والفقراء العامة وغيرهم في أمر البطائحية يوم السبت تاسع جمادى الأولى سنة خمس لتشوف الهمم إلى معرفة ذلك وحرص الناس على الإطلاع عليه فإن من كان غائباً عن ذلك قد يسمع بعض أطراف الواقعة ومن شهدها فقد رأى وسمع ما رأى وسمع ومن الحاضرين من سمع ورأى ما لم يسمع غيره ويره لانتشار هذه الواقعة العظيمة ولما حصل بها من عز الدين وظهور كلمته العليا وقهر الناس على متابعة الكتاب والسنة وظهور زيف من خرج عن ذلك من أهل البدع المضلة والأحوال الفاسدة والتلبيس على المسلمين‏.‏

وقد كتبت في غير هذا الموضع صفة حال هؤلاء البطائحية وطريقهم وطريق الشيخ أحمد بن الرفاعي وحاله وما وافقوا منه المسلمين وما خالفوهم ليتبين ما دخلوا فيه من دين الإسلام وما خرجوا فيه عن دين الإسلام فإن ذلك يطول وصفه في هذا الموضع وإنما كتبت هنا ما حضرني ذكره من حكاية هذه الواقعة المشهورة في مناظرتهم ومقابلتهم وذلك أني كنت أعلم من حالهم بما قد ذكرته في غير هذا الموضع وهو أنهم وإن كانوا منتسبين إلى الإسلام وطريقة الفقر والسلوك ويوجد في بعضهم التعبد والتأله والوجد والمحبة والزهد والفقر والتواضع ولين الجانب والملاطفة في المخاطبة والمعاشرة والكشف والتصرف ونحو ذلك ما يوجد فيوجد أيضاً في بعضهم من الشرك وغيره من أنواع الكفر ومن الغلو والبدع في الإسلام والأعراض عن كثير مما جاء به الرسول والاستخفاف بشريعة الإسلام والكذب والتلبيس وإظهار المخارق الباطلة وأكل أموال الناس بالباطل والصد عن سبيل الله ما يوجد وقد تقدمت لي معهم وقائع متعددة بينت فيها لمن خاطبته منهم ومن غيرهم بعض ما فيهم من حق وباطل وأحوالهم التي يسمونها الإشارات وتاب منهم جماعة وأدب منهم جماعة من شيوخهم وبينت صورة ما يظهرونه من المخاريق مثل ملابسة النار والحيات وإظهار الدم واللاذن والزعفران وماء الورد والعسل والسكر وغير ذلك وإن عامة ذلك عن حيل معروفة وأسباب مصنوعة وأراد غير مرة منهم قوم إظهار ذلك فلما رأوا معارضتي لهم رجعوا ودخلوا على أن أسترهم فأجبتهم إلى ذلك بشرط التوبة حتى قال لي شيخ منهم في مجلس عام فيه جماعة كثيرة ببعض البساتين لما عارضتهم بأني أدخل معكم النار بعد أن نغتسل بما يذهب الحيلة ومن احترق كان مغلوباً فلما رأوا الصدق أمسكوا عن ذلك‏.‏

وحكى ذلك الشيخ أنه كان مرة عند بعض أمراء التتر بالمشرق وكان له صنم يعبده قال‏:‏ فقال لي‏:‏ هذا الصنم يأكل من هذا الطعام كل يوم ويبقى أثر الأكل في الطعام بينا يرى فيه فأنكرت ذلك فقال لي‏:‏ إن كان يأكل أنت تموت فقلت‏:‏ نعم فأقمت عنده إلى نصف النهار ولم يظهر في الطعام أثر فاستعظم التتري ذلك وأقسم بأيمان مغلظة أنه كل يوم يرى فيه أثر الأكل لكن اليوم بحضورك لم يظهر ذلك فقلت لهذا الشيخ‏:‏ أنا أبين لك سبب ذلك ذلك التتري كافر مشرك ولصنمه شيطان يغويه بما يظهره من الأثر في الطعام وأنت كان معك من نور الإسلام وتأييد الله تعالى ما أوجب انصراف الشيطان عن أن يفعل ذلك بحضورك وأنت وأمثالك بالنسبة إلى أهل الإسلام الخالص كالتتري بالنسبة إلى أمثالك فالتتري وأمثاله سود وأهل الإسلام المحض بيض وأنتم بلق فيكم سواد وبياض فأعجب هذا المثل من كان حاضراً‏.‏

وقلت لهم في مجلس آخر لما قالوا‏:‏ تريد أن نظهر هذه الإشارات قلت‏:‏ إن عملتوها بحضور من ليس من أهل الشأن من الأعراب والفلاحين أو الأتراك أو العامة أو جمهور المتفقهة والمتفقرة والمتصوفة لم يحسب لكم ذلك فمن معه ذهب فليأت به إلى سوق الصرف إلى عند الجهابذة الذين يعرفون الذهب الخالص من المغشوش من الصفر لا يذهب إلى عند أهل الجهل بذلك فقالوا لي‏:‏ لا نعمل هذا إلا أن تكون همتك معنا فقلت‏:‏ همتي ليست معكم بل أنا معارض لكم مانع لكم لأنكم تقصدون بذلك إبطال شريعة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فإن كان فلما كان قبل هذه الواقعة بمدة كان يدخل منهم جماعة مع شيخ لهم من شيوخ البر مطوقين بأغلال الحديد في أعناقهم وهو وأتباعه معروفون بأمور وكان يحضر عندي مرات فأخاطبه بالتي هي أحسن فلما ذكر الناس ما يظهرونه من الشعار المبتدع الذي يتميزون به عن المسلمين ويتخذونه عبادة وديناً يوهمون به الناس إن هذا لله سر من أسرارهم وإنه سيماء أهل الموهبة الإلهية السالكين طريقهم أعني طريق ذلك الشيخ وأتباعه - خاطبته في ذلك بالمسجد الجامع وقلت‏:‏ هذا بدعة لم يشرعها الله تعالى ولا رسوله ولا فعل ذلك أحد من سلف هذه الأمة ولا من المشايخ الذين يقتدي بهم ولا يجوز التعبد بذلك ولا التقرب به إلى الله تعالى لأن عبادة الله بما لم يشرعه ضلالة ولباس الحديد على غير وجه التعبد قد كرهه من كرهه من العلماء للحديث المروي في ذلك وهو أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم رأى على رجل خاتماً من حديد فقال‏:‏ ‏"‏ ما لي أرى عليك حلية أهل النار ‏"‏ وقد وصف الله تعالى أهل النار بأن في أعناقهم الأغلال فالتشبه بأهل النار من المنكرات وقال بعض الناس‏:‏ قد ثبت في الصحيح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم في حديث الرؤيا قال في آخره ‏"‏ أحب القيد وأكره الغل القيد ثبات في الدين ‏"‏ فإذا كان مكروهاً في المنام فكيف في اليقظة‏.‏

فقلت له في ذلك المجلس ما تقدم من كلام أو نحواً منه مع زيادة وخوفته من عاقبة الإصرار على البدعة وأن ذلك يوجب عقوبة فاعله ونحو ذلك من الكلام الذي نسيت أكثره لبعد عهدي به وذلك أن الأمور التي ليست مستحبة في الشرع لا يجوز التعبد بها باتفاق المسلمين ولا التقرب بها إلى الله ولا اتخاذها طريقاً إلى الله وسبباً لأن يكون الرجل من أولياء الله وأحبائه ولا اعتقاد أن الله يحبها أو يحب أصحابها كذلك أو أن اتخاذها يزداد به الرجل خيراً عند الله وقربة إليه ولا أن يجعل شعاراً للتائبين المريدين وجه الله الذين هم أفضل ممن ليس مثلهم فهذا أصل عظيم تجب معرفته والاعتناء به وهو أن المباحثات إنما تكون مباحة إذا جعلت مباحات فأما إذا اتخذت واجبات أو مستحبات كان ذلك ديناً لم يشرعه الله وجعل ما ليس من الواجبات والمستحبات منها بمنزلة جعل ما ليس من المحرمات منها فلا حرام إلا ما حرمه الله ولا دين إلا ما شرعه الله ولهذا عظم ذم الله في القرآن لمن شرع ديناً لم يأذن الله به ولمن حرم ما لم يأذن الله بتحريمه فإذا كان هذا في المباحات فكيف بالمكروهات أو المحرمات ولهذا كانت هذه الأمور لا تلزم بالنذر فلو نذر الرجل فعل مباح أو مكروه أو محرم لم يجب عليه فعله كما يجب عليه إذا نذر طاعة الله أن يطيعه بل عليه كفارة يمين إذا لم يفعل عند أحمد وغيره وعند آخرين لا شيء عليه فلا يصير بالنذر ما ليس بطاعة ولا عبادة ونحو ذلك العهود التي تتخذ على الناس لالتزام طريقة شيخ معين وعهود أهل الفتوة ورماة البندق ونحو ذلك ليس على الرجل أن يلتزم من ذلك على وجه الدين والطاعة لله إلا ما كان ديناً وطاعة لله ورسوله في شرع الله لكن قد يكون عليه كفارة عند الحنث في ذلك ولهذا أمرت غير واحد أن يعدل عما أخذ عليه من العهد بالتزام طريقة مرجوحة أو مشتعلة على أنواع من البدع إلى ما هو خير منها من طاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وإتباع الكتاب والسنة إذ كان المسلمون متفقين على أنه لا يجوز لأحد أن يعتقد أو يقول عن عمل أنه قربة وطاعة وبر وطريق إلى الله واجب أو مستحب إلا أن يكون مما أمر الله به ورسوله صلى الله عليه وسلم وذلك يعلم بالأدلة المنصوبة على ذلك وما علم باتفاق الأمة أنه ليس بواجب ولا مستحب ولا قربة لم يجز أن يعتقد أو يقال أنه قربة وطاعة فكذلك هم متفقون على أنه لا يجوز قصد التقرب به إلى الله ولا التعبد به ولا اتخاذه ديناً ولا عمله من الحسنات فلا يجوز جعله من الدين لا باعتقاد وقول ولا بإرادة وعمل وبإهمال هذا الأصل غلط خلق كثير من العلماء والعباد يرون الشيء إذا لم يكن محرماً لا ينهى عنه بل يقال إنه جائز لا يفرقون بين اتخاذه ديناً وطاعة وبراً وبين استعماله كما تستعمل المباحات المحضة ومعلوم أن اتخاذه ديناً بالاعتقاد أو الاقتصاد أو بهما وبالقول أو بالعمل أو بهما من أعظم المحرمات وأكبر السيئات وهذا من البدع المنكرات التي هي أعظم من المعاصي التي يعلم أنها معاصي سيئات‏.‏

فصل فلما نهيتهم عن ذلك أظهروا الموافقة والطاعة ومضت على ذلك مدة

فلما نهيتهم عن ذلك أظهروا الموافقة والطاعة ومضت على ذلك مدة والناس يذكرون عنهم الإصرار على الابتداع في الدين وإظهار ما يخالف شرعة المسلمين ويطلبون الإيقاع بهم وأنا أسلك مسلك الرفق والأناة وأنتظر الرجوع والفيئة وأؤخر الخطاب إلى أن يحضر ذلك الشيخ المسجد الجامع وكان قد كتب إلي كتاباً بعد كتاب فيه احتجاج واعتذار وعتب وآثار وهو كلام باطل لا تقوم به حجة بل إما أحاديث موضوعة أو إسرائيليات غير مشروعة وحقيقة الأمر الصد عن سبيل الله وأكل أموال الناس بالباطل فقلت لهم‏:‏ الجواب يكون بالخطاب فإن جواب مثل هذا الكتاب لا يتم إلا بذلك وحضر عندنا منهم شخص فنزعنا الغل من عنقه وهؤلاء هم من أهل الأهواء الذين يتعبدون في كثير من الأمور بأهوائهم لا بما أمر الله تعالى ورسوله صلى الله تعالى عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله ‏"‏ ولهذا غالب وجدهم هوى مطلق لا يدرون من يعبدون وفيهم شبه قوي من النصارى الذي قال الله تعالى فيهم ‏"‏ يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيراً وضلوا عن سواء السبيل ‏"‏ ولهذا كان السلف يسمون أهل البدع أهل الأهواء فحملهم هواهم على أن تجمعوا تجمع الأحزاب ودخلوا إلى المسجد الجامع مستعدين للحراب بالأحوال التي يعدونها للغلاب فلما قضيت صلاة الجمعة أرسلت إلى شيخهم لنخاطبه بأمر الله ورسوله صلى الله تعالى عليه وسلم ونتفق على إتباع سبيله فخرجوا من المسجد الجامع في جموعهم إلى قصر الإمارة وكأنهم اتفقوا مع بعض الأكابر على مطلوبهم ثم رجعوا إلى مسجد الشاغو على ما ذكر لي وهم من الصياح والاضطراب على أمر من أعجب العجاب فأرسلت إليهم مرة ثانية لإقامة الحجة والمعذرة وطلباً للبيان والتبصرة ورجاء المنفعة والتذكرة‏.‏

فعمدوا إلى القصر مرة ثانية وذكر لي أنهم قدموا من الناحية الغربية مظهرين الضجيج والعجيج والإزباد والإرعاد واضطراب الرؤوس والأعضاء والتقلب في نهر بردى وإظهار التوله الذي يخيلوا به على الردى وإبراز ما يدعونه من الحال والمحال الذي يسلمه إليهم من أضلوا من الجهال‏.‏

فلما رأى الأمير ذلك هاله ذلك المنظر وسأل عنهم فقيل لهم هم مشتكون فقال ليدخل بعضهم فدخل شيخهم وأظهر من الشكوى علي ودعوى الاعتداء مني عليهم كلاماً كثيراً لم يبلغني جميعه لكن حدثني من كان حاضراً أن الأمير قال لهم‏:‏ فهذا الذي يقوله من عنده أو يقوله عن الله ورسوله صلى الله عليه وسلم فقالوا‏:‏ بل يقوله عن الله ورسوله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ فأي شيء يقال له قالوا‏:‏ نحن لنا أحوال وطريق يسلم إلينا قال‏:‏ فنسمع كلامه فمن كان الحق معه نصرناه قالوا‏:‏ نريد أن تشد منا قال‏:‏ لا ولكن أشد من الحق سواء كان معكم أو معه قالوا‏:‏ ولا بد من حضوره قال‏:‏ نعم فكرروا ذلك فأمر بإخراجهم فأرسل إلي بعض خواصه من أهل الصدق والدين ممن يعرف ضلالهم وعرفني بصورة الحال وأنه يريد كشف أمر هؤلاء فلما علمت ذلك ألقي في قلبي أن ذلك لأمر يريده الله من إظهار الدين وكشف حال أهل النفاق المبتدعين لانتشارهم في أقطار الأرضين وما أحببت البغي عليهم والعدوان ولا أن أسألك معهم ألا أبلغ ما يمكن من الإحسان فأرسلت إليهم من عرفهم بصورة الحال وأني إذا حضرت كان ذلك عليكم من الوبال وكثر فيكم القيل والقال وإن من قعد أو قام قدام رماح أهل الإيمان فهو الذي أوقع نفسه في الهوان فجاء الرسول وأخبر أنهم اجتمعوا بشيوخهم الكبار الذين يعرفون حقيقة الأسرار وأشاروا عليهم بموافقة ما أمروا به من إتباع الشريعة والخروج عما ينكر عليهم من البدع الشنيعة وقال شيخهم الذي يسيح بأقطار الأرض كبلاد الترك ومصر وغيرها‏:‏ أحوالنا تظهر عند التتار لا تظهر عند شرع محمد بن عبد الله وأنهم نزعوا الأغلال من الأعناق وأجابوا إلى الوفاق‏.‏

ثم ذكر لي أنه جاءهم بعض أكابر غلمان المطاع وذكر أنه لا بد من حضورهم لموعد الاجتماع فاستخرت الله تعالى تلك الليلة واستعنته واستنصرته واستهديته وسلكت سبيل عباد الله في مثل هذه المسالك حتى ألقي في قلبي أن أدخل النار عند الحاجة إلى ذلك وأنها تكون برداً وسلاماً على من اتبع ملة الخليل وأنه تحرق أشباه الصابئة أهل الخروج عن هذه السبيل وقد كان بقايا الصابئة أعداء إبراهيم إمام الحنفاء بنواحي البطائح منضمين إلى من يضاهيهم من نصارى الدهماء‏.‏

وبين الصابئة ومن ضل من العباد المنتسبين إلى هذا الدين نسب يعرفه من عرف الحق المبين فالغالية من القرامطة والباطنية كالنصيرية والإسماعيلية يخرجون إلى مشابهة الصابئة الفلاسفة ثم إلى الإشراك ثم إلى جحود الحق تعالى ومن شركهم الغلو في البشر والابتداع في العبادات والخروج عن الشريعة له نصيب من ذلك بحسب ما هو لائق كالملحدين من أهل الاتحاد والغالية من أصناف العباد‏.‏

فلما أصبحنا ذهبت للميعاد وما أحببت أن أستصحب أحداً للإسعاد لكن ذهب أيضاً بعض من كان حاضراً من الأصحاب والله هو المسبب لجميع الأسباب وبلغني بعد ذلك أنهم طافوا على عدد من أكابر الأمراء وقالوا أنواعاً مما جرت به عادتهم من التلبيس والإفتراء الذي استحوذوا به على أكثر أهل الأرض من الأكابر والرؤساء مثل زعمهم أن لهم أحوالاً لا يقاومهم فيها أحد من الأولياء وأن لهم طريقاً لا يعرفها أحد من العلماء وأن شيخهم هو في المشايخ كالخليفة وأنهم يتقدمون على الخلق بهذه الأخبار المنيفة وأن المنكر عليهم ما هو آخذ بالشرع الظاهر غير واصل إلى الحقائق والسرائر‏.‏

وأن لهم طريقاً وله طريق وهم الواصلون إلى كنه التحقيق وأشباه هذه الدعاوي ذات الزخرف والتزويق وكانوا لفرط انتشارهم في البلاد واستحواذهم على الملوك والأمراء والأجناد لخفاء نور الإسلام واستبدال أكثر الناس بالنور الظلام وطموس آثار الرسول في أكثر الأمصار ودروس حقيقة الإسلام في دولة التتار لهم في القلوب موقع هائل ولهم فيهم من الاعتقاد ما لا يزول بقول قائل‏.‏

قال المخبر فغدا أولئك الأمراء الأكابر وخاطبوا فيهم نائب السلطان بتعظيم أمرهم الباهر وذكر لي أنواعاً من الخطاب والله تعالى أعلم بحقيقة الصواب والأمير مستشعر ظهور الحق عند التحقيق فأعاد الرسول لي مرة ثانية فبلغه أنا في الطريق وكان كثير من أهل البدع الأضداد كطوائف من المتفقهة والمتفقرة وإتباع أهل الاتحاد مجدين في نصرهم بحسب مقدورهم مجهزين لمن يعينهم في حضورهم فلما حضرت وجدت النفوس في غاية الشوق إلى هذا الاجتماع متطلعين إلى ما سيكون طالبين للإطلاع فذكر لي نائب السلطان وغيره من الأمراء بعض ما ذكروه من الأقوال المشتملة على الافتراء وقال إنهم قالوا‏:‏ إنك طلبت منهم الامتحان وأن يحموا الأطواق ناراً ويلبسوها فقلت هذا من البهتان‏.‏

وها أنا ذا أصف ما كان قلت للأمير‏:‏ نحن لا نستحل أن نأمر أحداً بأن يدخل ناراً ولا يجوز طاعة من يأمر بدخول النار وفي ذلك الحديث الصحيح وهؤلاء يكذبون في ذلك وهم كذابون مبتدعون قد أفسدوا من أمر دين المسلمين ودنياهم ما الله به عليم وذكرت تلبيسهم على طوائف من الأمراء وأنهم لبسوا على الأمير المعروف بالأيدمري وعلى قفجق نائب السلطنة وعلى غيرهما وقد لبسوا أيضاً على الملك العادل كتفاً في ملكه وفي حالة ولاية حماه وعلى أمير السلاح أجل أمير بديار مصر وضاق المجلس عن حكاية جمع تلبيسهم على الأيدمري وأنهم كانوا يرسلون من النساء من يستخبر عن أحوال بيته الباطنة ثم يخبرونه بها على طريق المكاشفة ووعدوه بالملك وأنهم وعدوه أن يروه رجال الغيب فصنعوا خشباً طوالاً وجعلوا عليها من يمشي كهيئة الذي يلعب باكر الزجاج فجعلوا يمشون على جبل المزة وذاك يرى من بعيد قوماً يطوفون على الجبل وهم يرتفعون عن الأرض وأخذوا منه مالاً كثيراً ثم انكشف له أمرهم‏.‏

قلت للأمير وولده‏:‏ هو الذي في حلقة الجيش يعلم ذلك وهو ممن حدثني بهذه القصة وأما قفجق فإنهم أدخلوا رجلاً في القبر يتكلم وأوهموه أن الموتى تتكلم وأتوا به في مقابر باب الصغير إلى رجل زعموا أنه الرجل الشعراني الذي بجبل لبنان ولم يقربوه منه بل من بعيد لتعود عليه بركته وقالوا أنه طلب منه جملة من المال فقال قفجق الشيخ يكاشف وهو يعلم أن خزائني ليس فيها هذا كله وتقرب قفجق منه وجذب الشعر فانقلع الجلد الذي ألصقوه على جلده من جلد الماعز فذكرت للأمير هذا ولهذا قيل لي إنه لما انقضى المجلس وانكشف حالهم للناس كتب أصحاب قفجق إليه كتاباً وهو نائب السلطنة بحماه يخبره بصورة ما جرى‏.‏

وذكرت للأمير انهم مبتدعون بأنواع من البدع مثل الغلال ونحوها وأنا نهيناهم عن البدع الخارجة عن الشريعة فذكر الأمير حديث البدعة وسألني عنه فذكرت حديث العرباض بن سارية وحديث جابر بن عبد الله وقد ذكرتهما بعد ذلك في المجلس العام كما سأذكره‏.‏

قلت للأمير‏:‏ أنا ما امتحنت هؤلاء لكن هم يزعمون أن لهم أحوالاً يدخلون بها النار وأن أهل الشريعة لا يقدرون على ذلك ويقولون لنا هذه الأحوال التي يعجز عنها أهل الشرع فليس لهم أن يعترضوا علينا بل يسلم إلينا ما نحن عليه سواء وافق الشرع أو خالفه وأنا قد استخرت الله سبحانه أنهم إن دخلوا النار أدخل أنا وهم ومن احترق منا ومنهم فعليه لعنة الله وكان مغلوباً وذلك بعد أن نغسل جسومنا بالخل والماء الحار فقال الأمير‏:‏ ولم ذاك قلت‏:‏ لأنهم يطلون أجسامهم بأدوية يصنعونها من دهن الضفادع وباطن قشر النارنج وحجر الطلق وغير ذلك من الحيل المعروفة لهم وأنا لا أطلي جلدي بشيء فإذا اغتسلت أنا وهم بالخل والماء الحار بطلت الحيلة وظهر الحق فاستعظم الأمير هجومي على النار وقال‏:‏ أتقبل ذلك فقلت له‏:‏ نعم قد استخرت الله في ذلك وألقى في قلبي أن أفعله ونحن لا نرى هذا وأمثاله ابتداءً فإن خوارق العادات إنما تكون لأمة محمد صلى الله عليه وسلم المتبعين له باطناً وظاهراً لحجة أو حاجة فالحجة لإقامة دين الله والحاجة لما لا بد منه من النصر والرزق الذي به يقوم دين الله وهؤلاء إذا أظهروا ما يسمونه إشاراتهم وبراهينهم التي يزعمون أنها تبطل دين الله وشرعه وجب علينا أن ننصر الله ورسوله صلى الله تعالى عليه وسلم ونقوم في نصر دين الله وشريعته بما نقدر عليه من أرواحنا وجسومنا وأموالنا فلنا حينئذ أن نعارض ما يظهرونه من هذه المخاريق بما يؤيد الله به من الآيات‏.‏

وليعلم أن هذا مثل معارضة موسى السحرة لما أظهروا سحرهم أيد الله موسى بالعصا التي ابتلعت سحرهم فجعل الأمير يخاطب من حضره من الأمراء على السماط بذلك وفرح بذلك وكأنهم كانوا قد أوهموه أن هؤلاء لهم حال على رده وسمعته يخاطب الأمير الكبير الذي قدم من مصر الحاج بهادر وأنا جالس بينهما على رأس السماط بالتركي ما فهمته منه أنه قال اليوم ترى حرباً عظيماً ولعل ذلك كان جواباً لمن كان خاطبه فيهم على ما قيل‏.‏

وحضر شيوخهم الأكابر فجعلوا يطلبون من الأمير الإصلاح وإطفاء هذه القضية ويترفقون فقال الأمير‏:‏ إنما يكون الصلح بعد ظهور الحق وقمنا إلى مقعد الأمير بزاوية القصر أنا وهو وبهادر فسمعته يذكر له أيوب الحمال بمصر والمولهين ونحو ذلك فدل ذلك على أنه كان عند هذا الأمير لهم صورة معظمة وأن له فيهم ظناً حسناً والله أعلم بحقيقة الحال فإنه ذكر لي ذلك وكان الأمير أحب أن يشهد بهادر هذه الواقعة ليتبين له الحق فإنه من أكابر الأمراء وأقدمهم وأعظمهم حرمة عنده وقد قدم الآن وهو يحب تأليفه وإكرامه فأمر ببساط يبسط في الميدان وقد قدم البطائحية وهم جماعة كثيرون وقد أظهروا أحوالهم الشيطانية من الإزباد والإرغاء وحركة الرؤوس والأعضاء والطفر والحبو والتقلب ونحو ذلك من الأصوات المنكرات والحركات الخارجة عن العادات المخالفة لما أمر به لقمان لابنه في قوله‏:‏ ‏"‏ واقصد في مشيك واغضض من صوتك ‏"‏ فلما جلسنا وقد حضر خلق عظيم من الأمراء والكتاب والعلماء والفقراء والعامة وغيرهم وحضر شيخهم الأول المشتكي وشيخ آخر يسمى نفسه خليفة سيده أحمد ويركب بعلمين وهم يسمونه عبد الله الكذاب ولم أكن أعرف ذلك وكان من مدة قد قدم علي منهم شيخ بصورة لطيفة وأظهر ما جرت به عادتهم من المسائلة فأعطيته طلبته ولم أتفطن لكذبه حتى فارقني فبقي في نفسي أن هذا خفي على تلبيسه إلى أن غاب وما يكاد يخفى علي تلبيس أحد بل أدركه في أول الأمر فبقي ذلك في نفسي ولم أره قط إلى حين ناظرته ذكر لي أنه ذاك كان اجتمع بي قديماً فتعجبت من حسن صنع الله أنه هتكه في أعظم مشهد يكون حيث كتم تلبيسه بيني وبينه فلما حضروا تكلم منهم شيخ يقال له حاتم بكلام مضمون طلب الصلح والعفو عن الماضي والتوبة وإنا مجيبون إلى ما طلب من ترك هذه الأغلال وغيرها من البدع ومتبعون للشريعة فقلت‏:‏ أما التوبة فمقبولة قال الله تعالى‏:‏ ‏"‏ غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ‏"‏ هذه إلى جنب هذه وقال تعالى‏:‏ ‏"‏ نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم وأن عذابي هو العذاب الأليم ‏"‏ فأخذ شيخهم المشتكي ينتصر للبسهم الأطواق وذكر أن وهب بن منبه أنه كان في بني إسرائيل عابد وأنه جعله في عنقه طوقاً في حكاية من حكايات بين إسرائيل لا تثبت فقلت‏:‏ لهم ليس لنا أن نتعبد في ديننا بشيء من الإسرائيليات المخالفة لشرعنا قد روى الإمام أحمد في مسنده عن جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم رأى بيد عمر بن الخطاب ورقة من التوراة فقال‏:‏ ‏"‏ أمتهوكون يا ابن الخطاب لقد جئتكم بها بيضاء نقية لو كان موسى حياً ثم اتبعتموه وتركتموني لضللتم ‏"‏‏.‏

وفي مراسيل أبي داود أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم رأى مع بعض أصحابه شيئاً من كتب أهل الكتاب فقال‏:‏ ‏"‏ كفى بقوم ضلالة أن يتبعوا كتاباً غير كتابهم أنزل إلى نبي غير نبيهم ‏"‏ وأنزل الله تعالى‏:‏ ‏"‏ أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم ‏"‏ فنحن لا يجوز لنا إتباع موسى ولا عيسى فيما علمنا أنه أنزل عليهما من عند الله إذا خالف شرعنا وإنما علينا أن نتبع ما أنزل علينا من ربنا ونتبع الشرعة والمنهاج الذي بعث الله به إلينا رسولنا كما قال تعالى‏:‏ ‏"‏ وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً ‏"‏ فكيف يجوز لنا أن نتبع عباد بني إسرائيل في حكاية لا تعلم صحتها وما علينا من عباد بني إسرائيل ‏"‏ تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسئلون عما كانوا يعملون ‏"‏ هات ما في القرآن وما في الأحاديث الصحاح كالبخاري ومسلم وذكرت هذا وشبهه بكيفية قوية‏.‏

فقال هذا الشيخ منهم يخاطب الأمير نحن نريد أن تجمع لنا القضاة الأربعة والفقهاء ونحن قوم شافعية فقلت‏:‏ له هذا غير مستحب ولا مشروع عند أحد من علماء المسلمين بل كلهم ينهى عن التعبد به ويعده بدعة وهذا الشيخ كمال الدين بن الزملكاني مفتي الشافعية ودعوته وقلت‏:‏ يا كمال الدين ما تقول في هذا فقال‏:‏ هذا بدعة غير مستحبة بل مكروهة أو كما قال وكان مع بعض الجماعة فتوى فيها خطوط طائفة من العلماء بذلك‏.‏

وقلت‏:‏ ليس لأحد الخروج عن شريعة محمد صلى الله تعالى عليه وسلم ولا الخروج عن كتاب الله وسنة رسوله صلى الله تعالى عليه وسلم وأشك هل تكلمت هنا في قصة موسى والخضر فإني تكلمت بكلام بعد عهدي به فانتدب ذلك الشيخ عبد الله ورفع صوته وقال‏:‏ نحن لنا أحوال وأمور باطنة لا يوقف عليها وذكر كلاماً لم أضبط لفظه مثل المجالس والمدارس والباطن والظاهر ومضمونه أن لنا الباطن ولغيرنا الظاهر وأن لنا أمراً لا يقف عليه أهل الظاهر فلا ينكرونه علينا فقلت له ورفعت صوتي وغضبت‏:‏ الباطن والظاهر والمجالس والمدارس والشريعة والحقائق كل هذا مردود إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ليس لأحد الخروج عن كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم لا من المشايخ والفقراء ولا من الملوك والأمراء ولا من العلماء والقضاة وغيرهم بل جميع الخلق عليهم طاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وذكرت هذا ونحوه‏.‏

فقال ورفع صوته‏:‏ نحن لنا الأقوال وكذا وكذا وادعى الأحوال الخارقة كالنار وغيرها واختصاصهم بها وأنهم يستحقون تسليم الحال إليهم لأجلها فقلت ورفعت صوتي وغضبت‏:‏ أنا أخاطب كل أحمدي من مشرق الأرض إلى مغربها أي شيء فعلوه في النار فأنا أصنع مثل ما تصنعون ومن احترق فهو مغلوب وربما قلت فعليه لعنة الله ولكن بعد أن نغسل جسومنا بالخل والماء الحار فسألني الأمراء والناس عن ذلك فقلت‏:‏ لأن لهم حيلاً في الاتصال بالنار يصنعونها من أشياء من دهن الضفادع وقشر النارنج وحجر الطلق فضج الناس بذلك فأخذ يظهر القدرة على ذلك فقال‏:‏ أنا وأنت نلف في بارية بعد أن تطلى جسومنا بالكبريت فقلت‏:‏ فقم وأخذت أحرز عليه في القيام إلى ذلك فمد يده يظهر خلع القميص فقلت‏:‏ لا حتى تغتسل في الماء الحار والخل فظهر الوهم على عادتهم فقال‏:‏ من كان يحب الأمير فليحضر خشباً أو يقال حزمة حطب فقلت‏:‏ هذا تطويل وتفريق للجمع ولا يحصل به مقصود بل قنديل يوقد وأدخل إصبعي وإصبعك فيه بعد الغسل ومن احترقت إصبعه فعليه لعنة الله أو قلت فهو مغلوب فلما قلت ذلك تغير وذل وذكر لي أن وجهه اصفر‏.‏

ثم قلت لهم‏:‏ ومع هذا فلو دخلتم النار وخرجتم منها سالمين حقيقة ولو طرتم في الهواء ومشيتم على الماء ولو فعلتم ما فعلتم لم يكن في ذلك ما يدل على صحة ما تدعونه من مخالفة الشرع ولا على إبطال الشرع فإن الدجال الأكبر يقول للسماء أمطري فتمطر وللأرض انبتي فتنبت وللخربة أخرجي كنوزك فتخرج كنوزها تتبعه ويقتل رجلاً ثم يمشي بين شقيه ثم يقول له قم فيقوم ومع هذا فهو دجال كذاب ملعون لعنه الله ورفعت صوتي بذلك فكان لذلك وقع عظيم في القلوب‏.‏

وذكرت قول أبي يزيد البسطامي‏:‏ لو رأيتم الرجل يطير في الهواء ويمشي على الماء فلا تغتروا به حتى تنظروا كيف وقوفه عند الأوامر والنواهي‏.‏

وذكرت عن يونس بن عبد الأعلى أنه قال للشافعي‏:‏ أتدري ما قال صاحبنا - يعني الليث بن سعد - قال‏:‏ لو رأيت صاحب هوى يمشي على الماء فلا تغتر به فقال الشافعي‏:‏ لقد قصر الليث لو رأيت صاحب هوى يطير في الهواء فلا تغتر به وتكلمت في هذا ونحوه بكلام بعد عهدي به ومشايخهم الكبار يتضرعون عند الأمير في طلب الصلح وجعلت ألح عليه في إظهار ما ادعوه من النار مرة بعد مرة وهم لا يجيبون وقد اجتمع عامة مشايخهم الذين في البلد والفقراء المولهون منهم وهم عدد كثير والناس يضجون في الميدان ويتكلمون بأشياء لا أضبطها‏.‏

فذكر بعض الحاضرين أن الناس قالوا ما مضمونه ‏"‏ فوقع الحق وبطل ما كانوا يعملون فغلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين ‏"‏ وذكروا أيضاً أن هذا الشيخ يسمى عبد الله الكذاب وأنه الذي قصدك مرة فأعطيته ثلاثين درهماً‏.‏

فقلت‏:‏ ظهر لي حين أخذ الدراهم وذهب إنه ملبس وكان قد حكى حكاية عن نفسه مضمونها أنه أدخل النار في لحيته قدام صاحب حماة ولما فارقني وقع في قلبي أن لحيته مدهونة وأنه دخل الروم واستحوذ عليهم فلما ظهر للحاضرين عجزهم وكذبهم وتلبيسهم وتبين للأمراء الذين كانوا يشدون منهم أنهم مبطلون فرجعوا وتخاطب الحاج بهادر ونائب السلطان وغيرهما بصورة الحال وعرفوا حقيقة المحال وقمنا إلى داخل ودخلنا وقد طلبوا التوبة عما مضى وسألني الأمير عما يطلب منهم فقلت‏:‏ متابعة الكتاب والسنة مثل أن يعتقد أنه لا يجب عليه إتباعهما أو أنه يسوغ لأحد الخروج من حكمهما ونحو ذلك أو أنه يجوز إتباع طريقة تخالف بعض حكمها ونحو ذلك من وجوه الخروج عن الكتاب والسنة التي توجب الكفر وقد توجب القتل دون الكفر وقد توجب قتال الطائفة الممتنعة دون قتل الواحد المقدور عليه‏.‏

فقالوا‏:‏ نحن ملتزمون الكتاب والسنة أتنكر علينا غير الأطواق نحن نخلعها‏.‏

فقلت‏:‏ الأطواق وغير الأطواق ليس المقصود شيئاً معيناً وإنما المقصود أن يكون جميع المسلمين تحت طاعة الله ورسوله صلى تعالى الله عليه وسلم فقال الأمير‏:‏ فأي شيء الذي يلزمهم من الكتاب والسنة فقلت‏:‏ حكم الكتاب والسنة كثير لا يمكن ذكره في هذا المجلس لكن المقصود أن يلتزموا هذا التزاماً عاماً ومن خرج عنه ضربت عنقه - وكرر ذلك وأشار بيده إلى ناحية الميدان - وكان المقصود أن يكون هذا حكماً عاماً في حق جميع الناس فإن هذا مشهد عام مشهور وقد توفرت الهمم عليه فيتقرر عند المقاتلة وأهل الديوان والعلماء والعباد وهؤلاء وولاة الأمور أنه من خرج عن الكتاب والسنة ضربت عنقه‏.‏

قلت‏:‏ ومن ذلك الصلوات الخمس في مواقيتها كما أمر الله ورسوله فإن من هؤلاء من لا يصلي ومنهم من يتكلم في صلاته حتى إنهم بالأمس بعد أن اشتكوا علي في عصر الجمعة جعل أحدهم يقول في صلب الصلاة‏:‏ يا سيدي أحمد شيء لله وهذا مع أنه مبطل للصلاة فهو شالة الأولياء أو طرقهم على أهل العلم أو غيرهم ولماذا سمي الولي ولياً وما الفقراء الذين يسبقون الأغنياء إلى الجنة والفقراء الذين أوصى الله عليهم في كلامه وذكرهم خاتم أنبيائه ورسله وسيد خلقه محمد صلى الله عليه وسلم في سنته هل هم الذين لا يملكون كفايتهم أهل الفاقة والحاجة أم لا والحديث المروي في الأبدال هل هو صحيح أم مقطوع وهل الأبدال مخصوص بالشام أم حيث تكون شعائر الإسلام قائمة بالكتاب والسنة يكون بها الأبدال بالشام وغيره من الأقاليم وما قول السادة العلماء في هذه الأسماء التي تسمى بها أقوام من المنسوبين إلى الدين والفضيلة ويقولون هذا غوث الأغواث وهذا قطب الأقطاب وهذا قطب العالم وهذا القطب الكبير وهذا خاتم الأولياء‏.‏

وأيضاً فما قول العلماء في هؤلاء القلندرية الذين يحلقون ذقونهم ما هم ومن أي الطوائف يحسبون وما قولكم في اعتقادهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أطعم شيخهم قلندر عنباً وكلمه بلسان العجم وهل يحل لمسلم يؤمن بالله تعالى أن يدور في الأسواق والقرى ويقول من عنده نذر للشيخ فلان أو لقبره وهل يأثم من يساعده أم لا وما تقولون فيمن يقول أن الست نفيسة هي باب الحوائج إلى الله تعالى وأنها خفيرة مصر وما تقولون فيمن يقول أن بعض المشايخ إذا قام لسماع المكاء والتصدية يحضره رجال الغيب وينشق السقف والحيطان وتنزل الملائكة ترقص معهم أو عليهم وفيهم من يعتقد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يحضر معهم وماذا يجب على من يعتقد هذا الاعتقاد وما صفة رجال الغيب وما قول من يقول أنه من خفراء التتار وهل يكون للتتار خفراء أم لا وإذا كانوا فهل يغلب حال هؤلاء خفراء الكفار كحال خفراء أمة النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏

وهل هذه المشاهد المسماة باسم أمير المؤمنين علي وولده الحسين رضي الله عنهما صحيحة أم مكذوبة وأين ثبت قبر علي ابن عم رسول الله والمسؤول من إحسان علماء الأصول كشف هذه الاعتقادات والدعاوي والأحوال كشفاً شافياً بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم‏.‏

والحالة هذه أفتونا مأجورين أثابكم الله‏.‏

أجاب‏:‏ رضي الله عنه وأرضاه آمين‏.‏

الحمد لله رب العالمين‏:‏ أما الصفة التي ينسب إليها أهل الصفة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فكانت في مؤخر مسجد النبي صلى الله عليه وسلم في شمال المسجد بالمدينة النبوية كان يأوي إليها من فقراء المسلمين من ليس له أهل ولا مكان يأوي إليه وذلك أن الله سبحانه وتعالى لما أمر نبيه والمؤمنين أن يهاجروا إلى المدينة النبوية حين آمن به من آمن من أكابر أهل المدينة من الأوس والخزرج وبايعهم بيعة العقبة عند منى وصار للمؤمنين دار عز ومنعة جعل المؤمنون من أهل مكة وغيرهم يهاجرون إلى المدينة وكان المؤمنون السابقون بها صنفين المهاجرين الذين هاجروا إليها من بلادهم والأنصار الذين هم أهل المدينة وكان من لم يهاجر من الأعراب وغيرهم من المسلمين لهم حكم آخر وآخرون كانوا ممنوعين من الهجرة لمنع أكابرهم لهم بالقيد والحبس وآخرون كانوا مقيمين بين ظهراني الكفار المستظهرين عليهم وكل لله كانت هذه موعظة مودع فماذا تعهد إلينا فقال‏:‏ ‏"‏ أوصيكم بالسمع والطاعة فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة ‏"‏ وفي رواية‏:‏ ‏"‏ وكل ضلالة في النار ‏"‏ فقال لي‏:‏ البدعة مثل الزنا وروى حديثاً في ذم الزنا فقلت‏:‏ هذا حديث موضوع عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم والزنا معصية والبدعة شر من المعصية كما قال سفيان الثوري‏:‏ البدعة أحب إلى إبليس من المعصية فإن المعصية يتاب منها والبدعة لا يتاب منها‏.‏

وكان قد قال بعضهم‏:‏ نحن نتوب الناس فقلت‏:‏ مماذا تتوبونهم قال‏:‏ من قطع الطريق والسرقة ونحو ذلك فقلت‏:‏ حالهم قبل تتويبكم خير من حالهم بعد تتويبكم فإنهم كانوا فساقاً يعتقدون تحريم ما هم عليه ويرجون رحمة الله ويتوبون إليه أو ينوون التوبة فجعلتموهم بتتويبكم ضالين مشركين خارجين عن شريعة الإسلام يحبون ما يبغضه الله ويبغضون ما يحبه الله ونثبت أن هذه البدع التي هم وغيرهم عليها شر من المعاصي‏.‏

قلت مخاطباً للأمير والحاضرين‏:‏ أما المعاصي فمثل ما روى البخاري في صحيحه عن عمر ابن الخطاب أن رجلاً كان يدعى حماراً وكان يشرب الخمر وكان يضحك النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وكان كلما أتي به النبي صلى الله تعالى عليه وسلم جلده الحد فلعنه رجل مرة وقال‏:‏ لعنه الله ما أكثر ما يؤتى به إلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فقال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله ‏"‏ قلت‏:‏ فهذا رجل كثير الشرب للخمر ومع هذا فلما كان صحيح الاعتقاد يحب الله ورسوله شهد له النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بذلك ونهى عن لعنته‏.‏

وأما المبتدع فمثل ما أخرجا في الصحيحين عن علي بن أبي طالب وعن أبي سعيد الخدري وغيرهما - دخل حديث بعضهم في بعض - أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم كان يقسم فجاءه رجل ناتئ الجبين كث اللحية محلوق الرأس بين عينيه أثر السجود وقال ما قال فقال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ يخرج من ضئضئ هذا قوم يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم وقراءته مع قراءتهم يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد ‏"‏ وفي رواية‏:‏ ‏"‏ لو يعلم الذين يقاتلونهم ماذا لهم على لسان محمد لنكلوا عن العمل ‏"‏ وفي رواية ‏"‏ شر قتلى تحت أديم السماء خير قتلى من قتلوه ‏"‏ قلت‏:‏ فهؤلاء مع كثرة صلاتهم وصيامهم وقراءتهم وما هم عليه من العبادة والزهادة أمر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بقتلهم وقتلهم علي بن أبي طالب ومن معه من أصحاب النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وذلك لخروجهم عن سنة النبي وشريعته وأظن أني ذكرت قول الشافعي‏:‏ لأن يبتلى العبد بكل ذنب ما خلا الشرك بالله خير من أن يبتلى من هذه الأهواء فلما ظهر قبح البدع في الإسلام وإنها أظلم من الزنا والسرقة وشرب الخمر وأنهم مبتدعون بدعاً منكرة فيكون حالهم أسوأ من حال الزاني والسارق وشارب الخمر‏.‏

أخذ شيخهم عبد الله يقول‏:‏ يا مولانا لا تتعرض لهذا الجناب العزيز - يعني أتباع أحمد بن الرفاعي - فقلت منكراً بكلام غليظ‏:‏ ويحك أي شيء هو الجناب العزيز وجناب من خالفه أولى بالعزبار والرزجنة تريدون أن تبطلوا دين الله ورسوله فقال‏:‏ يا مولانا يحرقك الفقراء بقلوبهم فقلت‏:‏ مثل ما أحرقني الرافضة لما قصدت الصعود إليهم وصار جميع الناس يخوفوني منهم ومن شرهم ويقول أصحابهم‏:‏ إن لهم سراً مع الله فنصر الله وأعان عليهم وكان الأمراء الحاضرون قد عرفوا بركة ما يسره الله في أمر غزو الرافضة بالجبل‏.‏

وقلت لهم‏:‏ يا شبه الرافضة يا بيت الكذب - فإن فيهم من الغلو والشرك والمروق عن الشريعة ما شاركوا به الرافضة في بعض صفاتهم وفيهم من الكذب ما قد يقاربون به الرافضة في ذلك أو يساوونهم أو يزيدون عليهم فإنهم من أكذب الطوائف حتى قيل فيهم‏:‏ لا تقولوا أكذب من اليهود على الله ولكن قولوا أكذب من الأحمدية على شيخهم وقلت لهم‏:‏ أنا كافر بكم وبأحوالكم ‏"‏ فكيدوني جميعاً ثم لا تنظرون ‏"‏‏.‏

ولما رددت عليهم الأحاديث المكذوبة أخذوا يطلبون مني كتباً صحيحة ليهتدوا بها فبذلت لهم ذلك وأعيد الكلام أنه من خرج عن الكتاب والسنة ضربت عنقه وأعاد الأمير هذا الكلام واستقر الكلام على ذلك والحمد لله الذي صدق وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده‏.‏

هذا آخر ما جرى مع البطائحية لشيخ الإسلام وإمام الأئمة الأعلام الشيخ تقي الدين أحمد الشهير بابن تيمية قدس الله روحه ونور ضريحه ورضي عنه‏.‏

لباس الفتوة والخرقة عند المتصوفة ومسائل أخرى فشت فيهم بسم الله الرحمن الرحيم


تابعونا
ااااااااااا
ااااااااا
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://ehabmtwale.forumegypt.net
ايهاب متولى
مؤسس الموقع
مؤسس الموقع
avatar

عدد المساهمات : 1578
نقاط : 3229
تاريخ التسجيل : 10/01/2011
العمر : 39

مُساهمةموضوع: فصل شروط لباس خرقة الفتوة    2011-08-04, 23:35



فصل شروط لباس خرقة الفتوة

شروط لباس خرقة الفتوة‏:‏ والشروط التي تشترطها شيوخ الفتوة ما كان منها مما أمر الله به ورسوله كصدق الحديث وأداء الأمانة وأداء الفرائض واجتناب المحارم ونصر المظلوم وصلة الأرحام والوفاء بالعهد أو كانت مستحبة كالعفو عن الظالم واحتمال الأذى وبذل المعروف الذي يحبه الله ورسوله وأن يجتمعوا على السنة ويفارق أحدهما الآخر إذا كان على بدعة ونحو ذلك فهذه يؤمن بها كل مسلم سواء شرطها شيوخ الفتوة أو لم يشرطوها وما كان منها مما نهى الله عنه ورسوله مثل التحالف الذي يكون بين أهل الجاهلية إن كلاً منهما يصادق صديق الآخر في الحق والباطل ويعادي عدوه في الحق والباطل وينصره على كل من يعاديه سواء كان الحق معه أو كان مع خصمه فهذه شروط تحلل الحرام وتحرم الحلال وهي شروط ليست في كتاب الله وفي الصحيح عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏ ما بال رجال يشترطون شروطاً ليست في كتاب الله من اشترط شرطاً ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط كتاب الله أحق وشرط الله أوثق ‏"‏ رواه البخاري‏.‏

وفي السنن عنه أنه قال‏:‏ ‏"‏ المسلمون عند شروطهم إلا شرطاً أحل حراماً أو حرم حلالاً ‏"‏ وكل ما كان من الشروط التي بين القبائل والملوك والشيوخ والأحلاف وغير ذلك فإنها على هذا الحكم باتفاق علماء المسلمين ما كان من الأمر المشروط الذي قد أمر الله به ورسوله فإنه يؤمر به كما أمر الله به ورسوله وإن كان مما نهى عنه ورسوله فإنه ينهى عنه كما نهى الله عنه ورسوله وليس لبني آدم أن يتعاهدوا ولا يتعاقدوا ولا يتحالفوا ولا يتشارطوا على خلاف ما أمر الله به ورسوله بل على كل منهم أن يوفوا بالعقود والعهود التي عهدها الله إلى بني آدم كما قال الله تعالى‏:‏ ‏"‏ واوفوا بعهدي اوف بعهدكم ‏"‏ وكذلك ما يعقده المرء على نفسه كعقد النذر أو يعقده الاثنان كعقد البيع والإجارة والهبة وغيرهما أو ما يكون تارة من واحد وتارة من اثنين كعقد الوقف والوصية فإنه في جميع هذه العقود متى اشترط العاقد شيئاً مما نهى الله عنه ورسوله كان شرطه باطلاً‏.‏

وفي الصحيح عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏"‏ من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه ‏"‏ والعقود المخالفة لما أمر الله به ورسوله هي من جنس دين الجاهلية وهي شعبة من دين المشركين وأهل الكتاب الذين عقدوا عقوداً أمروا فيها بما نهى الله عنه ورسوله ونهوا فيها عما أمر الله به ورسوله فهذا أصل عظيم يجب على كل مسلم أن يتجنبه‏.‏

فصل الفتى والفتوة والزعيم والحزب والدسكرة

الفتى والفتوة والزعيم والحزب والدسكرة وما قالوه فيها‏:‏ وأما لفظ الفتى فمعناه في اللغة الحدث كقوله تعالى‏:‏ ‏"‏ إنهم فتية آمنوا بربهم ‏"‏‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏"‏ قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم ‏"‏‏.‏

ومنه قوله تعالى‏:‏ ‏"‏ وإذ قال موسى لفتاه ‏"‏ لكن لما كانت أخلاق الأحداث اللين صار كثير من الشيوخ يعبرون بلفظ الفتوة عن مكارم الأخلاق كقول بعضهم‏:‏ طريقنا نتفتى وليس بتقوى وقول بعضهم‏:‏ الفتوة أن تقرب من يقصيك وتكرم من يؤذيك وتحسن إلى من يسيء إليك سماحة لا كظماً ومودة لا مضارة قول بعضهم‏:‏ الفتوة ترك ما تهوى لما تخشى وأمثال هذه الكلمات التي توصف فيها الفتوة بصفات محمودة محبوبة سواء سميت فتوة أو لم تسم وهي لم تستحق المدح في الكتاب والسنة إلا لدخولها فيما حمده الله ورسوله من الأسماء كلفظ الإحسان والرحمة والعفو والصفح والحلم وكظم الغيظ والبر والصدقة والزكاة والخير ونحو ذلك من الأسماء الحسنة التي تتضمن هذه المعاني فكل اسم علق الله به المدح والثواب في الكتاب والسنة كان أهله ممدوحين وكل اسم علق به الذم والعقاب في الكتاب والسنة كان أهله مذمومين كلفظ الكذب والخيانة والفجور والظلم والفاحشة ونحو ذلك‏.‏

وأما لفظ الزعيم فإنه مثل لفظ الكفيل والقبيل والضمين قال تعالى‏:‏ ‏"‏ ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم ‏"‏ فمن تكفل بأمر طائفة فإنه يقال‏:‏ هو زعيم فإن كان قد تكفل بخير كان محموداً على ذلك وإن كان شراً كان مذموماً على ذلك‏.‏

وأما رأس الحزب فإنه رأس الطائفة التي تتحزب أي تصير حزباً فإن كانوا مجتمعين على ما أمر الله به ورسوله من غير زيادة ولا نقصان فهم مؤمنون لهم ما لهم وعليهم ما عليهم وإن كانوا قد زادوا في ذلك ونقصوا مثل التعصب لمن دخل في حزبهم بالحق والباطل والإعراض عمن لم يدخل في حزبهم سواء كان على الحق والباطل فهذا من التفرق الذي ذمه الله تعالى ورسوله فإن الله ورسوله أمراً بالجماعة والائتلاف ونهياً عن التفرقة والاختلاف وأمرا بالتعاون على البر والتقوى ونهيا عن التعاون على الإثم والعدوان‏.‏

وفي الصحيحين عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏"‏ مثل المؤمنين في توادهم وتراحمه وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر ‏"‏‏.‏

وفي الصحيحين عنه صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏"‏ المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً ‏"‏ وشبك بين أصابعه‏.‏

وفي الصحيح عنه أنه قال‏:‏ ‏"‏ المسلم أخو المسلم لا يسلمه ولا يخذله ‏"‏‏.‏

وفي الصحيح عنه صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏"‏ انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً ‏"‏ قيل‏:‏ يا رسول الله أنصره مظلوماً فكيف أنصره ظالماً قال‏:‏ ‏"‏ تمنعه من الظلم فذلك نصرك إياه ‏"‏‏.‏

وفي الصحيح عنه أنه قال‏:‏ ‏"‏ خمس تجب للمسلم على المسلم‏:‏ يسلم عليه إذا لقيه ويعوده إذا مرض ويشتمه إذا عطس ويجيبه إذا دعاه ويشيعه إذا مات ‏"‏‏.‏

وفي الصحيح عنه صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏"‏ والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ‏"‏‏.‏

فهذه الأحاديث وأمثالها فيها أمر الله ورسوله بما أمر به من حقوق المؤمنين بعضهم على بعض‏.‏

وفي الصحيحين عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏"‏ لا تقاطعوا ولا تدابروا ولا تباغضوا ولا تحاسدوا وكونوا عباد الله أخواناً ‏"‏‏.‏

وفي الصحيحين عنه صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏"‏ إن الله يرضى لكم ثلاثاً أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً وإن تعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا وإن تناصحوا من ولاه الله أمركم ‏"‏‏.‏

وفي السنن عنه صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏"‏ ألا أنبئكم بأفضل من درجة الصلاة والصيام والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ‏"‏ قالوا‏:‏ بلى يا رسول الله قال‏:‏ ‏"‏ صلاح ذات البين هي الحالقة لا أقول تحلق الشعر ولكن تحلق الدين ‏"‏ فهذه الأمور مما نهى الله ورسوله عنها‏.‏

وأما لفظة الدسكرة فليست من الألفاظ التي لها أصل في الشريعة فيتعلق بها حمد أو ذم ولكن هي في عرف الناس يعبر عنها عن المجامع كما في حديث هرقل أنه جمع الروم في دسكرة ويقال للمجتمعين على شرب الخمر أنهم في دسكرة فلا يتعلق بهذا اللفظ حمد ولا ذم وهو إلى الذم أقرب لأن الغالب في عرف الناس أنهم يسمون بذلك الاجتماع على الفواحش والخمر والغناء‏.‏

والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض على كل مسلم لكنه من فروض الكفايات فإن قام من

فصل مم خلق النبي صلى الله عليه وسلم وبم تتفاضل المخلوقات

مم خلق النبي صلى الله عليه وسلم وبم تتفاضل المخلوقات‏:‏ والنبي صلى الله تعالى عليه وسلم خلق مما يخلق منه البشر ولم يخلق أحد من البشر من نور بل قد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏"‏ إن الله خلق الملائكة من نور وخلق إبليس من مارج من نار وخلق آدم مما وصف لكم ‏"‏ وليس تفضيل بعض المخلوقات على بعض باعتبار ما خلقت منه فقط بل قد يخلق المؤمن من كافر والكافر من مؤمن كابن نوح منه وكإبراهيم من آزر وآدم خلقه الله من طين فلما سواه ونفخ فيه من روحه وأسجد له الملائكة وفضله عليهم بتعليمه أسماء كل شيء وبأن خلقه بيديه وبغير ذلك فهو وصالحوا ذريته أفضل من الملائكة وإن كان هؤلاء مخلوقين من طين وهؤلاء من نور وهذه مسألة كبيرة مبسوطة في غير هذا الموضع فإن فضل بني آدم هو بأسباب يطول شرحها هنا وإنما يظهر فضلهم إذا دخلوا دار القرار ‏"‏ والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار ‏"‏ والآدمي خلق من نطفة ثم من مضغة ثم من علقة ثم انتقل من صغر إلى كبر ثم من دار إلى دار فلا يظهر فضله وهو في ابتداء أحواله وإنما يظهر فضله عند كمال أحواله بخلاف الملك الذي تشابه أول أمره وآخره ومن هنا غلط من فضل الملائكة على الأنبياء حيث نظر إلى أحوال الأنبياء وهم في أثناء الأحوال قبل أن يصلوا إلى ما وعدوا به في الدار الآخرة من نهايات الكمال‏.‏

وقد ظهر فضل نبينا على الملائكة ليلة المعراج لما صار بمستوى يسمع فيه صريف الأقلام وعلا على مقامات الملائكة والله تعالى أظهر من عظيم قدرته وعجيب حكمته من صالحي الآدميين من الأنبياء والأولياء ما لم يظهر مثله من الملائكة حيث جمع فيهم ما تفرق في المخلوقات فخلق بدنه من الأرض وروحه من الملأ الأعلى ولهذا يقال هو العالم الصغير وهو نسخة العالم الكبير ومحمد سيد ولد آدم وأفضل الخلق وأكرمهم عليه ومن هنا قال من قال إن الله من أجله العالم أو إنه لولا هو لما خلق عرشاً ولا كرسياً ولا سماءً ولا أرضاً ولا شمساً ولا قمراً لكن ليس هذا حديثاً عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم لا صحيحاً ولا ضعيفاً ولم ينقله أحد من أهل العلم بالحديث عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بل ولا يعرف عن الصحابة بل هو كلام لا يدرى قائله ويمكن أن يفسر بوجه صحيح كقوله‏:‏ ‏"‏ سخر لكم ما في السموات وما في الأرض وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة ‏"‏ وقوله‏:‏ ‏"‏ الله الذي خلق السموات والأرض وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقاً لكم وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره وسخر لكم الأنهار وسخر لكم الشمس والقمر دائبين وسخر لكم الليل والنهار وآتاكم من كل ما سألتموه وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها ‏"‏ وأمثال ذلك من الآيات التي يبين فيها أنه خلق المخلوقات لبني آدم ومعلوم أن لله فيها حكماً عظيمة غير ذلك وأعظم من ذلك لكن يبين لبني آدم ما فيها من المنفع وما أسبغ عليهم من النعمة فإذا قيل فعل كذا لكذا لم يقتض أن لا يكون فيه حكمة أخرى وكذلك قول القائل لولا كذا ما خلق كذا لا يقتضي أن لا يكون فيه حكم أخرى عظيمة بل يقتضي إذا كان أفضل صالحي بني آدم وأفضلهم محمد وكانت خلقته غاية مطلوبة وحكمة بالغة مقصودة من غيره وصار تمام الخلق ونهاية الكمال به حصل لمحمد صلى الله تعالى عليه وسلم والله خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام وكان آخر الخلق يوم الجمعة وفيه خلق آدم وهو آخر ما خلق خلق يوم الجمعة بعد العصر في آخر يوم الجمعة‏.‏

وسيد ولد آدم هو محمد صلى الله تعالى عليه وسلم آدم فمن دونه تحت لوائه قال صلى الله تعالى عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ إني عند الله لمكتوب خاتم النبيين وإن آدم لمنجدل في طينته ‏"‏ أي كتبت نبوتي وأظهرت لما خلق آدم قبل نفخ الروح فيه كما يكتب الله رزق العبد وأجله وعمله وشقي أو سعيد إذا خلق الجنين قبل نفخ الروح فيه فإذا كان الإنسان هو خاتم المخلوقات وآخرها هو الجامع لما فيها وفاضله هو فاضل المخلوقات مطلقاً ومحمد إنسان هذا العين وقطب هذه الرحى وأقسام هذا الجمع كان كأنها غاية الغايات في المخلوقات فما ينكر أن يقال أنه لأجله حلقت جميعها وإنه لولاه لما خلقت فإذا فسر هذا الكلام ونحوه بما يدل عليه الكتاب والسنة قبل ذلك‏.‏

وأما إذا حصل في ذلك غلو من جنس غلو النصارى بإشراك بعض المخلوقات في شيء من الربوبية كان ذلك مردوداً غير مقبول فقد صح عنه صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏"‏ لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم فإنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله ‏"‏ وقد قال تعالى‏:‏ ‏"‏ يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى بن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه فآمنوا بالله ورسوله ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيراً لكم إنما الله إله واحد ‏"‏ والله قد جعل له حقاً لا يشركه فيه مخلوق فلا تصلح العبادة إلا له ولا الدعاء إلا له ولا التوكل إلا عليه ولا الرغبة إلا إليه ولا الرهبة إلا منه ولا ملجأ ولا منجا منه إلا إليه ولا يأتي بالحسنات إلا هو ولا يذهب السيئات إلا هو ولا حول ولا قوة إلا به ‏"‏ ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه إن كل من في السموات والأرض إلا آتي الرحمن عبداً لقد أحصاهم وعدهم عداً وكلهم آتيه يوم القيامة فرداً ‏"‏‏.‏

وقال تعالى‏:‏ ‏"‏ ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون ‏"‏ فجعل الطاعة لله والرسول وجعل الخشية والتقوى لله وحده وكذلك في قوله‏:‏ ‏"‏ ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا‏:‏ حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله إنا إلى الله راغبون ‏"‏ فالإيتاء لله والرسول وأما التوكل فعلى الله وحده والرغب
ة إلى الله
وحده‏.‏



تابعوناااااااااااااااا
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://ehabmtwale.forumegypt.net
ايهاب متولى
مؤسس الموقع
مؤسس الموقع
avatar

عدد المساهمات : 1578
نقاط : 3229
تاريخ التسجيل : 10/01/2011
العمر : 39

مُساهمةموضوع: فصل وأما المؤاخاة فإن النبي صلى الله عليه وسلم آخى بين المهاجرين والأنصار   2011-08-04, 23:37

فصل وأما المؤاخاة فإن النبي صلى الله عليه وسلم آخى بين المهاجرين والأنصار

وأما المؤاخاة فإن النبي صلى الله عليه وسلم آخى بين المهاجرين والأنصار لما قدم المدينة كما آخى بين سلمان الفارسي وبين أبي الدرداء وبين عبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع وكانوا يتوارثون بتلك المؤاخاة حتى أنزل الله تعالى‏:‏ ‏"‏ وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله ‏"‏ فصاروا يتوارثون بالقرابة وفي ذلك أنزل الله تعالى‏:‏ ‏"‏ والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم ‏"‏ وهذا هو المحالفة واختلف العلماء عل التوارث بمثل ذلك عند عدم القرابة والولاء محكم أو منسوخ على قولين‏:‏ أحدهما أن ذلك منسوخ وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد في أشهر الروايتين عنه ولما ثبت في صحيح مسلم عنه أنه قال‏:‏ ‏"‏ لا حلف في الإسلام وما كان من حلف في الجاهلية فلم يزده الإسلام إلى شدة ‏"‏‏.‏

والثاني‏:‏ أن ذلك محكم وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد في الرواية الأخرى عنه‏.‏

وأما المؤاخاة بين المهاجرين كما يقال أنه آخى بين أبي بكر وعمر وأنه آخى علياً ونحو ذلك فهذا كله باطل وإن كان بعض الناس ذكر أنه فعل بمكة وبعضهم ذكر أنه فعل بالمدينة وذلك نقل ضعيف إما منقطع وإما بإسناد ضعيف والذي في الصحيح هو ما تقدم ومن تدبر الأحاديث الصحيحة والسيرة النبوية الثابتة تيقن أن ذلك كذب‏.‏

وأما عقد الأخوة بين الناس في زماننا فإن كان المقصود منها التزام الأخوة الإيمانية التي أثبتها الله بين المؤمنين بقوله‏:‏ ‏"‏ إنما المؤمنون إخوة ‏"‏ وقول النبي صلى الله تعالى عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ المسلم أخو المسلم لا يسلمه ولا يظلمه ‏"‏ وقوله‏:‏ ‏"‏ لا يبيع أحدكم على بيع أخيه ولا يستام على سوم أخيه ولا يخطب على خطبة أخيه ‏"‏ وقوله‏:‏ ‏"‏ والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه من الخير ما يحبه لنفسه ‏"‏ ونحو ذلك من الحقوق الإيمانية التي تجب للمؤمن على المؤمن فهذه الحقوق واجبة بنفس الإيمان والتزامها بمنزلة الصلاة والزكاة والصيام والحج والمعاهدة عليها كالمعاهدة على ما أوجب الله ورسوله وهذه ثابتة لكل مؤمن على كل مؤمن وإن لم يحصل بينهما عقد مؤاخاة وإن كان المقصود منها إثبات حكم خاص كما كان بين المهاجرين والأنصار فهذه فيها للعلماء قولان بناءً على أن ذلك منسوخ أم لا فمن قال‏:‏ إنه منسوخ - كمالك والشافعي وأحمد في المشهور عنه - قال‏:‏ إن ذلك غير مشروع‏.‏

ومن قال إنه لم ينسخ - كما قال أبو حنيفة وأحمد في الرواية الأخرى - قال‏:‏ إنه مشروع‏.‏

وأما الشروط التي يلتزمها كثير من الناس في السماع وغيره مثل أن يقول‏:‏ على المشاركة في الحسنات وأينا خلص يوم القيامة خلص صاحبه ونحو ذلك فهذه كلها شروط باطلة فإن الأمر يومئذ لله هو ‏"‏ يوم لا تملك نفس لنفس شيئاً ‏"‏ وكما قال تعالى‏:‏ ‏"‏ ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم وكذلك يشترطون شروطاً من الأمور الدنيوية ولا يوفون بها وما أعلم أحداً ممن دخل في هذه الشروط الزائدة على ما شرطه الله ورسوله وفى بها بل هو كلام يقولونه عند غلبة الحال لا حقيقة له في المال وأسعد الناس من قام بما أوجبه الله ورسوله فضلاً عن أن يوجب على نفسه زيادات على ذلك - وهذه المسائل قد بسطت في غير هذا الموضع والله أعلم‏.‏

قاله أحمد بن تيمية الحراني‏.‏

كتاب شيخ الإسلام ابن تيمية إلى العارف بالله الشيخ نصر المنبجي قال الراوي‏:‏ كتاب كتبه الشيخ الإمام وحيد دهره وفريد عصره علامة زمانه ناصر السنة مؤيد الشريعة شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس أحمد بن تيمية الحراني فسح الله تعالى في مدته وأعاد علينا من بركته إلى الشيخ القدوة أبي الفتح نصر المنبجي سنة أربع وسبعمائة‏.‏

بسم الله الرحمن الرحيم‏:‏ من أحمد بن تيمية إلى الشيخ العارف القدوة السالك الناسك أبي الفتح نصر فتح الله على باطنه وظاهره ما فتح به على قلوب أوليائه ونصره على شياطين الإنس والجن في جهره وإخفائه ونهج به الطريقة المحمدية الموافقة لشرعته وكشف به الحقيقة الدينية المميزة بين خلقه وطاعته وإرادته ومحبته حتى يظهر للناس الفرق بين الكلمات الكونية والكلمات الدينية وبين المؤمنين الصادقين الصالحين ومن تشبه بهم من المنافقين كما فرق الله بينهما في كتابه وسنته‏.‏

أما بعد فإن الله تعالى قد أنعم على الشيخ وأنعم به نعمة باطنة وظاهرة في الدين والدنيا وجعل له عند خاصة المسلمين الذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً منزلة عليه ومودة إليه لما منحه الله تعالى به من حسن المعرفة والقصد فإن العلم والإرادة أصل لطريق الهدى والعبادة وقد بعث الله محمداً صلى الله تعالى عليه وسلم بأكمل محبة في أكمل معرفة فأخرج بمحبة الله ورسوله هي أصل الأعمال المحبة التي فيها إشراك وإجمال كما قال تعالى‏:‏ ‏"‏ ومن الناس من يتخذ من دون الله أنداداً يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حباً لله ‏"‏ وقال تعالى‏:‏ ‏"‏ قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره ‏"‏ ‏.‏

ولهذا كانت المحبة الإيمانية هي الموجبة للذوق الإيماني والوجد الديني كما في الصحيحين عن أنس قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان في قلبه من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله ومن كان يكره أن يرجع في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار ‏"‏ فجعل صلى الله تعالى عليه وسلم وجود حلاوة الإيمان معلقاً بمحبة الله ورسوله الفاضلة وبالمحبة فيه في الله وبكراهة ضد الإيمان‏.‏

وفي صحيح مسلم عن العباس قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ ذاق طعم الإيمان من رضي بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد رسولاً ‏"‏ فجعل ذوق طعم الإيمان معلقاً بالرضى بهذه الأصول كما جعل الوجد معلقاً بالمحبة ليفرق صلى الله تعالى عليه وسلم بين الذوق والوجد الذي هو أصل الأعمال الظاهرة وثمرة الأعمال الباطنة وبين ما أمر الله به ورسوله وبين غيره كما قال سهل بن عبد الله التستري‏:‏ كل وجد لا يشهد له الكتاب والسنة فهو باطل إذ كان كل من أحب شيئاً فله ذوق بحسب محبته ولهذا طالب الله تعالى مدعي محبته بقوله‏:‏ ‏"‏ إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم ‏"‏‏.‏

قال الحسن البصري‏:‏ ادعى قوم على عهد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أنهم يحبون الله فطالبهم بهذه الآية فجعل محبة العبد لله موجبة لمتابعة رسوله وجعل متابعة رسوله موجبة لمحبة الرب عبده وقد ذكرت نعت المحبين في قوله‏:‏ ‏"‏ فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ‏"‏ فنعت المحبين المحبوبين بوصف الكمال الذي نعت لله به رسوله الجامع بين معنى الجلال والجمال المفرق في الملتين قلنا وهو الشدة والعزة على أعداء الله والذلة والرحمة لأولياء الله ورسوله ولهذا يوجد كثير ممن له وجد وحب مجمل مطلق كما قال فيه كبير من كبرائهم‏:‏ مشرد عن الوطن مبعد عن السكن يبكي الطلول والدمن يهوى ولا يدري لمن‏.‏

فالشيخ أحسن الله إليه قد جعل فيه من النور والمعرفة الذي هو أصل المحبة والإرادة ما تتميز به المحبة الإيمانية المحمدية المفصلة عن المجملة المشتركة وكما يقع هذا الإجمال في المحبة يقع أيضاً في التوحيد قال الله تعالى في أم الكتاب التي هي مفروضة على العبد وواجبة في كل صلاة أن يقول‏:‏ ‏"‏ إياك نعبد وإياك نستعين ‏"‏ وقد ثبت في الحديث الصحيح أن الله يقول‏:‏ ‏"‏ قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين نصفها لي ونصفها لعبدي ولعبدي ما سأل فإذا قال العبد ‏"‏ الحمد لله رب العالمين ‏"‏ قال الله‏:‏ حمدني عبدي وإذا قال‏:‏ ‏"‏ الرحمن الرحيم ‏"‏ قال الله‏:‏ أثنى عليّ عبدي وإذا قال‏:‏ ‏"‏ مالك يوم الدين ‏"‏ قال‏:‏ مجدني عبدي أو قال فوض إلي عبدي وإذا قال‏:‏ ‏"‏ إياك نعبد وإياك نستعين ‏"‏ قال‏:‏ فهذه الآية بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل فإذا قال‏:‏ ‏"‏ اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين ‏"‏ قال‏:‏ فهؤلاء ولهذا روي أن الله أنزل مائة كتاب وأربعة كتب جمع معانيها في القرآن ومعاني القرآن في المفصل في أم الكتاب ومعاني أم الكتاب في هاتين الكلمتين ‏"‏ إياك نعبد وإياك نستعين ‏"‏ وهذا المعنى قد ثناه الله في مثل قوله‏:‏ ‏"‏ فاعبده وتوكل عليه ‏"‏ وفي مثل قوله‏:‏ ‏"‏ عليه توكلت وإليه أنيب ‏"‏ وقوله‏:‏ ‏"‏ عليه توكلت وإليه متاب ‏"‏‏.‏

وكان النبي صلى الله تعالى عليه وسلم يقول في نسكه‏:‏ ‏"‏ اللهم هذا منك وإليك ‏"‏ فهو سبحانه مستحق التوحيد الذي هو دعاؤه وإخلاص الدين له دعاء العباد بالمحبة والإنابة والطاعة والإجلال والإكرام والخشية والرجاء ونحو ذلك من معاني تألهه وعبادته ودعاء المسألة والاستعانة بالتوكل عليه والالتجاء إليه والسؤال له ونحو ذلك مما يفعل سبحانه بمقتضى ربوبيته وهو سبحانه الأول والآخر والباطن والظاهر‏.‏

ولهذا جاءت الشريعة الكاملة في العبادة باسم الله وفي السؤال باسم الرب فيقول المصلي والذاكر الله أكبر وسبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله وكلمات الآذان‏:‏ الله أكبر الله أكبر إلى آخرها ونحو ذلك‏.‏

وفي السؤال‏:‏ ‏"‏ ربنا ظلمنا أنفسنا - رب اغفر لي ولوالدي - رب بما أنعمت علي فلن أكون ظهيراً للمجرمين - رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي ‏"‏ ‏"‏ ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا رب اغفر وارحم وأنت خير الراحمين ‏"‏ ونحو ذلك وكثير من المتوجهين السالكين يشهد في سلوكه الربوبية والقيومية الكاملة الشاملة لكل مخلوق من الأعيان والصفات وهذه الأمور قائمة بكلمات الله الكونية التي كان النبي صلى الله تعالى عليه وسلم يستعيذ بها فيقول‏:‏ ‏"‏ أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر من شر ما خلق وذرأ وبرأ ومن شر ما ينزل من السماء وما يعرج فيها ومن شر ما ذرأ في الأرض وما يخرج منها ومن شر فتن الليل والنهار ومن شر كل طارق إلا طارقاً يطرق بخير يا رحمن ‏"‏ فيغيب ويفنى بهذا التوحيد الرباني عما هو مأمور به أيضاً ومطلوبه وهو محبوب الحق ومرضيه من التوحيد الإلهي الذي هو عبادته وحده لا شريك له وطاعته وطاعة رسوله والأمر بما أمر به والنهي عما نهى عنه والحب فيه والبغض فيه ومن أعرض عن هذا التوحيد وأخذ بالأول فهو يشبه القدرية المشركية الذين قالوا ‏"‏ لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ‏"‏ ومن أخذ بالثاني دون الأول فهو من القدرية المجوسية الذين يزعمون أن الله لم يخلق أفعال العباد ولا شاء جميع الكائنات كما تقول المعتزلة والرافضة ويقع في كلام كثير من المتكلمة والمتفقهة والأول ذهب إليه طوائف من الإباحية المنحلين عن الأوامر والنواهي وإنما يستعملون ذلك عند أهوائهم وإلا فهو لا يستمر وهو كثير في المتألهة الخارجين عن الشريعة خفو العدو وغيرهم فإن لهم زهادات وعبادات فيها ما هو غير مأمور به فيفيدهم أحوالاً فيها ما هو فاسد يشبهون من بعض الوجوه الرهبان وعباد البدود‏.‏

ولهذا قال الشيخ عبد القادر قدس الله روحه كثير من الرجال إذا دخلوا إلى القضاء والقدر أمسكوا وأنا انفتحت لي فيه روزنة فنازعت أقدار الحق بالحق للحق والولي من يكون منازعاً للقدر لا من يكون موافقاً له‏.‏

وهذا الذي قاله الشيخ تكلم به على لسان المحمدية أي أن المسلم مأمور أن يفعل ما أمر الله به ويدفع ما نهى الله عنه وإن كانت أسبابه قد قدرت فيدفع الله بقدر الله كما جاء في الحديث الذي رواه الطبراني في كتاب الدعاء عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ إن الدعاء والبلاء ليلتقيان بين السماء والأرض ‏"‏ وفي الترمذي قيل‏:‏ يا رسول الله أرأيت أدوية نتداوى بها ورقي نسترقي بها وتقى نتقيها هل ترد من قدر الله شيئاً فقال‏:‏ ‏"‏ هن من قدر الله ‏"‏ وإلى هذين المعنيين أشار الحديث الذي رواه الطبراني أيضاً عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏"‏ يقول الله يا ابن آدم إنما هي أربع‏:‏ واحدة لي وواحدة لك وواحدة بيني وبينك وواحدة بينك وبين خلقي‏.‏

فأما التي لي‏:‏ فتعبدني لا تشرك بي شيئاً وأما التي لك فعملك أجزيك به أحوج ما تكون إليه وأما التي هي بيني وبينك فمنك الدعاء وعلي الإجابة وأما التي بينك وبين خلقي فأت الناس بما تحب أن يؤتوه إليك ‏"‏‏.‏

ثم إن التوحيد الجامع لتوحيد الألوهية والربوبية أو توحيد أحدهما للعبد فيه ثلاث مقامات‏:‏ والثاني مقام الجمع والفناء بحيث يغيب بمشهوده عن شهوده وبمعبوده عن عبادته وبموحده عن توحيده وبمذكوره عن ذكره وبمحبوبه عن حبه فهذا فناء عن إدراك السوى وهو فناء القاصرين‏.‏

وأما الفناء الكامل المحمدي فهو الفناء عن عبادة السوى والاستعانة بالسوى وإرادة وجه السوى وهذا في الدرجة الثالثة وهو شهود التفرقة في الجمع والكثرة في الوحدة فيشهد قيام الكائنات مع تفرقها بإقامة الله تعالى وحده وربوبيته ويرى أنه ما من دابة إلا ربي آخذ بناصيتها وأنه على كل شيء وكيل وأنه رب العالمين وأن قلوب العباد ونواصيهم بيده لا خالق غيره و نافع ولا ضار ولا معطي ولا مانع ولا حافظ ولا معز ولا مذل سواه ويشهد أيضاً فعل المأمورات مع كثرتها وترك الشبهات مع كثرتها لله وحده لا شريك له‏.‏

وهذا هو الدين الجامع العام الذي اشترك فيه جميع الأنبياء والإسلام العام والإيمان العام وبه أنزلت السور المكية وإليه الإشارة بقوله تعالى‏:‏ ‏"‏ شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه ‏"‏ وبقوله‏:‏ ‏"‏ واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا‏:‏ أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون ‏"‏ وبقوله تعالى‏:‏ ‏"‏ ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت ‏"‏ ولهذا ترجم البخاري عليه‏:‏ وقد قال تعالى‏:‏ ‏"‏ إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون ‏"‏ فجمع في الملل الأربع‏:‏ ‏"‏ من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً ‏"‏ وذلك قبل النسخ والتبديل وخص في أول الآية المؤمنين وهو الإيمان الخاص الشرعي الذي قال فيه‏:‏ ‏"‏ لكل جعلنا منكم شرعةً ومنهاجاً ‏"‏ والشرعة هي الشريعة والمنهاج هو الطريقة والدين الجامع هو الحقيقة الدينية وتوحيد الربوبية هو الحقيقة الكونية فالحقيقة المقصودة الدينية الموجودة الكونية متفق عليها بين الأنبياء والمرسلين‏.‏

فأما الشرعة والمنهاج الإسلاميان فهو لأمة محمد صلى الله تعالى عليه وسلم ‏"‏ خير أمة أخرجت للناس ‏"‏ وبها أنزلت السور المدنية إذ في المدينة النبوية شرعت الشرائع وسنت السنن ونزلت الأحكام والفرائض والحدود فهذا التوحيد هو الذي جاءت به الرسل ونزلت به الكتب وإليه تشير مشايخ الطريقة وعلماء الدين لكن بعض ذوي الأحوال قد يحصل له في حال الفناء القاصر سكر وغيبة عن السوى والسكر وجد بلا تمييز فقد يقول في تلك الحال سبحاني أو ما في الجبة إلا الله أو نحو ذلك من الكلمات التي تؤثر عن أبي يزيد البسطامي أو غيره من الأصحاء وكلمات السكر أن تطوى ولا تروى ولا تؤدى إذا لم يكن سكره بسبب محظور من عبادة أو وجه منهي عنه‏.‏

فأما إذا كان السبب محظوراً لم يكن السكران معذوراً لا فرق في ذاك بين السكر الجسماني والروحاني فسكر الأجسام بالطعام والشراب وسكر النفوس بالصور وسكر الأرواح بالأصوات وفي مثل هذا الحال غلط من غلط بدعوى الاتحاد والحلول العيني في مثل دعوى النصارى في المسيح ودعوى الغالية في علي وأهل البيت ودعوى قوم من الجهال الغالية في مثل الحلاج أو الحاكم بمصر أو غيرهما وربما اشتبه عليهم الاتحاد النوعي الحكمي بالاتحاد العيني الذاتي‏.‏

فالأول كما رواه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏ يقول الله‏:‏ عبدي‏!‏ مرضت فلم تعدني فيقول‏:‏ كيف أعودك وأنت رب العالمين فيقول‏:‏ أما علمت أنه مرض عبدي فلان فلو عدته لوجدتني عنده عبدي‏!‏ جعت فلم تطعمني فيقول‏:‏ ربي كيف أطعمك وأنت رب العالمين فيقول‏:‏ أما علمت أن عبدي فلاناً جاع فلو أطعمته لوجدت ذلك عندي ‏"‏ ففسر ما تكلم به في هذا الحديث أن جوع عبده ومحبوبه لقوله‏:‏ ‏"‏ لوجدت ذلك عندي ‏"‏ ولم يقل لوجدتني قد أكلته ولقوله‏:‏ ‏"‏ لوجدتني عنده ‏"‏ ولم يقل لوجدتني إياه وذلك لأن المحب يتفق هو ومحبوبه بحيث يرضى أحدهما بما يرضاه الآخر ويأمر بما يأمر به ويبغض ما يبغضه ويكره ما يكرهه وينهى عما ينهى عنه‏.‏

وهؤلاء هم الذين يرضى الحق لرضاهم ويغضب لغضبهم والكامل المطلق في هؤلاء محمد صلى الله تعالى عليه وسلم ولهذا قال تعالى فيه‏:‏ ‏"‏ إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله ‏"‏ وقال‏:‏ ‏"‏ والله ورسوله أحق أن يرضوه ‏"‏ وقال‏:‏ ‏"‏ من يطع الرسول فقد أطاع الله ‏"‏‏.‏

وقد جاء في الإنجيل الذي بأيدي النصارى كلمات مجملة إن صح أن المسيح قالها فهذا معناها كقوله‏:‏ أنا وأبي واحد من رآني فقد رأى أبي‏.‏

ونحو ذلك وبها ضلت النصارى حيث اتبعوا المتشابه كما ذكر الله عنهم في القرآن لما قدم وفد نجران على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وناظروه في المسيح‏.‏

وقد جاء في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري عن أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ من عادى لي ولياً فقد بارزني بالمحاربة وما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها فبي يسمع وبي يبصر وبي يبطش وبي يمشي ‏"‏ فأخبر في هذا الحديث أن الحق سبحانه إذا تقرب إليه العبد بالنوافل المستحبة التي يحبها الله بعد الفرائض أحبه الحق على هذا الوجه‏.‏

وقد غلط من زعم أن هذا قرب النوافل وإن قرب الفرائض أن يكون هو إياه فإن الله لا يقبل نافلة حتى تؤدى الفريضة فهذا القرب يجمع الفرائض والنوافل فهذه المعاني وما يشبهها هي أصول مذهب أهل الطريقة الإسلامية أتباع الأنبياء والمرسلين‏.‏

وقد بلغني أن بعض الناس ذكر عند خدمتكم الكلام في مذهب الاتحادية وكنت قد كتبت إلى خدمتكم كتاباً اقتضى الحال من غير قصد أن أشرت فيه إشارة لطيفة إلى حال هؤلاء ولم يكن القصد به والله واحداً بعينه وإنما الشيخ هو مجمع المؤمنين فعلينا أن نعينه في الدين والدنيا بما هو اللائق به وأما هؤلاء الاتحادية فقد أرسل إلى الداعي من طلب كشف حقيقة أمرهم وقد كتبت في ذلك كتاباً ربما يرسل إلى الشيخ وقد كتب سيدنا الشيخ عماد الدين في ذلك رسائل والله تعالى يعلم وكفى به عليماً لولا أني أرى دفع ضرر هؤلاء عن أهل طريق الله تعالى السالكين إليه من أعظم الواجبات - وهو شبيه بدفع التتار عن المؤمنين - لم يكن للمؤمنين بالله ورسوله حاجة إلى أن تكشف أسرار الطريق وتهتك أستارها ولكن الشيخ أحسن الله تعالى إليه يعلم أن المقصود الدعوة النبوية بل المقصود بخلق الخلق وإنزال الكتب وإرسال الرسل أن يكون الدين كله لله هو دعوة الخلائق إلى خالقهم بما قال تعالى‏:‏ ‏"‏ إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً ‏"‏ وقال سبحانه‏:‏ ‏"‏ قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني ‏"‏‏.‏

وقال تعالى‏:‏ ‏"‏ وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم صراط الله الذي له ما في السموات وما في الأرض ألا إلى الله تصير الأمور ‏"‏ وهؤلاء موهوا على السالكين التوحيد الذي أنزل الله تعالى به الكتب وبعث به الرسل بالاتحاد الذي سموه توحيداً وحقيقته تعطيل الصانع وجحود الخالق وإنما كنت قديماً ممن يحسن الظن بابن عربي ويعظمه لما رأيت في كتبه من الفوائد مثل كلامه في كثير من الفتوحات والكنة والمحكم المربوط والدرة الفاخرة ومطالع النجوم ونحو ذلك ولم نكن بعد اطلعنا على حقيقة مقصوده ولم نطالع الفصوص ونحوه وكنا نجتمع مع إخواننا في الله نطلب الحق ونتبعه ونكشف حقيقة الطريق فلما تبين الأمر عرفنا نحن ما يجب علينا فلما قدم من المشرق مشايخ معتبرون وسألوا عن حقيقة الطريقة الإسلامية والدين الإسلامي وحقيقة حال هؤلاء وجب البيان وكذلك كتب إلينا من أطراف الشام رجال سالكون أهل صدق وطلب أن أذكر النكت الجامعة لحقيقة مقصودهم والشيخ أيده الله تعالى بنور قلبه وذكاء نفسه وحق قصده من نصحه للإسلام وأهله ولإخوانه السالكين يفعل في ذلك ما يرجو به رضوان الله سبحانه ومغفرته في الدنيا والآخرة‏.‏

هؤلاء الذين تكلموا في هذا الأمر لم يعرف لهم خبر من حين ظهرت دولة التتار وإلا فكان الاتحاد القديم هو الاتحاد المعين وذلك أن القسمة رباعية فإن كل واحد من الاتحاد والحلول إما معين في شخص وإما مطلق أما الاتحاد والحلول المعين كقول النصارى والغالية في الأئمة من الرافضة وفي المشايخ من جهال الفقراء والصوفية فإنهم يقولون به في معنى إما بالاتحاد كاتحاد الماء واللبن وهو قول اليعقوبية وهم السودان ومن الحبشة والقبط وإما بالحلول وهو قول النسطورية وإما بالاتحاد من وجه دون وجه وهو قول الملكانية‏.‏

وأما الحلول المطلق‏:‏ وهو أن الله تعالى بذاته حال في كل شيء فهذا تحكيه أهل السنة والسلف عن قدماء الجهمية وكانوا يكفرون بذلك‏.‏

وأما ما جاء به هؤلاء من الاتحاد العام فما علمت أحداً سبقهم إليه إلا من أنكر وجود الصانع مثل فرعون والقرامطة وذلك أن حقيقة أمرهم أنهم يرون أن عين وجود الحق هو عين وجود الخلق وإن وجود ذات الله خالق السموات والأرض هي نفس وجود المخلوقات فلا يتصور عندهم أن يكون الله تعالى خلق غيره ولا أنه رب العالمين ولا أنه غني وما سواه فقير لكن تفرقوا على ثلاثة طرق وأكثر من ينظر في كلامهم لا يفهم حقيقة أمرهم لأنه أمر مبهم‏:‏ الأول أن يقولوا إن الذوات بأسرها كانت ثابتة في العدم ذاتها أبدية أزلية حتى ذوات الحيوان والنبات والمعادن والحركات والسكنات وأن وجود الحق فاض على تلك الذوات فوجودها وجود الحق وذواتها ليست ذوات الحق ويفرقون بين الوجود والثبوت فما كنت به في ثبوتك ظهرت به في وجودك ويقولون إن الله سبحانه لم يعط أحداً شيئاً ولا أغنى أحداً ولا أسعده ولا أشقاه وإنما وجوده فاض على الذوات فلا تحمد إلا نفسك ولا تذم إلا نفسك ويقولون إن هذا هو سر القدر وإن الله تعالى إنما علم الأشياء من جهة رؤيته لها ثابتة في العدم خارجاً عن نفسه المقدسة ويقولون إن الله تعالى لا يقدر أن يغير ذرة من العالم وإنهم قد يعلمون الأشياء من حيث علمها سبحانه فيكون علمهم وعلم الله تعالى من معدن واحد وإنهم يكونون أفضل من خاتم الرسل من بعض الوجوه لأنهم يأخذون من المعدن الذي أخذ منه الملك الذي يوحى به الرسل ويقولون إنهم لم يعبدوا غير الله ولا يتصور أن يعبدوا غير الله تعالى وإن عباد الأصنام ما عبدوا إلا الله سبحانه وإن قوله تعالى‏:‏ ‏"‏ وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه ‏"‏ معنى حكم لا معنى أمر فما عبد غير الله في كل معبود فإن الله تعالى ما قضى بشيء إلا وقع ويقولون إن الدعوة إلى الله تعالى المكر بالمدعو فإنه ما عدم من البداية فيدعى إلى الغاية وإن قوم نوح قالوا‏:‏ ‏"‏ لا تذرن آلهتكم ولا تذرن وداً ولا سواعاً ‏"‏ لأنهم لو تركوهم لتركوا من الحق بقدر ما تركوا منهم لأن الحق في كل معبود وجهاً يعرفه من عرفه وينكره من أنكره وإن التفريق والكثرة كالأعضاء في الصورة المحسوسة كالقوى المعنوية في الصورة الروحانية وإن العارف منهم يعرف من عبد وفي أي صورة ظهر حتى عبد فإن الجاهل يقول هذا حجر وشجر والعارف يقول هذا محل إلهي ينبغي تعظيمه فلا يقتصر فإن النصارى إنما كفروا لأنهم خصصوا وإن عباد الأصنام ما أخطأوا إلا من حيث اقتصارهم على عبادة بعض المظاهر والعارف يعبد كل شيء والله يعبد أيضاً كل شيء لأن الأشياء غذاؤه بالأسماء والأحكام وهو غذاؤها بالوجود وهو فقير إليها وهي فقيرة إليه وهو خليل كل شيء بهذا المعنى ويجعلون أسماء الله الحسنى وهي مجرد نسبة وإضافة بين الوجود والثبوت وليست أموراً عدمية ويقولون‏:‏ من أسمائه الحسنى العلي عن ماذا وما ثم إلا هو وعلى ماذا وما ثم غيره فالمسمى محدثات وهي العلية لذاتها وليست إلا هو وما نكح سوى نفسه وما ذبح سوى نفسه والمتكلم هو عين المستمع‏.‏

وإن موسى إنما عتب على هارون حيث نهاهم عن عبادة العجل لضيقه وعدم اتساعه وإن موسى كان أوسع في العلم فعلم أنهم لم يعبدوا إلا الله وإن أعلى ما عبد الهوى وإن كل من اتخذ إلهه هواه فما عبد إلا الله وفرعون كان عندهم من أعظم العارفين وقد صدقه السحرة في قوله أنا ربكم الأعلى وفي قوله‏:‏ ما علمت لكم من إله غيري وكنت أخاطب بكشف أمرهم لبعض الفضلاء الضالين وأقول إن حقيقة أمرهم هو حقيقة قول فرعون المنكر لوجود الخالق الصانع حتى حدثني بعض عن كثير من كبرائهم أنهم يعترفون ويقولون نحن على قول فرعون وهذه المعاني كلها هي قول صاحب الفصوص والله تعالى أعلم بما مات الرجل عليه والله يغفر لجميع المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات ‏"‏ ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا والمقصود أن حقيقة ما تضمنه كتاب الفصوص المضاف إلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أنه جاء به وهو ما إذا فهم المسلم بالاضطرار أن جميع الأنبياء والمرسلين وجميع الأولياء والصالحين بل جميع عوام أهل الملل من اليهود والنصارى والصابئين يبرؤون إلى الله تعالى من بعض هذا القول فكيف منه كله ونعلم أن المشركين عباد الأوثان والكفار أهل الكتاب يعترفون بوجود الصانع الخالق البارئ المصور - الذي خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور - ربهم ورب آبائهم الأولين - رب المشرق والمغرب‏.‏

ولا يقول أحد منهم أنه عين المخلوقات ولا نفس المصنوعات كما يقوله هؤلاء حتى أنهم يقولون لو زالت السموات والأرض زالت حقيقة الله وهذا مركب من أصلين‏:‏ أحدهما أن المعدوم شيء ثابت في العدم كما يقوله كثير من المعتزلة والرافضة وهو مذهب باطل بالعقل الموافق للكتاب والسنة والإجماع وكثير من متكلمة أهل الإثبات كالقاضي أبي بكر‏:‏ كفر من يقول بهذا وإنما غلط هؤلاء من حيث لم يفرقوا بين علم الله بالأشياء قبل كونها وإنها مثبتة عنده في أم الكتاب في اللوح المحفوظ وبين ثبوتها في الخارج عن ظلم الله تعالى فإن مذهب المسلمين أهل السنة والجماعة أن الله سبحانه وتعالى كتب في اللوح المحفوظ مقادير الخلائق قبل أن يخلقها فيفرقون بين الوجود العلمي وبين الوجود العيني الخارجي ولهذا كان أول ما نزل على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم سورة ‏"‏ اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم ‏"‏ فذكر المراتب الأربع وهي الوجود العيني الذي خلقه والوجود الرسمي المطابق للفظي الدال على العلمي وبين أن الله تعالى علمه ولهذا ذكر أن التعليم بالقلم فإنه مستلزم للمراتب الثلاثة وهذا القول - أعني قول من يقول‏:‏ إن المعدوم شيء ثابت في نفسه خارج عن علم الله تعالى - وإن كان باطلاً ودلالته واضحة لكنه قد ابتدع في الإسلام من نحو أربعمائة سنة وابن العربي وافق أصحابه به وهو أحد أصلي مذهبه الذي في الفصوص‏.‏



تابعوناااااا
ااااااااا
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://ehabmtwale.forumegypt.net
ايهاب متولى
مؤسس الموقع
مؤسس الموقع
avatar

عدد المساهمات : 1578
نقاط : 3229
تاريخ التسجيل : 10/01/2011
العمر : 39

مُساهمةموضوع: فصل وأما المؤاخاة فإن النبي صلى الله عليه وسلم آخى بين المهاجرين والأنصار   2011-08-04, 23:38

فصل وأما المؤاخاة فإن النبي صلى الله عليه وسلم آخى بين المهاجرين والأنصار

وأما المؤاخاة فإن النبي صلى الله عليه وسلم آخى بين المهاجرين والأنصار لما قدم المدينة كما آخى بين سلمان الفارسي وبين أبي الدرداء وبين عبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع وكانوا يتوارثون بتلك المؤاخاة حتى أنزل الله تعالى‏:‏ ‏"‏ وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله ‏"‏ فصاروا يتوارثون بالقرابة وفي ذلك أنزل الله تعالى‏:‏ ‏"‏ والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم ‏"‏ وهذا هو المحالفة واختلف العلماء عل التوارث بمثل ذلك عند عدم القرابة والولاء محكم أو منسوخ على قولين‏:‏ أحدهما أن ذلك منسوخ وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد في أشهر الروايتين عنه ولما ثبت في صحيح مسلم عنه أنه قال‏:‏ ‏"‏ لا حلف في الإسلام وما كان من حلف في الجاهلية فلم يزده الإسلام إلى شدة ‏"‏‏.‏

والثاني‏:‏ أن ذلك محكم وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد في الرواية الأخرى عنه‏.‏

وأما المؤاخاة بين المهاجرين كما يقال أنه آخى بين أبي بكر وعمر وأنه آخى علياً ونحو ذلك فهذا كله باطل وإن كان بعض الناس ذكر أنه فعل بمكة وبعضهم ذكر أنه فعل بالمدينة وذلك نقل ضعيف إما منقطع وإما بإسناد ضعيف والذي في الصحيح هو ما تقدم ومن تدبر الأحاديث الصحيحة والسيرة النبوية الثابتة تيقن أن ذلك كذب‏.‏

وأما عقد الأخوة بين الناس في زماننا فإن كان المقصود منها التزام الأخوة الإيمانية التي أثبتها الله بين المؤمنين بقوله‏:‏ ‏"‏ إنما المؤمنون إخوة ‏"‏ وقول النبي صلى الله تعالى عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ المسلم أخو المسلم لا يسلمه ولا يظلمه ‏"‏ وقوله‏:‏ ‏"‏ لا يبيع أحدكم على بيع أخيه ولا يستام على سوم أخيه ولا يخطب على خطبة أخيه ‏"‏ وقوله‏:‏ ‏"‏ والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه من الخير ما يحبه لنفسه ‏"‏ ونحو ذلك من الحقوق الإيمانية التي تجب للمؤمن على المؤمن فهذه الحقوق واجبة بنفس الإيمان والتزامها بمنزلة الصلاة والزكاة والصيام والحج والمعاهدة عليها كالمعاهدة على ما أوجب الله ورسوله وهذه ثابتة لكل مؤمن على كل مؤمن وإن لم يحصل بينهما عقد مؤاخاة وإن كان المقصود منها إثبات حكم خاص كما كان بين المهاجرين والأنصار فهذه فيها للعلماء قولان بناءً على أن ذلك منسوخ أم لا فمن قال‏:‏ إنه منسوخ - كمالك والشافعي وأحمد في المشهور عنه - قال‏:‏ إن ذلك غير مشروع‏.‏

ومن قال إنه لم ينسخ - كما قال أبو حنيفة وأحمد في الرواية الأخرى - قال‏:‏ إنه مشروع‏.‏

وأما الشروط التي يلتزمها كثير من الناس في السماع وغيره مثل أن يقول‏:‏ على المشاركة في الحسنات وأينا خلص يوم القيامة خلص صاحبه ونحو ذلك فهذه كلها شروط باطلة فإن الأمر يومئذ لله هو ‏"‏ يوم لا تملك نفس لنفس شيئاً ‏"‏ وكما قال تعالى‏:‏ ‏"‏ ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم وكذلك يشترطون شروطاً من الأمور الدنيوية ولا يوفون بها وما أعلم أحداً ممن دخل في هذه الشروط الزائدة على ما شرطه الله ورسوله وفى بها بل هو كلام يقولونه عند غلبة الحال لا حقيقة له في المال وأسعد الناس من قام بما أوجبه الله ورسوله فضلاً عن أن يوجب على نفسه زيادات على ذلك - وهذه المسائل قد بسطت في غير هذا الموضع والله أعلم‏.‏

قاله أحمد بن تيمية الحراني‏.‏

كتاب شيخ الإسلام ابن تيمية إلى العارف بالله الشيخ نصر المنبجي قال الراوي‏:‏ كتاب كتبه الشيخ الإمام وحيد دهره وفريد عصره علامة زمانه ناصر السنة مؤيد الشريعة شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس أحمد بن تيمية الحراني فسح الله تعالى في مدته وأعاد علينا من بركته إلى الشيخ القدوة أبي الفتح نصر المنبجي سنة أربع وسبعمائة‏.‏

بسم الله الرحمن الرحيم‏:‏ من أحمد بن تيمية إلى الشيخ العارف القدوة السالك الناسك أبي الفتح نصر فتح الله على باطنه وظاهره ما فتح به على قلوب أوليائه ونصره على شياطين الإنس والجن في جهره وإخفائه ونهج به الطريقة المحمدية الموافقة لشرعته وكشف به الحقيقة الدينية المميزة بين خلقه وطاعته وإرادته ومحبته حتى يظهر للناس الفرق بين الكلمات الكونية والكلمات الدينية وبين المؤمنين الصادقين الصالحين ومن تشبه بهم من المنافقين كما فرق الله بينهما في كتابه وسنته‏.‏

أما بعد فإن الله تعالى قد أنعم على الشيخ وأنعم به نعمة باطنة وظاهرة في الدين والدنيا وجعل له عند خاصة المسلمين الذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً منزلة عليه ومودة إليه لما منحه الله تعالى به من حسن المعرفة والقصد فإن العلم والإرادة أصل لطريق الهدى والعبادة وقد بعث الله محمداً صلى الله تعالى عليه وسلم بأكمل محبة في أكمل معرفة فأخرج بمحبة الله ورسوله هي أصل الأعمال المحبة التي فيها إشراك وإجمال كما قال تعالى‏:‏ ‏"‏ ومن الناس من يتخذ من دون الله أنداداً يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حباً لله ‏"‏ وقال تعالى‏:‏ ‏"‏ قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره ‏"‏ ‏.‏

ولهذا كانت المحبة الإيمانية هي الموجبة للذوق الإيماني والوجد الديني كما في الصحيحين عن أنس قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان في قلبه من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله ومن كان يكره أن يرجع في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار ‏"‏ فجعل صلى الله تعالى عليه وسلم وجود حلاوة الإيمان معلقاً بمحبة الله ورسوله الفاضلة وبالمحبة فيه في الله وبكراهة ضد الإيمان‏.‏

وفي صحيح مسلم عن العباس قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ ذاق طعم الإيمان من رضي بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد رسولاً ‏"‏ فجعل ذوق طعم الإيمان معلقاً بالرضى بهذه الأصول كما جعل الوجد معلقاً بالمحبة ليفرق صلى الله تعالى عليه وسلم بين الذوق والوجد الذي هو أصل الأعمال الظاهرة وثمرة الأعمال الباطنة وبين ما أمر الله به ورسوله وبين غيره كما قال سهل بن عبد الله التستري‏:‏ كل وجد لا يشهد له الكتاب والسنة فهو باطل إذ كان كل من أحب شيئاً فله ذوق بحسب محبته ولهذا طالب الله تعالى مدعي محبته بقوله‏:‏ ‏"‏ إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم ‏"‏‏.‏

قال الحسن البصري‏:‏ ادعى قوم على عهد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أنهم يحبون الله فطالبهم بهذه الآية فجعل محبة العبد لله موجبة لمتابعة رسوله وجعل متابعة رسوله موجبة لمحبة الرب عبده وقد ذكرت نعت المحبين في قوله‏:‏ ‏"‏ فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ‏"‏ فنعت المحبين المحبوبين بوصف الكمال الذي نعت لله به رسوله الجامع بين معنى الجلال والجمال المفرق في الملتين قلنا وهو الشدة والعزة على أعداء الله والذلة والرحمة لأولياء الله ورسوله ولهذا يوجد كثير ممن له وجد وحب مجمل مطلق كما قال فيه كبير من كبرائهم‏:‏ مشرد عن الوطن مبعد عن السكن يبكي الطلول والدمن يهوى ولا يدري لمن‏.‏

فالشيخ أحسن الله إليه قد جعل فيه من النور والمعرفة الذي هو أصل المحبة والإرادة ما تتميز به المحبة الإيمانية المحمدية المفصلة عن المجملة المشتركة وكما يقع هذا الإجمال في المحبة يقع أيضاً في التوحيد قال الله تعالى في أم الكتاب التي هي مفروضة على العبد وواجبة في كل صلاة أن يقول‏:‏ ‏"‏ إياك نعبد وإياك نستعين ‏"‏ وقد ثبت في الحديث الصحيح أن الله يقول‏:‏ ‏"‏ قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين نصفها لي ونصفها لعبدي ولعبدي ما سأل فإذا قال العبد ‏"‏ الحمد لله رب العالمين ‏"‏ قال الله‏:‏ حمدني عبدي وإذا قال‏:‏ ‏"‏ الرحمن الرحيم ‏"‏ قال الله‏:‏ أثنى عليّ عبدي وإذا قال‏:‏ ‏"‏ مالك يوم الدين ‏"‏ قال‏:‏ مجدني عبدي أو قال فوض إلي عبدي وإذا قال‏:‏ ‏"‏ إياك نعبد وإياك نستعين ‏"‏ قال‏:‏ فهذه الآية بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل فإذا قال‏:‏ ‏"‏ اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين ‏"‏ قال‏:‏ فهؤلاء ولهذا روي أن الله أنزل مائة كتاب وأربعة كتب جمع معانيها في القرآن ومعاني القرآن في المفصل في أم الكتاب ومعاني أم الكتاب في هاتين الكلمتين ‏"‏ إياك نعبد وإياك نستعين ‏"‏ وهذا المعنى قد ثناه الله في مثل قوله‏:‏ ‏"‏ فاعبده وتوكل عليه ‏"‏ وفي مثل قوله‏:‏ ‏"‏ عليه توكلت وإليه أنيب ‏"‏ وقوله‏:‏ ‏"‏ عليه توكلت وإليه متاب ‏"‏‏.‏

وكان النبي صلى الله تعالى عليه وسلم يقول في نسكه‏:‏ ‏"‏ اللهم هذا منك وإليك ‏"‏ فهو سبحانه مستحق التوحيد الذي هو دعاؤه وإخلاص الدين له دعاء العباد بالمحبة والإنابة والطاعة والإجلال والإكرام والخشية والرجاء ونحو ذلك من معاني تألهه وعبادته ودعاء المسألة والاستعانة بالتوكل عليه والالتجاء إليه والسؤال له ونحو ذلك مما يفعل سبحانه بمقتضى ربوبيته وهو سبحانه الأول والآخر والباطن والظاهر‏.‏

ولهذا جاءت الشريعة الكاملة في العبادة باسم الله وفي السؤال باسم الرب فيقول المصلي والذاكر الله أكبر وسبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله وكلمات الآذان‏:‏ الله أكبر الله أكبر إلى آخرها ونحو ذلك‏.‏

وفي السؤال‏:‏ ‏"‏ ربنا ظلمنا أنفسنا - رب اغفر لي ولوالدي - رب بما أنعمت علي فلن أكون ظهيراً للمجرمين - رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي ‏"‏ ‏"‏ ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا رب اغفر وارحم وأنت خير الراحمين ‏"‏ ونحو ذلك وكثير من المتوجهين السالكين يشهد في سلوكه الربوبية والقيومية الكاملة الشاملة لكل مخلوق من الأعيان والصفات وهذه الأمور قائمة بكلمات الله الكونية التي كان النبي صلى الله تعالى عليه وسلم يستعيذ بها فيقول‏:‏ ‏"‏ أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر من شر ما خلق وذرأ وبرأ ومن شر ما ينزل من السماء وما يعرج فيها ومن شر ما ذرأ في الأرض وما يخرج منها ومن شر فتن الليل والنهار ومن شر كل طارق إلا طارقاً يطرق بخير يا رحمن ‏"‏ فيغيب ويفنى بهذا التوحيد الرباني عما هو مأمور به أيضاً ومطلوبه وهو محبوب الحق ومرضيه من التوحيد الإلهي الذي هو عبادته وحده لا شريك له وطاعته وطاعة رسوله والأمر بما أمر به والنهي عما نهى عنه والحب فيه والبغض فيه ومن أعرض عن هذا التوحيد وأخذ بالأول فهو يشبه القدرية المشركية الذين قالوا ‏"‏ لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ‏"‏ ومن أخذ بالثاني دون الأول فهو من القدرية المجوسية الذين يزعمون أن الله لم يخلق أفعال العباد ولا شاء جميع الكائنات كما تقول المعتزلة والرافضة ويقع في كلام كثير من المتكلمة والمتفقهة والأول ذهب إليه طوائف من الإباحية المنحلين عن الأوامر والنواهي وإنما يستعملون ذلك عند أهوائهم وإلا فهو لا يستمر وهو كثير في المتألهة الخارجين عن الشريعة خفو العدو وغيرهم فإن لهم زهادات وعبادات فيها ما هو غير مأمور به فيفيدهم أحوالاً فيها ما هو فاسد يشبهون من بعض الوجوه الرهبان وعباد البدود‏.‏

ولهذا قال الشيخ عبد القادر قدس الله روحه كثير من الرجال إذا دخلوا إلى القضاء والقدر أمسكوا وأنا انفتحت لي فيه روزنة فنازعت أقدار الحق بالحق للحق والولي من يكون منازعاً للقدر لا من يكون موافقاً له‏.‏

وهذا الذي قاله الشيخ تكلم به على لسان المحمدية أي أن المسلم مأمور أن يفعل ما أمر الله به ويدفع ما نهى الله عنه وإن كانت أسبابه قد قدرت فيدفع الله بقدر الله كما جاء في الحديث الذي رواه الطبراني في كتاب الدعاء عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ إن الدعاء والبلاء ليلتقيان بين السماء والأرض ‏"‏ وفي الترمذي قيل‏:‏ يا رسول الله أرأيت أدوية نتداوى بها ورقي نسترقي بها وتقى نتقيها هل ترد من قدر الله شيئاً فقال‏:‏ ‏"‏ هن من قدر الله ‏"‏ وإلى هذين المعنيين أشار الحديث الذي رواه الطبراني أيضاً عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏"‏ يقول الله يا ابن آدم إنما هي أربع‏:‏ واحدة لي وواحدة لك وواحدة بيني وبينك وواحدة بينك وبين خلقي‏.‏

فأما التي لي‏:‏ فتعبدني لا تشرك بي شيئاً وأما التي لك فعملك أجزيك به أحوج ما تكون إليه وأما التي هي بيني وبينك فمنك الدعاء وعلي الإجابة وأما التي بينك وبين خلقي فأت الناس بما تحب أن يؤتوه إليك ‏"‏‏.‏

ثم إن التوحيد الجامع لتوحيد الألوهية والربوبية أو توحيد أحدهما للعبد فيه ثلاث مقامات‏:‏ والثاني مقام الجمع والفناء بحيث يغيب بمشهوده عن شهوده وبمعبوده عن عبادته وبموحده عن توحيده وبمذكوره عن ذكره وبمحبوبه عن حبه فهذا فناء عن إدراك السوى وهو فناء القاصرين‏.‏

وأما الفناء الكامل المحمدي فهو الفناء عن عبادة السوى والاستعانة بالسوى وإرادة وجه السوى وهذا في الدرجة الثالثة وهو شهود التفرقة في الجمع والكثرة في الوحدة فيشهد قيام الكائنات مع تفرقها بإقامة الله تعالى وحده وربوبيته ويرى أنه ما من دابة إلا ربي آخذ بناصيتها وأنه على كل شيء وكيل وأنه رب العالمين وأن قلوب العباد ونواصيهم بيده لا خالق غيره و نافع ولا ضار ولا معطي ولا مانع ولا حافظ ولا معز ولا مذل سواه ويشهد أيضاً فعل المأمورات مع كثرتها وترك الشبهات مع كثرتها لله وحده لا شريك له‏.‏

وهذا هو الدين الجامع العام الذي اشترك فيه جميع الأنبياء والإسلام العام والإيمان العام وبه أنزلت السور المكية وإليه الإشارة بقوله تعالى‏:‏ ‏"‏ شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه ‏"‏ وبقوله‏:‏ ‏"‏ واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا‏:‏ أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون ‏"‏ وبقوله تعالى‏:‏ ‏"‏ ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت ‏"‏ ولهذا ترجم البخاري عليه‏:‏ وقد قال تعالى‏:‏ ‏"‏ إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون ‏"‏ فجمع في الملل الأربع‏:‏ ‏"‏ من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً ‏"‏ وذلك قبل النسخ والتبديل وخص في أول الآية المؤمنين وهو الإيمان الخاص الشرعي الذي قال فيه‏:‏ ‏"‏ لكل جعلنا منكم شرعةً ومنهاجاً ‏"‏ والشرعة هي الشريعة والمنهاج هو الطريقة والدين الجامع هو الحقيقة الدينية وتوحيد الربوبية هو الحقيقة الكونية فالحقيقة المقصودة الدينية الموجودة الكونية متفق عليها بين الأنبياء والمرسلين‏.‏

فأما الشرعة والمنهاج الإسلاميان فهو لأمة محمد صلى الله تعالى عليه وسلم ‏"‏ خير أمة أخرجت للناس ‏"‏ وبها أنزلت السور المدنية إذ في المدينة النبوية شرعت الشرائع وسنت السنن ونزلت الأحكام والفرائض والحدود فهذا التوحيد هو الذي جاءت به الرسل ونزلت به الكتب وإليه تشير مشايخ الطريقة وعلماء الدين لكن بعض ذوي الأحوال قد يحصل له في حال الفناء القاصر سكر وغيبة عن السوى والسكر وجد بلا تمييز فقد يقول في تلك الحال سبحاني أو ما في الجبة إلا الله أو نحو ذلك من الكلمات التي تؤثر عن أبي يزيد البسطامي أو غيره من الأصحاء وكلمات السكر أن تطوى ولا تروى ولا تؤدى إذا لم يكن سكره بسبب محظور من عبادة أو وجه منهي عنه‏.‏

فأما إذا كان السبب محظوراً لم يكن السكران معذوراً لا فرق في ذاك بين السكر الجسماني والروحاني فسكر الأجسام بالطعام والشراب وسكر النفوس بالصور وسكر الأرواح بالأصوات وفي مثل هذا الحال غلط من غلط بدعوى الاتحاد والحلول العيني في مثل دعوى النصارى في المسيح ودعوى الغالية في علي وأهل البيت ودعوى قوم من الجهال الغالية في مثل الحلاج أو الحاكم بمصر أو غيرهما وربما اشتبه عليهم الاتحاد النوعي الحكمي بالاتحاد العيني الذاتي‏.‏

فالأول كما رواه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏ يقول الله‏:‏ عبدي‏!‏ مرضت فلم تعدني فيقول‏:‏ كيف أعودك وأنت رب العالمين فيقول‏:‏ أما علمت أنه مرض عبدي فلان فلو عدته لوجدتني عنده عبدي‏!‏ جعت فلم تطعمني فيقول‏:‏ ربي كيف أطعمك وأنت رب العالمين فيقول‏:‏ أما علمت أن عبدي فلاناً جاع فلو أطعمته لوجدت ذلك عندي ‏"‏ ففسر ما تكلم به في هذا الحديث أن جوع عبده ومحبوبه لقوله‏:‏ ‏"‏ لوجدت ذلك عندي ‏"‏ ولم يقل لوجدتني قد أكلته ولقوله‏:‏ ‏"‏ لوجدتني عنده ‏"‏ ولم يقل لوجدتني إياه وذلك لأن المحب يتفق هو ومحبوبه بحيث يرضى أحدهما بما يرضاه الآخر ويأمر بما يأمر به ويبغض ما يبغضه ويكره ما يكرهه وينهى عما ينهى عنه‏.‏

وهؤلاء هم الذين يرضى الحق لرضاهم ويغضب لغضبهم والكامل المطلق في هؤلاء محمد صلى الله تعالى عليه وسلم ولهذا قال تعالى فيه‏:‏ ‏"‏ إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله ‏"‏ وقال‏:‏ ‏"‏ والله ورسوله أحق أن يرضوه ‏"‏ وقال‏:‏ ‏"‏ من يطع الرسول فقد أطاع الله ‏"‏‏.‏

وقد جاء في الإنجيل الذي بأيدي النصارى كلمات مجملة إن صح أن المسيح قالها فهذا معناها كقوله‏:‏ أنا وأبي واحد من رآني فقد رأى أبي‏.‏

ونحو ذلك وبها ضلت النصارى حيث اتبعوا المتشابه كما ذكر الله عنهم في القرآن لما قدم وفد نجران على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وناظروه في المسيح‏.‏

وقد جاء في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري عن أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ من عادى لي ولياً فقد بارزني بالمحاربة وما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها فبي يسمع وبي يبصر وبي يبطش وبي يمشي ‏"‏ فأخبر في هذا الحديث أن الحق سبحانه إذا تقرب إليه العبد بالنوافل المستحبة التي يحبها الله بعد الفرائض أحبه الحق على هذا الوجه‏.‏

وقد غلط من زعم أن هذا قرب النوافل وإن قرب الفرائض أن يكون هو إياه فإن الله لا يقبل نافلة حتى تؤدى الفريضة فهذا القرب يجمع الفرائض والنوافل فهذه المعاني وما يشبهها هي أصول مذهب أهل الطريقة الإسلامية أتباع الأنبياء والمرسلين‏.‏

وقد بلغني أن بعض الناس ذكر عند خدمتكم الكلام في مذهب الاتحادية وكنت قد كتبت إلى خدمتكم كتاباً اقتضى الحال من غير قصد أن أشرت فيه إشارة لطيفة إلى حال هؤلاء ولم يكن القصد به والله واحداً بعينه وإنما الشيخ هو مجمع المؤمنين فعلينا أن نعينه في الدين والدنيا بما هو اللائق به وأما هؤلاء الاتحادية فقد أرسل إلى الداعي من طلب كشف حقيقة أمرهم وقد كتبت في ذلك كتاباً ربما يرسل إلى الشيخ وقد كتب سيدنا الشيخ عماد الدين في ذلك رسائل والله تعالى يعلم وكفى به عليماً لولا أني أرى دفع ضرر هؤلاء عن أهل طريق الله تعالى السالكين إليه من أعظم الواجبات - وهو شبيه بدفع التتار عن المؤمنين - لم يكن للمؤمنين بالله ورسوله حاجة إلى أن تكشف أسرار الطريق وتهتك أستارها ولكن الشيخ أحسن الله تعالى إليه يعلم أن المقصود الدعوة النبوية بل المقصود بخلق الخلق وإنزال الكتب وإرسال الرسل أن يكون الدين كله لله هو دعوة الخلائق إلى خالقهم بما قال تعالى‏:‏ ‏"‏ إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً ‏"‏ وقال سبحانه‏:‏ ‏"‏ قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني ‏"‏‏.‏

وقال تعالى‏:‏ ‏"‏ وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم صراط الله الذي له ما في السموات وما في الأرض ألا إلى الله تصير الأمور ‏"‏ وهؤلاء موهوا على السالكين التوحيد الذي أنزل الله تعالى به الكتب وبعث به الرسل بالاتحاد الذي سموه توحيداً وحقيقته تعطيل الصانع وجحود الخالق وإنما كنت قديماً ممن يحسن الظن بابن عربي ويعظمه لما رأيت في كتبه من الفوائد مثل كلامه في كثير من الفتوحات والكنة والمحكم المربوط والدرة الفاخرة ومطالع النجوم ونحو ذلك ولم نكن بعد اطلعنا على حقيقة مقصوده ولم نطالع الفصوص ونحوه وكنا نجتمع مع إخواننا في الله نطلب الحق ونتبعه ونكشف حقيقة الطريق فلما تبين الأمر عرفنا نحن ما يجب علينا فلما قدم من المشرق مشايخ معتبرون وسألوا عن حقيقة الطريقة الإسلامية والدين الإسلامي وحقيقة حال هؤلاء وجب البيان وكذلك كتب إلينا من أطراف الشام رجال سالكون أهل صدق وطلب أن أذكر النكت الجامعة لحقيقة مقصودهم والشيخ أيده الله تعالى بنور قلبه وذكاء نفسه وحق قصده من نصحه للإسلام وأهله ولإخوانه السالكين يفعل في ذلك ما يرجو به رضوان الله سبحانه ومغفرته في الدنيا والآخرة‏.‏

هؤلاء الذين تكلموا في هذا الأمر لم يعرف لهم خبر من حين ظهرت دولة التتار وإلا فكان الاتحاد القديم هو الاتحاد المعين وذلك أن القسمة رباعية فإن كل واحد من الاتحاد والحلول إما معين في شخص وإما مطلق أما الاتحاد والحلول المعين كقول النصارى والغالية في الأئمة من الرافضة وفي المشايخ من جهال الفقراء والصوفية فإنهم يقولون به في معنى إما بالاتحاد كاتحاد الماء واللبن وهو قول اليعقوبية وهم السودان ومن الحبشة والقبط وإما بالحلول وهو قول النسطورية وإما بالاتحاد من وجه دون وجه وهو قول الملكانية‏.‏

وأما الحلول المطلق‏:‏ وهو أن الله تعالى بذاته حال في كل شيء فهذا تحكيه أهل السنة والسلف عن قدماء الجهمية وكانوا يكفرون بذلك‏.‏

وأما ما جاء به هؤلاء من الاتحاد العام فما علمت أحداً سبقهم إليه إلا من أنكر وجود الصانع مثل فرعون والقرامطة وذلك أن حقيقة أمرهم أنهم يرون أن عين وجود الحق هو عين وجود الخلق وإن وجود ذات الله خالق السموات والأرض هي نفس وجود المخلوقات فلا يتصور عندهم أن يكون الله تعالى خلق غيره ولا أنه رب العالمين ولا أنه غني وما سواه فقير لكن تفرقوا على ثلاثة طرق وأكثر من ينظر في كلامهم لا يفهم حقيقة أمرهم لأنه أمر مبهم‏:‏ الأول أن يقولوا إن الذوات بأسرها كانت ثابتة في العدم ذاتها أبدية أزلية حتى ذوات الحيوان والنبات والمعادن والحركات والسكنات وأن وجود الحق فاض على تلك الذوات فوجودها وجود الحق وذواتها ليست ذوات الحق ويفرقون بين الوجود والثبوت فما كنت به في ثبوتك ظهرت به في وجودك ويقولون إن الله سبحانه لم يعط أحداً شيئاً ولا أغنى أحداً ولا أسعده ولا أشقاه وإنما وجوده فاض على الذوات فلا تحمد إلا نفسك ولا تذم إلا نفسك ويقولون إن هذا هو سر القدر وإن الله تعالى إنما علم الأشياء من جهة رؤيته لها ثابتة في العدم خارجاً عن نفسه المقدسة ويقولون إن الله تعالى لا يقدر أن يغير ذرة من العالم وإنهم قد يعلمون الأشياء من حيث علمها سبحانه فيكون علمهم وعلم الله تعالى من معدن واحد وإنهم يكونون أفضل من خاتم الرسل من بعض الوجوه لأنهم يأخذون من المعدن الذي أخذ منه الملك الذي يوحى به الرسل ويقولون إنهم لم يعبدوا غير الله ولا يتصور أن يعبدوا غير الله تعالى وإن عباد الأصنام ما عبدوا إلا الله سبحانه وإن قوله تعالى‏:‏ ‏"‏ وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه ‏"‏ معنى حكم لا معنى أمر فما عبد غير الله في كل معبود فإن الله تعالى ما قضى بشيء إلا وقع ويقولون إن الدعوة إلى الله تعالى المكر بالمدعو فإنه ما عدم من البداية فيدعى إلى الغاية وإن قوم نوح قالوا‏:‏ ‏"‏ لا تذرن آلهتكم ولا تذرن وداً ولا سواعاً ‏"‏ لأنهم لو تركوهم لتركوا من الحق بقدر ما تركوا منهم لأن الحق في كل معبود وجهاً يعرفه من عرفه وينكره من أنكره وإن التفريق والكثرة كالأعضاء في الصورة المحسوسة كالقوى المعنوية في الصورة الروحانية وإن العارف منهم يعرف من عبد وفي أي صورة ظهر حتى عبد فإن الجاهل يقول هذا حجر وشجر والعارف يقول هذا محل إلهي ينبغي تعظيمه فلا يقتصر فإن النصارى إنما كفروا لأنهم خصصوا وإن عباد الأصنام ما أخطأوا إلا من حيث اقتصارهم على عبادة بعض المظاهر والعارف يعبد كل شيء والله يعبد أيضاً كل شيء لأن الأشياء غذاؤه بالأسماء والأحكام وهو غذاؤها بالوجود وهو فقير إليها وهي فقيرة إليه وهو خليل كل شيء بهذا المعنى ويجعلون أسماء الله الحسنى وهي مجرد نسبة وإضافة بين الوجود والثبوت وليست أموراً عدمية ويقولون‏:‏ من أسمائه الحسنى العلي عن ماذا وما ثم إلا هو وعلى ماذا وما ثم غيره فالمسمى محدثات وهي العلية لذاتها وليست إلا هو وما نكح سوى نفسه وما ذبح سوى نفسه والمتكلم هو عين المستمع‏.‏

وإن موسى إنما عتب على هارون حيث نهاهم عن عبادة العجل لضيقه وعدم اتساعه وإن موسى كان أوسع في العلم فعلم أنهم لم يعبدوا إلا الله وإن أعلى ما عبد الهوى وإن كل من اتخذ إلهه هواه فما عبد إلا الله وفرعون كان عندهم من أعظم العارفين وقد صدقه السحرة في قوله أنا ربكم الأعلى وفي قوله‏:‏ ما علمت لكم من إله غيري وكنت أخاطب بكشف أمرهم لبعض الفضلاء الضالين وأقول إن حقيقة أمرهم هو حقيقة قول فرعون المنكر لوجود الخالق الصانع حتى حدثني بعض عن كثير من كبرائهم أنهم يعترفون ويقولون نحن على قول فرعون وهذه المعاني كلها هي قول صاحب الفصوص والله تعالى أعلم بما مات الرجل عليه والله يغفر لجميع المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات ‏"‏ ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا والمقصود أن حقيقة ما تضمنه كتاب الفصوص المضاف إلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أنه جاء به وهو ما إذا فهم المسلم بالاضطرار أن جميع الأنبياء والمرسلين وجميع الأولياء والصالحين بل جميع عوام أهل الملل من اليهود والنصارى والصابئين يبرؤون إلى الله تعالى من بعض هذا القول فكيف منه كله ونعلم أن المشركين عباد الأوثان والكفار أهل الكتاب يعترفون بوجود الصانع الخالق البارئ المصور - الذي خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور - ربهم ورب آبائهم الأولين - رب المشرق والمغرب‏.‏

ولا يقول أحد منهم أنه عين المخلوقات ولا نفس المصنوعات كما يقوله هؤلاء حتى أنهم يقولون لو زالت السموات والأرض زالت حقيقة الله وهذا مركب من أصلين‏:‏ أحدهما أن المعدوم شيء ثابت في العدم كما يقوله كثير من المعتزلة والرافضة وهو مذهب باطل بالعقل الموافق للكتاب والسنة والإجماع وكثير من متكلمة أهل الإثبات كالقاضي أبي بكر‏:‏ كفر من يقول بهذا وإنما غلط هؤلاء من حيث لم يفرقوا بين علم الله بالأشياء قبل كونها وإنها مثبتة عنده في أم الكتاب في اللوح المحفوظ وبين ثبوتها في الخارج عن ظلم الله تعالى فإن مذهب المسلمين أهل السنة والجماعة أن الله سبحانه وتعالى كتب في اللوح المحفوظ مقادير الخلائق قبل أن يخلقها فيفرقون بين الوجود العلمي وبين الوجود العيني الخارجي ولهذا كان أول ما نزل على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم سورة ‏"‏ اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم ‏"‏ فذكر المراتب الأربع وهي الوجود العيني الذي خلقه والوجود الرسمي المطابق للفظي الدال على العلمي وبين أن الله تعالى علمه ولهذا ذكر أن التعليم بالقلم فإنه مستلزم للمراتب الثلاثة وهذا القول - أعني قول من يقول‏:‏ إن المعدوم شيء ثابت في نفسه خارج عن علم الله تعالى - وإن كان باطلاً ودلالته واضحة لكنه قد ابتدع في الإسلام من نحو أربعمائة سنة وابن العربي وافق أصحابه به وهو أحد أصلي مذهبه الذي في الفصوص‏.‏



تابعوناااااا
ااااااااا
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://ehabmtwale.forumegypt.net
ايهاب متولى
مؤسس الموقع
مؤسس الموقع
avatar

عدد المساهمات : 1578
نقاط : 3229
تاريخ التسجيل : 10/01/2011
العمر : 39

مُساهمةموضوع: فصل فإذا تبين ذلك فوجوب إثبات العلو لله تعالى ونحوه يتبين من وجوه   2011-08-04, 23:39




فصل فإذا تبين ذلك فوجوب إثبات العلو لله تعالى ونحوه يتبين من وجوه

فإذا تبين ذلك فوجوب إثبات العلو لله تعالى ونحوه يتبين من وجوه‏:‏ أحدها أن يقال إن القرآن والسنن المستفيضة المتواترة وكلام السابقين والتابعين بل وسائر القرون الثلاثة بما فيه إثبات العلو لله على عرشه بأنواع من الدلالات ووجوه من الصفات وأصناف من العبارات تارة يخبر أنه خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش وقد ذكر الاستواء على العرش في سبعة مواضع وتارة يخبر بعروج الأشياء وصعودها وارتفاعها إليه كقوله تعالى‏:‏ ‏"‏ بل رفعه الله إليه إني متوفيك ورافعك إلي تعرج الملائكة والروح إليه ‏"‏ وقوله‏:‏ ‏"‏ إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه ‏"‏ وتارة يخبر بنزولها منه أو من عنده كقوله تعالى‏:‏ ‏"‏ والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق قل نزله روح القدس من ربك بالحق - حم تنزيل الكتاب من الرحمن الرحيم - حم تنزيل من الله العزيز الحكيم ‏"‏ وتارة يخبر بأنه وتارة يخبر بأنه في السماء كقوله تعالى‏:‏ ‏"‏ أأمنتم من السماء أن يخسف بكم الأرض أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصباً ‏"‏ فذكر السماء دون الأرض ولم يعلق بذلك ألوهية أو غيرها كما ذكر في قوله تعالى‏:‏ ‏"‏ وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله ‏"‏‏.‏

وقال تعالى‏:‏ ‏"‏ وهو الله في السموات وفي الأرض ‏"‏‏.‏

وكذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ ألا تأمنونني وأنا أمين من في السماء ‏"‏ وقال للجارية‏:‏ ‏"‏ أين الله قالت‏:‏ في السماء قال‏:‏ ‏"‏ اعتقها فإنها مؤمنة ‏"‏‏.‏

وتارة يجعل بعض الخلق عنده دون بعض ويخبر عمن عنده بالطاعة كقوله‏:‏ ‏"‏ إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته ويسبحونه وله يسجدون ‏"‏ فلو كان موجب العناية معنى عاماً كدخولهم تحت قدرته ومشيئته وأمثال ذلك لكان كل مخلوق عنده ولم يكن أحد مستكبراً عن عبادته بل مسبحاً له ساجداً وقد قال تعالى‏:‏ ‏"‏ إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين ‏"‏ وهو سبحانه وصف الملائكة بذلك رداً على الكفار والمستكبرين عن عبادته وأمثال هذا في القرآن لا يحصى إلا بكلفة وأما الأحاديث والآثار عن الصحابة والتابعين فلا يحصيها إلا الله تعالى فلا يخلو إما أن يكون ما اشتركت فيه هذه النصوص من إثبات علو الله نفسه وعلى خلقه هو الحق أو الحق نقيضه إذ الحق لا يخرج عن النقيضين وإما أن يكون نفسه فوق الخلق أو لا يكون فوق الخلق كما تقول الجهمية ثم تارة يقولون لا فرقهم ولا فيهم ولا داخل ولا خارج ولا مباين ولا محايث وتارة يقولون هو بذاته في كل مكان وفي المقالتين كلتيهما يدفعون أن يكون هو نفسه فوق خلقه‏.‏

فإما أن يكون الحق إثبات ذلك أو نفيه فإن كان نفي ذلك هو الحق فمعلوم أن القرآن لم يبين هذا قط لا نصاً ولا ظاهراً ولا الرسول ولا أحد من الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين لا أئمة المذاهب الأربعة ولا غيرهم ولا يمكن أحداً أن ينقل عن واحد من هؤلاء إنه نفي ذلك أو أخبر به وأما ما نقل من الإثبات عن هؤلاء فأكثر من أن يحصى أو يحصر فإن كان الحق النفي دون الإثبات - والكتاب والسنة والإجماع إنما دل على الإثبات ولم يذكر النفي أصلاً - لزم أن يكون للرسول والمؤمنون لم ينطقوا بالحق في هذا الباب بل نطقوا بما يدل إما نصاً وإما ظاهراً على الضلال والخطأ المناقض للهدى والصواب‏.‏

ومعلوم أن من اعتقد هذا في الرسول والمؤمنين فله أوفر حظ من قوله تعالى ‏"‏ ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيراً ‏"‏‏.‏

فإن القائل إذا قال هذه النصوص أريد بها خلاف ما يفهم منها أو خلاف ما دلت عليه أو إنه لم يرد إثبات علو الله نفسه على خلقه وإنما أريد بها علو المكانة ونحو ذلك كما قد بسطنا الكلام على هذا في غير هذا الموضع فيقال له فكان يجب أن يبين للناس الحق الذي يجب التصديق به باطناً وظاهراً بل ويبين لهم ما يدلهم على أن هذا الكلام لم يرد به مفهومه ومقتضاه فإن غاية ما يقدر إنه تكلم بالمجاز المخالف للحقيقة والباطن المخالف للظاهر ومعلوم باتفاق العقلاء أن المخاطب المبين إذا تكلم بمجاز فلا بد أن يقرن بخطابه ما يدل على إرادة المعنى المجازي فإذا كان الرسول المبلغ المبين الذي بين للناس ما نزل إليهم يعلم أن المراد بالكلام خلاف مفهومه ومقتضاه كان عليه أن يقرن بخطابه ما يصرف القلوب عن فهم المعنى الذي لم يرد لا سيما إذا كان باطلاً لا يجوز اعتقاده في الله فإن عليه أن ينهاهم عن أن يعتقدوا في الله ما لا يجوز اعتقاده إذا كان ذلك مخوفاً عليهم ولو لم يخاطبهم بما يدل على ذلك فكيف إذا كان خطابه هو الذي يدلهم على ذلك الاعتقاد الذي تقول النفاة هو اعتقاد باطل فإذا لم يكن في الكتاب ولا السنة ولا كلام أحد من السلف والأئمة ما يوافق قول النفاة أصلاً بل هم دائماً لا يتكلمون إلا بالإثبات امتنع حينئذ أن لا يكون مرادهم الإثبات وأن يكون النفي هو الذي يعتقدونه ويعتمدونه وهم لم يتكلموا به قط ولم يظهروه وإنما أظهروا ما يخالفه وينافيه وهذا كلام مبين لا مخلص لأحد عنه لكن للجهمية المتكلمة هنا كلام وللجهمية المتفلسفة كلام‏.‏



تابعوناا
ااااااااا
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://ehabmtwale.forumegypt.net
ايهاب متولى
مؤسس الموقع
مؤسس الموقع
avatar

عدد المساهمات : 1578
نقاط : 3229
تاريخ التسجيل : 10/01/2011
العمر : 39

مُساهمةموضوع: فصل في شروط عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه التي شرطها على أهل الذمة    2011-08-04, 23:42




فصل في شروط عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه التي شرطها على أهل الذمة

في شروط عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه التي شرطها على أهل الذمة لما قدم الشام وشارطهم بمحضر من المهاجرين والأنصار وعليها العمل عند أئمة المسلمين لقوله صلى الله تعالى عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة ‏"‏‏.‏

وقوله صلى الله تعالى عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر ‏"‏ لأن هذا صار إجماعاً من أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم الذين لا يجتمعون على ضلالة على ما نقلوه وفهموه من كتاب الله وسنة رسوله وهذه الشروط مروية من وجوه مختصرة ومبسوطة‏.‏ منها ما رواه سفيان الثوري عن مسروق بن عبد الرحمن بن عتبة قال‏:‏ كتب عمر حين صالح نصارى الشام كتاباً وشرط عليهم فيه أن لا يحدثوا في مدنهم ولا ما حولها ديراً ولا صومعة ولا كنيسة ولا قلاية لراهب ولا يجددوا ما خرب ولا يمنعوا كنائسهم أن ينزلها أحد من المسلمين ثلاث ليال يطعمونهم ولا يؤوا جاسوساً ولا يكتموا غش المسلمين ولا يعلموا أولادهم القرآن ولا يظهروا شركاً ولا يمنعوا ذوي قرابتهم من الإسلام إن أرادوه وأن يوقروا المسلمين وأن يقوموا لهم من مجالسهم إن أرادوا الجلوس ولا يتشبهوا بالمسلمين في شيء من لباسهم من قلنسوة ولا عمامة ولا نعلين ولا فرق شعر ولا يتكنوا بكناهم ولا يركبوا سرجاً ولا يتقلدوا سيفاً ولا يتخذوا شيئاً من سلاح ولا ينقشوا خواتيمهم بالعربية ولا يبيعوا الخمور وأن يجزوا مقادم رؤوسهم وأن يلزموا زيهم حيثما كانوا وأن يشدوا الزنانير على أوساطهم ولا يظهروا صليباً ولا شيئاً من كتبهم في شيء من طرق المسلمين بموتاهم ولا يضربوا بالناقوس إلا ضرباً خفياً ولا يرفعوا أصواتهم بقراءتهم في كنائسهم في شيء من حضرة المسلمين ولا يخرجوا شعانين ولا يرفعوا مع موتاهم أصواتهم ولا يظهروا النيران معهم ولا يشتروا من الرقيق ما جرت عليه سهام المسلمين فإن خالفوا شيئاً مما اشترطوا عليهم فلا ذمة لهم وقد حل للمسلمين منهم ما يحل من أهل المعاندة والشقاق‏.‏

وأما ما يرويه بعض العامة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏"‏ من آذى ذمياً فقد آذاني ‏"‏ فهذا كذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يروه أحد من أهل العلم وكيف ذلك وأذاهم قد يكون بحق وقد يكون بغير حق بل قد قال الله تعالى‏:‏ ‏"‏ والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا ‏"‏ فكيف يحرم أذى الكفار مطلقاً وأي ذنب أعظم من الكفر ولكن في سنن أبي داود عن العرباض بن سارية عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏ إن الله لم يأذن لكم أن تدخلوا بيوت أهل الكتب إلا بإذن ولا ضرب أبشارهم ولا أكل ثمارهم إذا أعطوكم الذين عليهم ‏"‏‏.‏

وكان عمر بن الخطاب يقول‏:‏ أذلوهم ولا تظلموهم‏.‏

وعن صفوان بن سليم عن عدة من أبناء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن آبائهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏ إلا من ظلم معاهداً أو انتقصه حقه أو كلفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئاً بغير طيب نفس فأنا حجيجه يوم القيامة ‏"‏‏.‏

وفي سنن أبي داود عن قابوس بن أبي ظبيان عن أبيه عن ابن عباس قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ ليس على مسلم جزية ولا تصلح قبلتان بأرض ‏"‏ وهذه الشروط قد ذكرها أئمة العلماء من أهل المذاهب المتنوعة وغيرها في كتبهم واعتمدوها فقد ذكروا أن على الإمام أن يلزم أهل الذمة بالتمييز عن المسلمين في لباسهم وشعورهم وكتبهم وركوبهم بأن يلبسوا ثوباً يخالف ثياب المسلمين كالعسلي والأزرق والأصفر والأدكن ويشدوا الخرق في قلانسهم وعمائمهم والزنانير فوق ثيابهم وقد أطلق طائفة من العلماء أنهم يؤخذون باللبس وشد الزنانير جميعاً ومنهم من قال‏:‏ هذا يجب إذا شرط عليهم وقد تقدم عمر بن الخطاب رضي الله عنه ذلك عليهم جميعاً حيث قال‏:‏ ولا يتشبهوا بالمسلمين في شيء من لباسهم في قلنسوة ولا غيرها من عمامة ولا نعلين إلى أن قال‏:‏ ويلزمهم بذلك حيثما كانوا ويشدوا الزنانير على أوساطهم‏.‏

وهذه الشروط يجددها عليهم من يوفقه الله تعالى من ولاة أمور المسلمين كما جدد عمر بن عبد العزيز في خلافته وبالغ في إتباع سنة عمر بن الخطاب حيث كان من العلم والعدل والقيام بالكتاب والسنة بمنزلة ميزه الله بها عن غيره من الأئمة وجددها هارون الرشيد وجعفر المتوكل وغيرهما وأمروا بهدم الكنائس التي ينبغي هدمها كالكنائس التي بالديار المصرية كلها ففي وجوب هدمها قولان ولا نزاع في جواز هدم ما كان بأرض العنوة إذا فتحت ولو أقرت بأيديهم لكونهم أهل الوطن كما أقرهم المسلمون على كنائس بالشام ومصر ثم ظهرت شعائر المسلمين فيما بعد في تلك البقعة بحيث بنيت فيها المساجد فلا يجتمع شعائر الكفر مع شعائر الإسلام كما قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ لا يجتمع قبلتان بأرض ‏"‏ ولهذا شرط عليهم عمر والمسلمون أن لا يظهروا شعائر دينهم وأيضاً فلا نزاع بين المسلمين أن أرض المسلمين لا يجوز أن تحبس على الديارات والصوامع ولا يصح الوقف عليها بل لو وقفها ذمي وتحاكم إلينا لم يحكم بصحة الوقف فكيف نحبس أموال المسلمين على معابد الكفار التي يشرك فيها بالرحمن ويسب الله ورسوله فيها أقبح سب وكان من سبب إحداث هذه الكنائس وهذه الأحباس عليها شيئان‏:‏ أحدهما أن بني عبيد الله القداح الذين كان ظاهرهم الرفض وباطنهم النفاق يستوزرون تارة يهودياً وتارة نصرانياً واجتلب ذلك النصراني خلقاً كثيراً وبنى كنائس كثيرة‏.‏

والثاني استيلاء الكتاب من النصارى على أموال المسلمين فيدلسون فيها على المسلمين ما يشاؤون والله أعلم‏.‏

قاله أحمد بن تيمية‏.‏

بسم الله الرحمن الرحيم‏:‏ مسألة فيمن يفعل من المسلمين مثل طعام النصارى في النيروز ويفعل سائر المواسم مثل الغطاس والميلاد وخميس العدس وسبت النور ومن يبيعهم شيئاً يستعينون به على أعيادهم أيجوز للمسلمين أن يفعلوا شيئاً من ذلك أم لا الجواب‏:‏ الحمد لله لا يحل للمسلمين أن يتشبهوا بهم في شيء مما يختص بأعيادهم لا من طعام ولا لباس ولا اغتسال ولا إيقاد نيران ولا تبطيل عادة من معيشة أو عبادة أو غير ذلك ولا يحل فعل وليمة ولا الإهداء ولا البيع بما يستعان به على ذلك لأجل ذلك ولا تمكين الصبيان ونحوهم من اللعب الذي في الأعياد ولا إظهار زينة وبالجملة ليس لهم أن يخصوا أعيادهم بشيء من شعائرهم بل يكون يوم عيدهم عند المسلمين كسائر الأيام لا يخصه المسلمون بشيء من خصائصه وأما إذ أصابه المسلمون قصداً فقد كره ذلك طوائف من السلف والخلف وأما تخصيصه بما تقدم ذكره فلا نزاع فيه بين العلماء بل قد ذهب طائفة من العلماء إلى كفر من يفعل هذه الأمور لما فيها من تعظيم شعائر الكفر‏.‏

وقال طائفة منهم من ذبح نطيحة يوم عيدهم فكأنما ذبح خنزيراً‏.‏

وقال عبد الله بن عمرو بن العاص‏:‏ من تأسى ببلاد الأعاجم وصنع نيروزهم ومهرجانهم وتشبه وفي سنن أبي داود عن ثابت بن الضحاك قال‏:‏ نذر رجل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينحر إبلاً ببوانة فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ إني نذرت أن أنحر إبلاً ببوانة فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ هل كان فيها من وثن يعبد من دون الله من أوثان الجاهلية ‏"‏ قال‏:‏ لا قال‏:‏ ‏"‏ فهل كان فيها عيد من أعيادهم ‏"‏ قال‏:‏ لا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ أوف بنذرك فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله ولا فيما لا يملك ابن آدم ‏"‏ فلم يأذن النبي صلى الله عليه وسلم أن يوفي بنذره مع أن الأصل في الوفاء أن يكون واجباً حتى أخبره أنه لم يكن بها عيد من أعياد الكفار وقال‏:‏ ‏"‏ لا وفاء لنذر في معصية الله ‏"‏ فإذا كان الذبح بمكان كان فيه عيدهم معصية فكيف بمشاركتهم في نفس العيد بل قد شرط عليهم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب والصحابة وسائر أئمة المسلمين أن لا يظهروا أعيادهم في دار المسلمين وإنما يعملونه سراً في مساكنهم فكيف إذا أظهرها المسلمون حتى قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه‏:‏ لا تتعلموا رطانة الأعاجم ولا تدخلوا ولا تدخلوا على المشركين في كنائسهم يوم عيدهم فإن السخط ينزل عليهم وإذا كان الداخل لفرجة أو غيرها نهي عن ذلك لأن السخط ينزل عليهم فكيف بمن يفعل ما يسخط الله به عليهم مما هي من شعائر دينهم وقد قال غير واحد من السلف في قوله تعالى‏:‏ ‏"‏ والذين لا يشهدون الزور ‏"‏ قالوا أعياد الكفار فإذا كان هذا في شهودها وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في المسند والسنن أنه قال‏:‏ ‏"‏ من تشبه بقوم فهو منهم ‏"‏ وفي لفظ ‏"‏ ليس منا من تشبه بغيرنا ‏"‏ وهو حديث جيد فإذا كان هذا في التشبه بهم وإن كان في العادات فكيف التشبه بهم فيما هو أبلغ من ذلك وقد كره جمهور الأئمة إما كراهة تحريم أو كراهة تنزيه أكل ما ذبحوه لأعيادهم وقرابينهم إدخالاً له فيما أهل به لغير الله وما ذبح على النصب وكذلك نهوا عن معاونتهم على أعيادهم بإهداء أو مبايعة وقالوا‏:‏ إنه لا يحل للمسلمين أن يبيعوا للنصارى شيئاً من مصلحة عيدهم لا لحماً ولا دماً ولا ثوباً ولا يعارون دابة ولا يعاونون على شيء من دينهم لأن ذلك من تعظيم شركهم وعونهم على كفرهم وينبغي للسلاطين أن ينهوا المسلمين على ذلك لأن الله تعالى يقول‏:‏ ‏"‏ وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان ‏"‏ ثم إن المسلم لا يحل له أن يعينهم على شرب الخمور بعصرها أو نحو ذلك فكيف على ما هو من شعائر الكفر وإذا كان لا يحل له أن يعينهم هو فكيف إذا كان هو الفاعل لذلك والله أعلم‏.‏

قاله أحمد بن تيمية‏.‏





انتظرونا فى الجزء الثانى من الرسائل

نسالكم الد
عاء

اخوكم


ايهاب
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://ehabmtwale.forumegypt.net
ايهاب متولى
مؤسس الموقع
مؤسس الموقع
avatar

عدد المساهمات : 1578
نقاط : 3229
تاريخ التسجيل : 10/01/2011
العمر : 39

مُساهمةموضوع: رد: كتاب جامع الرسائل لابن القيم/ الجزء الاول   2011-08-23, 13:50

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://ehabmtwale.forumegypt.net
 
كتاب جامع الرسائل لابن القيم/ الجزء الاول
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
موقع الاستاذ ايهاب الاسلامى. :: الكتب الاسلامية :: مكتبة الكتب الاسلامية-
انتقل الى: